إشكالية كتابة الدستور في المرحلة الإنتقالية

إشكالية كتابة الدستور في المرحلة الإنتقالية

على رأس التحديّات التي تواجه شعوب ودول الربيع العربي، تأتي مهمّة كتابة دستور تتأسس عليه حياة سياسية واجتماعية جديدة، ويُجسّد مطالب الجماهير التي خرجت على حكامها السابقين. حتى اللحظة تفشل هذه الشعوب في الاستجابة لهذا التحدّي.

صياغة الدستور في مرحلة ما بعد الانتفاضات ليست مسألة بسيطة. الصراع على الدستور الذي نشهده في مصر وتونس ليس مجرّد صراع عادي بين قوى سياسية تتبنّى برامج مختلفة. إنه  صراع على شرعية الدولة التي سيحدّد شكلُها مسارَ المرحلة الانتقالية بين سقوط نظام ونشوء نظام آخر.

لا تصحّ مقارنة عملية التفاهم على دستور جديد للبلاد بالصراع الذي يمكن أن ينشب بين قوى سياسية متعارضة حول إقرار قانون معيّن. فعملية تغيير القوانين مسألة روتينية يلحظها أي نظام ديمقراطي، ولا يمكن إلا أن تخضع لموازين القوى التي تتبدّل بين فترة وأخرى. الدستور أمر مختلف تماماً، فهو بوصفه القانون الأسمى، يجب أن يتّسم بنوع من الثبات ويجب أن يعكس تفاهماً اجتماعياً واسعاً حوله لأنه محور شرعية النظام الجديد.

وعليه، ليس صحيّاً استعراض القوى السياسية عضلاتها من خلال سعيها إلى فرض قيم الدولة ومبادئها وأسسها على معارضيها؛ فموازين القوى تتبدّل في الأنظمة الديمقراطية، ومَن يتمتع بالقوة اليوم يُمكن أن يضعف غداً فيذهب معه دستوره المفروض، ونعود إلى نقطة الصفر مما يعرّض كل بنية الدولة إلى خضّة جديدة. هكذا تتحوّل العملية التأسيسية إلى سلسلة لا تنتهي من المخاضات التي تحرم المواطنين من الاستقرار.

أسقطت انتفاضة الشعب التونسي دستور العام 1959 وأسقطت انتفاضة المصريين دستور العام 1971. في البلدين لم تنجح القوى السياسية المختلفة في التفاهم على دستور جديد. فالقوى المسيطرة والقوى المعارضة تتعاطى مع هذا التحدّي بأفق ضيّق. لم تتوصّل، حتى اللحظة، إلى إدراك حقيقة أن الدستور سيحدّد شكل العملية السياسية لعقود لاحقة وبالتالي عليه أن يُصاغ بشكل يرضي كل أطياف المجتمَعين التونسي والمصري. تتعاطى القوى السياسية المسيطرة مع هذا التحدّي بشكل كيدي يهدف إلى تهميش الخصم، مما يولّد انقساماً اجتماعياً حاداً يتجسّد على صورة أزمات متعاقبة تحرم المجتمعين التونسي والمصري من الاستقرار، رغم مرور حوالي ثلاث سنوات على إسقاط الأنظمة السابقة.

يعود هذا الخلاف إلى ذهنية لا تتقبّل فكرة أن العملية السياسية الديمقراطية تفضي حكماً إلى تغيّرات دورية في موازين القوى السياسية. كل طرف ينظر إلى الانتخابات كوسيلة للوصول إلى السلطة مرّة واحدة وإلى الأبد. لهذا لا يقبل بأن لا تنعكس توجهاته السياسية في الدستور!

في تونس، اتفقت القوى السياسية على خارطة طريق تتضمّن كتابة دستور جديد للبلاد، خلال عام من تاريخ انتخاب المجلس الوطني التأسيسي (انتخب في 23 أكتوبر 2011). حتى اليوم لم تنته هذه العملية بسبب غياب التوافق. تبدأ الخلافات بهوية الدولة وعلاقتها بالشريعة الإسلامية، ولا تنتهي بشكل النظام السياسي الجديد.

حركة النهضة الإسلامية المسيطرة على المجلس التأسيسي تقبل بأن يقتصر ربط الدولة بالهوية الإسلامية على صياغة عامة. أمام الأزمة التي تعصف بتونس على خلفية اغتيال القياديين المعارضين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، أبدت الحركة مزيداً من المرونة، وقبلت بأن تتغيّر عبارة "تأسيساً على تعاليم الإسلام” لتصير “تعبيراً عن تمسك شعبنا بتعاليم الإسلام"… رغم ذلك تصرّ القوى المعارضة على اعتبار أن الحركة تسعى إلى فرض دستور يفتح الطريق لدولة استبداد جديد بغطاء ديني". لا تتحلّى المعارضة التونسية بالمرونة الكافية لقبول صياغة عامة لن تؤثر على عملية التشريع في المستقبل ولقبول استفتاء الشعب على الدستور المقترح. تريد دستوراً مفصلاً على مقاسها السياسي وتطالب بحل الجمعية التأسيسية ممنية نفسها بالسيطرة على الجمعية التأسيسية المقبلة.

في مصر الخلاف أعقد من ذلك بكثير. منذ الخطوات الأولى لتشكيل اللجنة التأسيسية للدستور المصري الجديد، برزت الخلافات حول شكلها بسبب عدم وفاء الإخوان بتمثيل المدنيين والإسلاميين مناصفة فيها. بعدها أقرّت مسودّة الدستور على الرغم من انسحاب ممثلي القوى المدنية والأزهر والكنائس المصرية، وطرحت على استفتاء شعبي كانت نتيجته قبول الشعب بها.

لم تكتف جماعة الإخوان بنص المادة الثانية للدستور على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع" بل أضافت في المادة 219 أن "مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة" ما يمكن أن يؤثر على مسار التشريع في المستقبل. لم يتفهّم إخوان مصر أن الدستور يجب أن يحظى بشبه إجماع عليه لأنه النص الذي يعطي الشرعية للدولة. لا بل إنهم سعوا إلى استباق الزمن وتمرير الدستور قبل بتّ المحكمة الدستورية العليا في دعاوى حلّ مجلس الشورى والجمعية التأسيسية للدستور.

أقرّ الدستور المصري في 15 ديسمبر 2012 في ظل تعهد الإخوان، بإعلان دستوري أصدره الرئيس محمد مرسي، يفيد بأنه في حالة عدم موافقة الناخبين على مشروع الدستور “يدعو رئيس الجمهورية، خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر، إلى انتخاب جمعية تأسيسية جديدة، مكونة من مئة عضو، انتخاباً حراً مباشرا”.

الملفت في التجربة المصرية هو تبدّل المزاج الشعبي، ما يؤكد أن الشعب المصري صوّت على مشروع الدستور دون أن يفهم بأن الخطوة التي قام بها مصيرية! بعد أحداث 3 يوليو أصدر رئيس الجمهورية المؤقت عدلي منصور إعلاناً دستورياً يحدد خطوات لتعديل دستور 2012. "الحوار المجتمعي" و"تشكيل لجنة تضمّ الأطياف والخبرات كافة" الذين تعهد بهم الإعلان ضربوا بعرض الحائط بعد تهميش مشاركة الإسلاميين. السخرية تتبدّى في إقصاء الإخوان وتمثيل حزب النور رغم أن الأخير هو من أدخل المادة 219 إلى الدستور الملغى! أقصى العهد الجديد الإخوان عن المشاركة في بناء شرعية دولة مصر. أكثر من ذلك غيّبت المرحلة الانتقالية التي فرضها المجلس العسكري الشعب وأناطت مهمة كتابة الدستور بلجان معيّنة! يرى بعض المصريين أن المتغيّرات الأخيرة هدفها إلغاء مسار 25 يناير.

في تونس هناك أمل بتوافق الأطراف السياسية على دستور يرضي الجميع ويحقق الاستقرار. أما في مصر فإن هذا الأمل مفقود بسبب الكيدية التي تسيطر على سلوكيات القوى السياسية. في الحالتين أثبتت التجربة أنه قبل الشروع بكتابة الدساتير كان يجب أن تنظم حملة توعية شعبية توضح للمواطنين تأسيسية هذه العملية لمستقبلهم.

التعليقات

المقال التالي