هل التجربة التونسية استثناء؟

هل التجربة التونسية استثناء؟

نظراً إلى الهزات المتكررة التي تطبع أغلب مسارات الانتقال الديمقراطي في العالم العربي، يذهب بعض محللي السياسة الى اعتبار التجربة التونسية الأقرب إلى تحقيق النجاح، ولو بشكل نسبي، لأنها حافظت على الأقل، على قدر معيّن من السلمية، لا سيما في حراكها المعارض الحالي. ما هي مقومات الانتقال الديمقراطي في تونس؟ وهل ستكون فعلاً قادرة على إنتاج نموذج استثنائي يدحض أطروحة عدم جهوزية العالم العربي للديمقراطية؟

لا بد من النظر قبل كل شيئ الى أبرز ما يميز التجربة التونسية عن غيرها من التجارب العربية الآنية: طبيعة نظام الحكم الانتقالي في تونس، الجهود التي تلعبها بعض المنظمات المدنية الكبرى في دعم المسار الانتقالي وتصحيحه، وبالأخص، قدرة المؤسسة العسكرية، حتى الآن، على المراقبة دون التدخل. خاضت تونس أول تجربة انتخابية ديمقراطية في أكتوبر 2011، نتج عنها مشهد سياسي متنوع، لم يتمكن فيها أي طرف سياسي من حصد أغلبية مريحة للسيطرة على المجلس الوطني التأسيسي أو الحكومة المنبثقة عنه. هذه النتائج دفعت حزب حركة النهضة، المطالب بتكوين الحكومة بأغلبية انتخابية في حدود 37 بالمائة، للبحث عن تحالفات داخل البرلمان لتشكيل حكومة ائتلاف حزبي. تمكنت حركة النهضة، الإسلامية، فعلاً من تشكيل تحالف حاكم مع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتل من أجل العمل والحريات، اللذين يملكان مرجعية علمانية. ساهم هذا التحالف "الفريد" في التقريب بين التوجهين الإسلامي والعلماني  في تونس، وساعد بقدر كبير على حماية المسار الانتقالي من تغول الحزب الفائز بالأغلبية الانتخابية، كما حدث في مصر.

اعلان


الدور المحوري الذي لعبته بعض منظمات المجتمع المدني في مراقبة أداء الحكومة وممارسة الضغوط اللازمة لتصحيح الأمور، ساعد من جهته على صون المسار الانتقالي، رغم الهزات التي شهدها في محطات عدة. من أبرز هذه المنظمات الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر مؤسسة نقابية في تونس، الذي فرض متابعة ومراقبة دقيقة للأداء الحكومي، ولم يتوانَ في تنفيذ إضرابات كادت أن تعصف بالائتلاف الحاكم في أكثر من مناسبة، لا سيما بعد اغتيال المعارضين السياسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي. لم يكتف الاتحاد العام التونسي للشغل بلعب دور المراقب للأداء الحكومي، بل أمسك بزمام المبادرة في أكثر من مرة ولعب دور الوسيط بين الأطراف السياسية في بعض الأزمات التي مرت بها البلاد، منها الدور المحوري الذي يلعبه حالياً من خلال إشرافه على الحوار الوطني، واقتراح حلّ مفصّل للخروج من الأزمة السياسية الحالية، وتقريب وجهات النظر بين حركة النهضة المتشبثة بحكومة سياسية موسعة تشرف على ما تبقى من المسار الانتقالي والمعارضة المتمسكة بتشكيل حكومة إنقاذ وطني متكونة من كفاءات مستقلة.

أما المؤسسة العسكرية، فما ميز دورها كان عدم الخلط بين السياسي والعسكري، والمحافظة على مسافة واحدة بينها وبين جميع الأطراف السياسية. على عكس جميع التجارب العربية الأخرى، لم ينخرط الجيش التونسي قبل الثورة وبعدها في أي عمل عنيف ضدّ أي شق من المواطنين. ورغم استهداف المؤسسة العسكرية بشكل مباشر في أكثر من مناسبة، وآخرها الهجوم الإرهابي الذي أودى بحياة ثمانية عسكريين في جبل الشعانبي في 29 يوليو الماضي، إلا أن الجيش التونسي برهن على حرفية كبيرة ضمنت له عدم الوقوع في ردود الفعل غير المدروسة أو الخلط بين العمل السياسي والعسكري، مما انعكس إيجابياً على المسار الانتقالي، وساعد الأطراف السياسية الفاعلة على لعب دورها بطريقة مدنية منعت حشر المؤسسة العسكرية في تجاذبات هي في غنى عنها.

قد توجد في تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس مقومات أخرى عديدة جعلتها تختلف عن غيرها من التجارب العربية، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تسير بشكل حتمي إلى النجاح. السؤال الأهم اليوم يتثمل في مدى قدرة هذه المقومات على صون المسار الانتقالي إلى حين إرساء ديمقراطية حقيقية،  وحمايته من المخاطر المحتملة. ولعل من أبرزها فشل الحكومة في الملف الأمني والمجال التنموي، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من سلبيات. فقد انصبت معظم الانتقادات التي وُجهت إلى حكومة الترويكا منذ أن تسلمت مقاليد الحكم أواخر سنة 2011 حول ملف الأمن، لا سيما أن البلاد عاشت على وقع أحداث عنيفة في مناسبات عدة كان أبرزها الاغتيالات السياسية. كما عملت حكومة الترويكا وأجهزتها الأمنية على فض إعتصامات سلمية عدة والتعامل معها بعنف مبالغ فيه في حين تعاملت بكثير من المرونة مع مرتكبي أعمال العنف في مناسبات أخرى، لا سيما تلك التي نفذتها مجموعات دينية متشددة، واستهدفت عروضاً فنية أو سفارات أجنبية، أو ما بات يُعرف برابطات حماية الثورة التي تصفها المعارضة على أنها الجناح العنيف لحزب حركة النهضة. أدى هذا التعامل الأمني المزدوج إلى انتشار ثقافة الإفلات من العقاب، وهو ما شجع بعض المجموعات المتشددة على المرور إلى العنف المسلح واستهداف المؤسسة العسكرية في مرتفعات ولاية القصرين. هذا الفشل الذريع في الملف الأمني يشكل اليوم الخطر الأكبر على الانتقال الديمقراطي.

من جهة أخرى، جاءت أحزاب الائتلاف الحاكم إلى السلطة متبنيةً وعوداً اقتصادية كبيرة بالتشغيل والعدالة الاجتماعية والتنمية المحلية، ولكنها أبقت الأمور على ما هي عليه. وبما أن البطالة وملف التنمية غير العادلة كانا من أهم الأسباب التي أدت إلى اندلاع الثورة التونسية، فان ذلك يعني أن الحكومة الحالية، ومعها تجربة الانتقال الديمقراطي التي تعمل على إنجاحه، معرضة إلى امكانية اندلاع ثورة ثانية تعيد البلاد إلى مربع الانطلاق الأول. يتعمق الإحساس بهشاشة الوضع العام وانفتاحه على سيناريوهات مختلفة مع الوضع السياسي الراهن، والحشد الجماهيري الذي دأبت عليه المعارضة في اعتصامها المفتوح أمام مقر المجلس الوطني التأسيسي، والذي دخل مرحلة حاسمة في 24 أغسطس، سُميت بأسبوع الرحيل. كما أن الوقت الطويل الذي استغرقته المفاوضات بين مختلف الفرقاء السياسيين، تحت سقف اتحاد الشغل أو في مقرات الأحزاب، أكد بشكل واضح أن مسار الانتقال الديمقراطي مازال يحتاج إلى كثير من التنازلات من جميع الأطراف، وأن التشبث بالمواقف الحزبية على حساب المصلحة الوطنية ربما يؤدي إلى خاتمة قد تخيّب الآمال التي عُلّقت على التجربة التونسية.

عزالدين السعيدي

أستاذ جامعي وصحافي تونسي، مساهم في وسائل إعلامية عدة. يحمل إجازة في اللسانيات الإنغليزية.

كلمات مفتاحية
الثورة التونسية

التعليقات

المقال التالي