هل يتخذ المسار البحريني منحى عنفياً ؟

هل يتخذ المسار البحريني منحى عنفياً ؟

قبل سبعة أيام، بدأت جولة جديدة من الحوار في البحرين. كل الظروف لا تَعِد بإمكانية توصّل المتحاورين إلى توافق وطني ينهي الأزمة القائمة منذ قرابة ثلاث سنوات. فهل ينفجر الوضع؟

في الشكل، هناك خطأ بنيوي في اختيار المتحاورين. طاولة الحوار البحريني تتألف من 3 وزراء يمثلون الحكومة، 8 نواب يوصفون بالمستقلين، 8 ممثلين عن ائتلاف الجمعيات الموالية للسلطة، إضافة إلى 8 ممثلين عن تحالف الجمعيات السياسية المعارضة. هذا التنويع الذي يوحي شكلياً بأنه يهدف إلى إشراك شريحة واسعة من البحرينيين في الحوار يُخفي حقيقة أساسية: مقابل 8 أصوات للمعارضة يقف 19 صوتاً موالياً للسلطة. لا يقتصر الأمر على ذلك فقط، فتوزيع المشاركين يفضح استراتيجية السلطة البحرينية الهادفة إلى إظهار الأزمة البحرينية على أنها مسألة انقسام اجتماعي، لا مسألة مطالب واضحة تطرحها معارضة شعبية واسعة، وينبغي على السلطة الاستجابة لها.

لا تنعقد طاولة الحوار في البحرين للمرّة الأولى. هي استئناف لحوار وطني استمر أربعة أشهر (من فبراير إلى يونيو الماضيين) قبل أن يتوقف بسبب إصرار السلطة على عدم الاستجابة لأيّ من مطالب المعارضة. 25 جلسة حوارية لم تسفر عن أيّ اتفاق على تحريك مسار الإصلاح في البحرين. الآن، لا يبدو أن جولة الحوار الجديدة ستحقق خرقاً في الجدار المنصوب بين السلطة والمعارضة.

على هامش المتحاورين تعلو أصوات موالية ومعارضة تريد دفع مسار الأمور في اتجاه آخر. استمرار العقم في المسار التفاوضي سيعمّق الانقسام بين البحرينيين وسيؤدي إلى سحب الصقور للبساط من تحت أقدام الحمائم السلميين. هكذا سيناريو لن يكون أبداً في صالح شعب البحرين.

"قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ". هذه الآيات القرآنية استعارتها حركة تسمي نفسها “أنصار ثورة شباب 14 فبراير” في معرض رفضها تجديد الحوار مع السلطة! قصة هذه الآيات هي قصة قوم من الكفار قهروا مجموعة من المؤمنين وطالبوهم بالارتداد عن دينهم، ولمّا أبوا حفروا لهم في الأرض أخدوداً (حفرة) وأججوا فيه ناراً وقذفوهم فيها.

تصوّر الحركة الصراع بطريقة تحول دون إمكانية إنتاج حوار مثمر. تصوّره كصراع بين المؤمنين (هم) والكفار (السلطة التي تسميها "العصابة الخليفية" وتسمي رئيس وزرائها "قارون البحرين" وتسمّي حلفاءها "فراعنة الرياض وقطر وعملائهم التفكيريين الوهابيين والظلاميين" أو "أصحاب الأخدود الجدد المتمثل في محور الشر والإرهاب، أمريكا وحلفائها الغربيين وعملائها العرب الرجعيين").

تشن حركة أنصار ثورة 14 فبراير هجوماً عنيفاً على جمعيات المعارضة السياسية ناعتةً إياها بـ"الدكاكين السياسية المعروفة بالجمعيات السياسية" وتتهمها بأنها "تلهث" وراء الحوار من أجل الحصول على "مغانم سياسية على حساب دماء الشهداء والجرحى والمعتقلين" وبأنها تخدم السلطة الساعية إلى شق صف المعارضة و"تمرير سياسة فرّق تسد". ترفض الحركة المتشددة "الحوار الخوار". برأيها لا بديل عن "مواصلة الثورة وطريق ذات الشوكة حتى يأذن الله لشعبنا بالنصر المؤزر على طواغيت آل خليفة اللئام". تصَوُّرها للحلّ يتمثل بترك "العصابة الخليفية التي لا تتعدى 4000 إلى 5000 شخص البلاد" وبـ"رحيل المجنّسين"!

في مقابل هذا الخطاب المعارض المتطرّف، يخرج خطاب موالٍ لا يقلّ تطرّفاً عنه. في 11 أغسطس الماضي، كتبت نجاة المضحكي في صحيفة الوطن مقالاً دعت فيه إلى "اتخاذ قرار سعودي سريع بضم البحرين للسعودية تحت مسمّى الاتحاد الخليجي وذلك بعد استهداف البحرين من قبل جمهورية إيران الشيعية"، ولم تتوانَ عن وصف شيعة البحرين بـ"أبناء المجوس". في حسابه على تويتر كتب النائب السابق محمد خالد: "مسيّلات الدموع لن تنفع مع الإرهابيين عبيد إيران الذين يريدون قتل رجال الأمن .. الشوزن والرصاص الحي والترحيل هي الدواء الذي يستحقونه". قبل هؤلاء بوقت طويل، كان وزير خارجية البحرين الشيخ خالد بن حمد آل خليفة قد غرّد مرّةً: "على الوفاق أن يحترم سلطة قوانين مملكة البحرين... وإلا فلترِحنا وتذهب بطائفيتها وعنجهيتها إلى كوكب آخر"!

بين هذين التطرّفين يجب على طاولة الحوار الخروج من عقمها وإنتاج حلول توافقية تقي البحرين من أزمة أمنية ستنشب عاجلاً أم آجلاً، إن استمر نموّ التطرف على هامش عقم المسار السياسي. الحلّ الأمني الذي تمادت به السلطة بعد فشل جولة الحوار الماضية أدى إلى "تسمّم الأجواء"، بحسب تعبير الناطق باسم جمعيات المعارضة جميل كاظم. الآن لا تستطيع هذه الجمعيات الاستمرار في حوار لا يخرق جدار الانقسام، وقد أشارت بصراحة إلى ذلك.

تتعاطى السلطة مع الحوار كتكتيك يهدف فقط إلى إيقاف المسيرات الشعبية المعارضة. لا تزال تصرّ على عدم السماح بدمقرطة البحرين. في السابق رفضت مبدأ إخضاع أي تصوّر توافقي يخرج به المتحاورون على الاستفتاء الشعبي. حالياً أمامها فرصة جديدة. لا تستطيع الاستمرار في ترديد الأحاديث الممجوجة كـ"البحرين مملكة دستورية ديمقراطية" في حين أن رئيس الوزراء (عمّ الملك) يشغل منصبه منذ نيل البحرين استقلالها! حتى توصيات لجنة بسيوني التي تشكلت بأمر من الملك لم تُنفذ حتى الآن، رغم مرور حوالي سنتين على صدوره!

لم يعد الوضع في الجزيرة الخليجية الصغيرة يحتمل التسويف. الحلّ التوافقي الذي ما زال من الممكن التوصّل إليه سيصير بعد فترة مسألة مستحيلة. لذلك على السلطة وجمعيات المعارضة تقديم تنازلات حقيقية متبادلة قبل أن تموت السياسة، وحينها لن يبقى أمام المعارضة إلا مقارعة الحل الأمني بالإخلال بالأمن.

التعليقات

المقال التالي