الشعب يريد إسقاط النظام

الشعب يريد إسقاط النظام

هذه الجملة، التي مثّلت شعار تحرّكات الربيع العربي، لخّصت بطريقة بسيطة ولكن قوية المطلب الرئيسي لهذه التحرّكات، أي أن تكون إرادة الشعب هي التي تقرّر مصير الأنظمة السياسية القائمة. بساطة هذا الشعار تبيّن كم كان الوضع السياسي في العالم العربي مزرياً، فهو لم يتضمّن رغبة في تغيير الشعب لشكل الحكم أو لدوره المستقبلي فيه، بل اقتصر على رغبته في تغيير الحكام الحاليين، الذين استحال تغييرهم لمدة طويلة جدًّا.

من بديهيات الفكر السياسي أن يكون للشعب الحق في اختيار حكّامه. يُستخدم هذا القول عادة كتعريف لمفهوم الديمقراطية. ولكنّه يحمل رغم وضوحه ووجود اتفاق واسع حول صحته، تعقيدات عدّة تتمحور حول مسألتين تجلّتا في زمن ما بعد ثورات الربيع العربي. المسألة الأولى تتعلّق بموضوع الحكمة. وكان أوّل من طرحها أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد، حين سُئل إن كان يعتبر أن عدداً كبيراً من الناس العاديين أكثر حكمة من شخص واحد شديد المعرفة والفضيلة. أي بمعنى آخر، إن كان النظام الديمقراطي أفضل من الحكم الملكي أو الأرستقراطي الجيد. كان جواب أرسطو عن السؤال إيجابياً، معلّلاً إيّاه بقوله إنّ كل شخص يتمتع بمعرفة أو بخبرة ما، ومجموع المساهمات التي تأتي بها هذه المعارف الجزئية تتخطّى حتماً مجموع قدرات شخص واحد، أو عدد قليل من الأشخاص، وإن كانوا فائقي المعرفة. لكن الشك في حكمة الناس وقدرتهم على اختيار حكامهم، أو حتى قدرتهم على معرفة مصلحتهم الشخصية، طُرح مجددّاً في عصر الأيديولوجيات، بدءاً بكارل ماركس الذي انتقد الانصياع للدين فوصف الدين بأفيون الشعوب، وصولاً إلى القرن العشرين الذي تجلّت فيه السهولة التي يجري بها تجييش الشعوب، والاستجابة لأمثال هتلر وموسوليني.

اعلان


طرحت مسألة قدرة الشعب على حسن الاختيار في الانتخابات التي تلت الثورات في تونس ومصر، على أثر فوز الأحزاب الإسلامية، وبعد وصول الوضع في مصر إلى ذروته في الآونة الأخيرة. فسّر الكثيرون تدخّل الجيش في مصر بكونه مبني على الرغبة الحالية للأكثرية، ولكن يمكن تفسيره بصورة أخرى بناءً على تصوّر الجيش لما كان يجب أن تكون عليه رغبة الشعب وقت الانتخابات لو كان حكيماً، أي أن الجيش هنا يمثّل الجهة التي تعتبر نفسها حاملة للمعرفة والحكمة التي لا يمتلكها الشعب أو الأكثرية.

المسألة الثانية مرتبطة بالأولى ولكنّها مختلفة بعض الشيء، وتتمثّل في واقع أن خيار الشعب لا يمكن أن يُحدّد إلا من خلال الاحتكام إلى قرار الأكثرية. وفقاً لذلك، فإن الحديث عن إرادة الشعب هو فعلياً حديث عن إرادة الأكثرية، ما ينتج في العديد من الأحيان إجحافاً بحقّ الأقليّات. أوّل من نبّه لهذا الموضوع المفكر البريطاني جون ستيوارت ميل John stuart mill في القرن التاسع عشر، إذ دعا، حلّاً لهذه المشكلة، إلى احترام الحريّات الفرديّة كحريّة المعتقد وحريّة الرأي والتعبير. مفهوم الديمقراطية الليبرالية liberal democracy نتج عن هذا التوجّه الليبرالي الذي شاء أن يوازن رغبة الشعب بحقوق وحريّات لا يمكن أن تنتزعها حتى رغبة الشعب نفسه. بمعنى آخر، إنّ الديمقراطية من جهة والحقوق من جهة أخرى فكرتان متضاربتان إلى حدّ ما، توازن بينهما الأنظمُة الديمقراطية بصور مختلفة.

مشكلة العلاقة بين الأكثرية والأقلية تتجلّى أيضاً في الوضع المصري. أولاً فيما يتعلّق بالدستور الذي قدّمه الأخوان المسلمون والذي اتُهم بعدم صيانة حقوق الأقليات، لا سيما عبر اعتماده الدين الإسلامي كأساس التشريع، ممّا يجعل من دين الأكثرية أساساً للقوانين، بما فيها القوانين التي ترمي إلى حماية الحريات والحقوق الفردية. تجلّت كذلك، وبصورة أقوى وأفظع، في عمليّات التنكيل بالأقليّات القبطيّة والشيعية، الذي أفقد حكم الأخوان شرعيّته، ليس لأنّه لا يمثّل الأكثريّة (هذه مسألة منفصلة) ولكن لأنّه لم يصن الحقوق والحريّات، أي أنّه وإن كان ديمقراطياً، فلم يكن ليبرالياً.

شعار الثورة، إذن، وإن كان بسيطاً وقويّاً، ينطوي بحد ذاته على معضلات أساسية واجهها الفكر الديمقراطي عبر التاريخ، ويواجهها اليوم العالم العربي ما بعد الثورة.

كلمات مفتاحية
الثورات

التعليقات

المقال التالي