هل يتصالح الإخوان مع العهد الجديد؟

هل يتصالح الإخوان مع العهد الجديد؟

لا يمكن للمصريين الاستمرار في التعامي عن خطر الأزمة الحادة التي عصفت بالمجتمع المصري بعد 3 يوليو. حتى اللحظة، لا مؤشرات على قناعة أطراف النزاع بضرورة إيجاد تسوية تعيد الاستقرار إلى البلاد. في ظل هذا الواقع الانقسامي طُرحت "مبادرات" عدّة. والسؤال: هل يتصالح الإخوان مع العهد الجديد؟

"أهدي حادث محاولة اغتيال وزير الداخلية إلى أصحاب فقه المصالحة الوطنية مع تنظيم الإخوان سواء من بعض أعضاء الحكومة الحالية أو الأحزاب التي أصدرت مبادرات للتصالح مع الإخوان"، قال مؤخراً، رئيس المجلس الاستشاري لحزب التجمع رفعت السعيد. يلخّص كلام السعيد وجهة نظر بعض أطراف الأزمة المصرية ممن لا يرون حلاً للأزمة المصرية إلا بإقصاء الإخوان المسلمين وكأنّه من الممكن أن يتبخّروا بقدرة قادر!

تنكر بعض القوى السياسية وجود أزمة سياسية ـ اجتماعية في مصر وتظنّ أنها بإنكارها تساعد على التسريع في ولادة حل! المتحدث باسم جبهة الإنقاذ الوطني، عزازي علي عزازي، يرفض مجرّد الاعتراف بوجود الإخوان. "مصر ليس فيها سوى طرف واحد هو الدولة"، يقول. آخرون، كالشاعر محمود قرني، يلجأون إلى طرح شعارات كبيرة تغلّف طموحاتهم الإقصائية. يعتبر قرني أن "مفهوم المصالحة، خارج الأطر التاريخية التي تم سردها في تجارب كثيرة عقب ثورات تاريخية ، يعني أننا نعيد إنتاج الفشل الحادث بعد ثورة 25 يناير".

في الجانب المقابل تخرج أصوات إخوانية يظنّ مطلقوها أن باستطاعتهم إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 3 يوليو. نائب رئيس حزب الحرية والعدالة، عصام العريان، يصرّ على اعتبار "أننا بالفعل انتصرنا وستعود الشرعية قريباً جداً"، لا بل يؤكد "أننا لن نترك قادة الانقلاب دون عقاب أو حساب على ما اقترفت أيديهم". في البيان الذي أصدره لحث المصريين على التظاهر، توجّه "التحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب" إلى مؤيديه بالقول: "ثقوا في نصر الله فإن تبشيرات كسر الانقلاب وهزيمة الانقلابيين تلوح في الأفق".

النظر إلى الأزمة على أساس أنها صراع كسر إرادات لا يزال سائداً. ولكن بين حدّي التطرف اللذين لا يؤديان إلا إلى حرب أهلية، تخرج بعض الأصوات الوسطية وتحاول خرق جدار الانقسام بين المصريين. أفكار كثيرة سمّيت مبادرات تم تداولها دون أن تستطيع خلق أرضية صالحة لتفاهم وطني يعيد الاستقرار إلى الشارع المصري. الكلام العلني يختلف عمّا يدور في الكواليس. إعادة الرئيس المخلوع محمد مرسي إلى السلطة لم تعد شرطاً تصرّ عليه القوى الإسلامية. يريدون الآن عدم إقصاء الأحزاب الإسلامية عن المسار المستقبلي لمصر.

أبرز "المبادرات" الحديثة هي تلك التي طرحها عضو مجلس شورى الجماعة الإسلامية عبود الزمر. يقتصر هدف هذه "المبادرة" على توفير أرضية صالحة للبحث في مبادرات أكثر جدية حول كيفية إدارة مرحلة انتقالية بشكل يرضي كلّ الأطراف السياسية. من هنا نصُها على الابتعاد عن كل اعتراض غير سلمي والتوقف عن حملات التخوين المتبادل والتهدئة الإعلامية وإلغاء حالة الطوارئ وإطلاق سراح السجناء. أسُس هذه المبادرة لا ترضي الأطراف التوّاقة إلى استمرار النزاع وحلّه عن طريق الحسم، دون أن تأبه للضرر العام الذي سينتج عن ذلك. كما أنها تصطدم بمعوقات رفض بعض قوى "العهد الجديد" الاعتراف بتجاوزات تم ارتكابها في الشهرين الماضيين، كالاعتقال الكيدي لبعض الإخوانيين.

في مقابل "المبادرات" الشعبية، لم تخرج عن "العهد الجديد" أيّة مبادرة جدّية. الحكومة المصرية طرحت مبادرة خلاصتها استكمال خارطة الطريق التي وضعها الجيش المصري (إجراء انتخابات رئاسية مبكرة وانتخابات برلمانية وتعديل الدستور). وعلى الرغم من أن هذه المبادرة لم تأت سوى لرفع العتب كونها لا تعترف بانقسام الشرعية حول مسار 3 يوليو، فإن السير بها تعرقله طبيعة لجنة الـ50 المشكلة والمكلفة  بتعديل الدستور، ويعرقله السيف المسلط على الإخوان مهدداً إياهم بحلّ حركتهم، وربما بحلّ حزبهم السياسي.

حتى اللحظة، لم تُجب الحكومة المصرية على أيّة مبادرة من المبادرات التي طرحتها القوى الإسلامية. بموازاة ذلك تستمر الأجهزة الأمنية في شنّ حملات واسعة لاعتقال قياديي الجماعة وناشطيها.

هناك إشارات قليلة تحفّز على الأمل بإمكان أن تشهد مصر انفراجاً سياسياً قريباً، منها إعلان رئيس الحكومة المصرية المؤقتة حازم الببلاوي أن "حلّ الحزب أو الجماعة ليس هو الحل" وأنه "من الخطأ اتخاذ قرارات في ظروف مضطربة". يؤشر هذا الموقف على فهم لمخاطر قرار إقصاء الإخوان، ولكن لا يمكن اعتباره مؤشراً قوياً طالما أن كلام الببلاوي لم يتجسّد في شكل مبادرة يتوافق عليها جميع الأطراف.

لا تستطيع مصر احتمال حالة الاستنزاف الأمني والاقتصادي التي تشهدها حالياً ولن يرضى المصريون بأن تكون نتيجة ثورتهم العودة إلى حالة الطوارئ. من غير الممكن أن ينكسر مسار 3 يوليو، لكن لا يمكن إقصاء الإخوان. فإذا كانت مصر أثبتت أنها عصية على الأخونة، إلا أنها لا تستطيع أن تقصي الإخوان.

حالياً يمكن اعتبار جماعة الإخوان شبه مفككة بسبب الاعتقالات الواسعة التي طالت قيادييها. التواصل بين القياديين المسجونين والأعضاء المشاركين في المبادرات شبه منقطع. لذلك فإن كل تسوية ممكنة يجب أن تضع أمام أعينها احتمال انقسام الإخوانيين حيال مترتباتها، ما يمكن أن يدفع بعضهم إلى التخلّي عن إيمانهم بالعملية السياسية برمّتها، ويضع مصر على مفترق طرق خطير. على كل حال، يبقى التفاوض مع الإخوان ككيان موحّد أفضل بكثير من التواصل مع جماعات إخوانية محلية، وهو ما يهدف إليه المجلس العسكري.

هل يتصالح الإخوان مع العهد الجديد؟ يصعب تخيّل هكذا سيناريو، لأن إرضاء الإخوان لا يمكن أن يتم دون زعل بعض المتحلقين حول المسار الانتقالي. يبقى الحلّ الوحيد الذي يمكن تصوّره قائماً  على أساس إخراج معظم قيادات الإخوان من السجون وتأجيل الخلافات حول الدستور إلى ما بعد إجراء انتخابات نيابية يشارك فيها الإخوان وباقي ممثلي الإسلاميين بحرية.

التعليقات

المقال التالي