الحاكم المنزّه عن النقد: لا تقربوا "ذاتي"!

الحاكم المنزّه عن النقد: لا تقربوا "ذاتي"!

أصدر أمير الكويت آخر شهر يوليو الماضي عفواً أميرياً على المتهمين بالإساءة إلى “ذاته الأميرية”، كخطوة “إيجابية” منه بمناسبة انتهاء شهر رمضان المبارك (على حد تعبيره)، وذلك بعد أن كانت محكمة الاستئناف قد أيدت في الشهر نفسه الحكم بالسجن 20 شهراً على مغردة شابة أعابت ذاته. هذه الخطوة التي ستحرر ما لا يقل عن 20 متهماً من أحكام بالسجن تتراوح بين 3 أشهر و11 سنة، لن تحول لاحقاً دون ملاقاة آخرين المصير نفسه.

"اعتقال محام بتهمة الإساءة إلى الذات الملكية"، "الحكم بالسجن على مدوّن أعاب الذات الأميرية"، "توقيف ناشطين بتهمة إهانة الذات السلطانية"، جمل باتت وسائل الإعلام العربية تكررها كثيراً، إذ يتكثّف حضور هذه "الثقافة" في زمن التغيّرات العربية، التي يستشعر بها الحاكمون خطراً من تزايد جرأة "المحكومين" على نقدهم. أن تصف أداء الرئيس أو الملك، أو تنعت حكمه وقراراته، قد يودي بك إلى الزج في السجن. ذلك أنّ تهمة "إعابة" أو "إهانة" الأمير أو الملك، أو "التعرض" و"الإساءة" له، ليس لها ماهيّة واضحة، وهي خاضعة لتأويلات عدة، وفق أهواء "السلطة". يرى نديم حوري، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة هيومن رايتس واتش Human Rights Watch، أن لهذه القوانين التي تجرّم التعرض للملوك والرؤساء وجهان، أولهما "رغبة الحكام بالسيطرة على النقد الموجه لهم" وثانيهما "الخلط بين هيبة الدولة وهيبة الشخص"، انطلاقاً من فهمٍ خاطئ للعلاقة بين "الحاكم" و"المحكوم". هذه القوانين، التي نبذتها معظم الديمقراطيات المعاصرة، يستخدمها اليوم الحكام العرب كوسيلة لإسكات الأصوات المعارضة. تحوي معظم دساتير الملكيات العربية المعاصرة، وبعض الجمهوريات، مواد تجرّم من يتعرض لشخص الحاكم، بالقول أو الفعل. تختلف العقوبات بين دولة وأخرى، ولكن المنطلق واحد: الملك أو الأمير أو الرئيس يمثّل هيبة الدولة، والمسّ به يعدّ تعرضاً مباشراً لهيبتها! إنها فكرة تعود إلى القرن الثامن عشر، رسختها للمرة الأولى الجمهورية الرومانية القديمة لحماية أباطرتها، المؤلّهين، من النقد والإساءة.

اعلان


تنص المادة 41 من النظام الأساسي لسلطنة عمان على أن "السلطان رئيس الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة، ذاته مصونة لا تمس، واحترامه واجب، وأمره مطاع". كما تنص المادة 126 من قانون الجزاء العماني على أنه "يعاقب بالسجن من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات أو بغرامة من خمسة وعشرين إلى خمسمائة ريال أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من ارتكب علانية أو بالنشر طعناً في حقوق السلطان وسلطته أو عابه في ذاته". واستناداً إلى هذين البندين، اعتقلت الأجهزة الأمنية كتّاباً ونشطاء عمانيين، وأدانت عدداً منهم بتهمة "إعابة الذات السلطانية“. المادة 25 من قانون الجزاء الكويتي تفرض عقوبة بالسجن لمدة خمس سنوات على أي شخص يقوم "بالطعن في حقوق الأمير وسلطته أو يعيب على ذات الأمير أو يتطاول على مسند الإمارة". كانت هذه التهمة محل جدل واسع في الكويت، قبل العفو الأميري، إذ أن النيابة العامة وجهتها لما لا يقل عن 25 شخصاً منذ أكتوبر 2012. في فبراير، حكم ثلاثة نواب سابقين من المعارضة بالحبس مدة 3 سنوات لمسّهم بالذات الأميرية. بينما حوكم لورنس الرشيدي بعشر سنوات من السجن لنشره قصائد على الإنترنت ينتقد فيها نظام الحكم في الكويت وحاكمها. كيف تحدد الإساءة وتحت أي معايير؟ إن الجملة التي ألقت بخالد الطاحوس، أحد النواب الكويتيين الثلاث المحكومين، في السجن “يا صاحب السمو، هناك شعرة بينك وبين الشعب لا تقطعها”، لا تحمل في طياتها ما يتعدى النقد السياسي المباح الذي تضمنه كل شرائع حقوق الإنسان. تعاقب القوانين الأردنية، كذلك، بالسجن لمدة أقصاها ثلاث سنوات، كل من يسيء إلى الذات الملكية أو يحرّض ضد الحكومة. كما يعاقب بالسجن لمدة تتراوح بين سنة وخمس سنوات من يتعرض بالإساءة للملك المغربي، بما يشمل نشر صور كارتونية عنه، أو السخرية منه. ولكن أكثر العقوبات قسوة هي تلك التي تحمي الأمير القطري من أي إساءة أو نقد قد يوجه اليه، إذ أنه سبق للمحكمة أن أصدرت حكماً مؤبداً (خُفف لاحقاً، إثر ضغط حقوقي عربي ودولي، إلى 15 سنة!) بحق الشاعر القطري محمد بن الذيب العجمي لإهانته الأمير وتحريضه على نظام الحكم في قصيدة الياسمين يقول فيها: "عقبال البلاد اللي جهل حاكمها، وعقبال النظام القمعي المتوارث".

ليس الملوك وحدهم من يتمتعون بهذه الحصانة، بل رؤساء الجمهوريات العربية أيضاً. إذ يتعرض كل من يتطاول على رئيس الجمهورية اللبنانية، مثلاً، للملاحقة القانونية، وقد استخدمت النيابة العامة هذا الحق وقامت باستدعاء مدون وعدد من ناشطي الإنترنت للتحقيق معهم في هذه التهمة. أبرز الجمهوريات العربية التي ينص دستورها على حصانة الرئيس اليوم هي مصر. المادة 179 من قانون العقوبات المصري تجرم إهانة الرئيس، وقد استخدمت في عهد الرئيس السابق مرسي أكثر مما استخدمت في كل تاريخ مصر الحديث. رُفع ما يزيد عن 24 قضية ضد كتاب وصحافيين مصريين فيما لا يتعدى 200 يوم من حكم مرسي وفق تقرير لـ"الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان". عدلي منصور، الرئيس الحالي، قرر إلغاء عقوبة السجن في حق الذين يتعرّضون للرئيس، محتفظاً بالغرامة المالية فقط. لا يمكن اعتبار خطوته تلك مبادرة إيجابية، بل تكريساً ملتوياً لسلطة الرئاسة التي لم تنجح الأحداث المصرية المتتالية بعد في تغييرها.

يقول حوري، إنه، إلى حين إمكانية إلغاء أو تعديل هذه القوانين، يبقى الباب الوحيد للخروج منها بين يدي القضاء، الذي يستطيع دوماً إيجاد مخرج قانوني. معظم الدول العربية صدّقت على مواثيق الأمم المتحدة، ومن ضمنها العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية، الذي تنص المادة 19 منه، وفقاً لتفسير لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، على أن "جميع الشخصيات العامة ومنها من يمارسون أعلى مستويات السلطة السياسية مثل رؤساء الدول والحكومات، يعتبرون أهدافاً مشروعة للانتقاد والمعارضة السياسية"، وأن على هذه الشخصيات أن تسمح بـ"التعبير عن الرأي بلا أي قيود" في المناقشات العامة حولها، وأن التشهير بها لا يمكن أن يكون تهمة جنائية، وأن العقاب بالسجن بتهمة التشهير ليس بالعقوبة المناسبة إطلاقاً.

هذه النظرة التي تعتبر أن على المسؤولين في مواقع السلطة أن يتمتعوا بمقدرة أكبر على تقبل النقد بكافة أشكاله، معكوسة تماماً في العالم العربي. بعض الدول ما تزال تسير وفقاً لهذا المنطق، لا سيما تايلندا، التي تصل إلى السجن 15 عاماً عقوبة مَن "يشهّر" بحاكمها. كانت المحكمة الفرنسية، من جهتها، قد حكمت على مواطن بدفع غرامة مالية قيمتها 30 يورو، لا غير، لكونه رفع يافطة في إحدى التجمعات المستقبلة للرئيس السابق نيكولا ساركوزي كتب عليها "أخلِ الساحة أيها الغبي"، مستخدماً جملة كان قد تلفظ بها نيكولا ساركوزي نفسه في حديثه مع شخص رفض مصافحته مرة. رغم زهد المبلغ، ورمزيته، تقدم المواطن الفرنسي بطعن للحكم أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، واعتبرت تلك الأخيرة أن الحكم الصادر بحقه باطل.

التعليقات

المقال التالي