"كاميكاز" الممانعة والضربة المتوقعة لسوريا

"كاميكاز" الممانعة والضربة المتوقعة لسوريا

مع تزايد الحديث عن اقتراب موعد تسديد تحالف غربيّ، تقوده الولايات المتحدة الأميركية، ضربة عسكرية للنظام السوري، قال ضابط في سلاح الجو السوري لصحيفة الـ"غارديان" البريطانية إن من بين سيناريوهات الردّ التي تدرسها القوات الجوية السورية احتمال تنفيذ هجمات كاميكازية. الـ8000 انتحاريّ، المستعدّين لتنفيذ هجمات بحسب هذا الضابط، ينتظرون. بينما واقع الأمور يرجّح سيناريوهات أخرى للتعاطي مع الضربة بعيدة عن تهويلات "محور الممانعة" الذي تقوده إيران.

وزير الخارجية السوري وليد المعلّم فضّل الضربة العسكرية على محاولات الابتزاز، مشبهاً إياها ببضع قذائف هاون يتلقاها الجيش السوري يومياً! عن ردّ سوريا المحتمل، أشار إلى نيّة النظام استخدام  "الوسائل المتاحة". رئيس الوزراء السوري وائل الحلقي أكّد أن بلاده ستكون "مقبرة للغزاة". أما الرئيس السوري بشار الأسد، فقد أطلّ ليعلن أن "سوريا بشعبها الصامد وجيشها الباسل ماضية ومصممة على القضاء على الإرهاب الذي سخرته وتدعمه إسرائيل والدول الغربية".

أثارت الضربة المتوقعة للنظام السوري حفيظة حلفائه الصغار. زعيم "التيار الشعبي" حمدين صباحي شهَرَ تويترَهُ وأعلن أن "الاعتداء على الشعب السوري همجية وبربرية لا يجب أن تسمح بهما مصر". وزارة الخارجية الكوبية اكتفت بتكرار موقفها المبدئي القاضي بأن هكذا نوع من التدخلات "يمثل انتهاكاً فاضحاً لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي". إلى ذلك، كسبت سوريا تنديد الرئيسين، الإكوادوري رافاييل كوريا والبوليفي إيفو موراليس، بأي عمل عسكري يستهدفها.

في الميدان لا يمكن صرف كلّ هذه المواقف الداعمة. بعض حلفاء النظام بدأ يقلق على تبعات الضربة عليه، كرئيس الحكومة العراقية نوري المالكي الذي أبلغ السفير الأميركي في بغداد خوفه من "مضاعفات خطيرة لأي تدخل عسكري في سوريا قد تعمّ المنطقة بأسرها". الزعيم العراقي مقتدى الصدر، الذي ابتعد عن النظام السوري في الفترة الأخيرة، اكتفى بدعوة أنصاره إلى التظاهر ضد الحرب مؤكداً في الوقت نفسه على "حق الشعب السوري في نيل حريته وكرامته، وحقوقه الشرعية والوطنية، دون تدخل خارجي أو احتلال أجنبي".

عند الحديث عن الردّ تشخص الأنظار إلى الصين وروسيا وإيران. الحليفان الأولّان يكملان دعمهما للنظام في مجلس الأمن، فيحولان دون صدور قرار يعطي شرعية دولية للهجوم، ولكن الروس "لا ينوون الدخول في أيّة حرب مع أيّ كان" من أجل سوريا، على ما أكّد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. أما إيران فمواقفها تتراوح بين الغموض والعنتريات. إذا كان الرئيس الإيراني حسن روحاني سارع إلى أسفه لوقوع هجوم كيميائي في الغوطة، دون أن يحمّل أي طرف المسؤولية عنه، فقد عاد ليؤكد أن مهاجمة سوريا ستؤدي إلى "انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة". اعتدال موقف روحاني ناقضته مواقف القادة العسكريين. رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، اللواء حسن فيروز آبادي، حذّر من أن "نار اللجوء إلی أي خیار عسكری ضد سوریا، ستأتي علی الصهاینة" وأكّد أن "أميركا وبريطانيا وسائر حلفائهما سيتضررون من شنّ الحرب على المنطقة وسوريا". قائد قوات الحرس الثوري، الجنرال محمد علي جعفري، أشار إلى أنه "على الصهاينة أن يعلموا بأن إشعال أميركا للحرب في المنطقة، سيؤدي إلى زوال إسرائيل قريباً" لافتاً إلى أن "سوريا ستكون فيتنام أخرى للأميركيين". قائد فيلق القدس، الجنرال قاسم سليماني، أشار إلى أن "أي جندي أميركي ينزل من طائرته أو يغادر بارجته إلى سوريا عليه أن يحمل تابوته معه،" فسوريا "ستكون مقبرة الأميركيين". رئيس مجلس الشورى الإسلامي علي لاريجاني قال: "إن كنتم من سيبدأ الحرب، فمن المسلّم أن قرار إيقافها لن يكون بيدكم. أضف إلى ذلك، أنه عليكم أن تقلقوا على مستقبل ربيبتكم إسرائيل في المنطقة".

بين الموقفين أتى موقف المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي حين أكّد أن "التدخل الأميركي سيشكل كارثة للمنطقة" وأن "المنطقة مخزن للبارود. لا يستطيع أحد أن يتكهن المستقبل الذي ينتظره". حدّة التصريحات الإيرانية لا تعني الكثير. معظم تهويلات جنرالات إيران تم ربطها بسيناريو الهجوم البرّي والغزو، وكأنهم لا يعلمون أن هذا السيناريو غير مطروح في الفترة الحالية. واقع الأمور يشير إلى مكان آخر. الدول الغربية لم تتحمّل "أخلاقياً" فضيحة الهجوم الكيميائي الذي استهدف مدنيي الغوطتين بريف دمشق. أميركا لم تعد قادرة على التزام الصمت بعد تخطّي "خط أحمر" يبدو أنها توافقت مع الروس عليه في فترة سابقة. لذلك تقرر تنفيذ ضربة تأديبية للنظام السوري تمنعه، من ناحية أولى، من استخدام هذا السلاح مجدداً وتحرّك، من ناحية ثانية، المسار السياسي الذي جمّده إرسال إيران لقوات حزب الله من أجل مساعدة النظام على التفوّق في المعارك البرّية في أكثر من منطقة استراتيجية.

الاستعدادات لـ "العملية الجراحية الموضعية" تكاد تكتمل. ربما تكون كلمة السرّ هي التقرير الشفهي الذي سيدلي به فريق التحقيق الدولي غداً. لن تأتي الضربة على قدر توقعات المعارضة السورية. سيصاب الائتلاف الوطني بخيبة حين يدرك أن صواريخ الغرب لم تلتزم بقائمة الأهداف التي حدّدها لها. هدف الضربة لن يتعدّى تأديب النظام السوري، وإبلاغ حزب الله وإيران بأن حرية عملهما في سوريا لم تعد مفتوحة.

هل يردّ محور الممانعة بضرب اسرائيل؟ هو يعلم أن اسرائيل تفضّل استمرار الحرب الأهلية السورية التي تنهك خصومها، وليس من صالحها العمل على تفوّق طرف على آخر. لن يحرّكوا المستنقع الإسرائيلي كي لا تعضّهم تماسيحه. لذلك يلتزم حزب الله اللبناني الصمت، وتقول أقلامه الصحافية أنه "يلتزم الغموض البنّاء". فرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قال بوضوح: "نحن لسنا جزءاً من الحرب الأهلية في سوريا" ولكنه أضاف "إذا لاحظنا أيّة محاولة للمساس بنا، فسوف نردّ، ونردّ بشدة".

لن تسحق الضربات الغربية نظام الأسد. سيبقى هو وحلفاؤه قادرين على القول: "لم تستطع أميركا كسرنا" ، وهذا يكفيهم في المرحلة الحالية. لن يوسعوا دائرة الحرب كي لا يستدعوا نيراناً جديدة ضدهم. هل تتدحرج كرة النار؟ هذا ممكن إن وسّع التحالف الغربي أهدافه، وقرّر تغيير المعطيات العسكرية الميدانية على أرض سوريا بشكل حاسم يدفع محور الممانعة إلى تبنّي خيار كاميكازي. غير ذلك، ستتلقى سوريا ضربة جديدة، وستحتفظ هي وحلفاؤها بحق الردّ.

التعليقات

المقال التالي