عودة مصر إلى 24 يناير!

عودة مصر إلى 24 يناير!

دخلت مصر في المجهول. المعلوم الوحيد أنّ مسيرة ثورة 25 يناير بدأت تسير إلى الوراء. بالأمس، انتهت حرية التظاهر التي استمرت عامين، وشكلت أهم مكاسب إسقاط الرئيس حسني مبارك. أعلنت رئاسة الجمهورية فرض حالة الطوارئ في البلاد لمدّة 30 يوماً، ثم أعلنت الحكومة المصرية حظراً للتجوّل في القاهرة و11 محافظة أخرى. الإطار الزمني "المحدود" لهذا القرار لا يعني شيئاً، لأنه مرشح للتمديد بعد أن قرر العهد المصري الجديد ممارسة السياسة بوسائل أمنية.

14 أغسطس تاريخ ستسجله الذاكرة المصرية، وسيصير عنواناً لانقسام الشعب المصري. لن يكون ممكناً طَيّ هذا الخلاف في المدى القريب، فأحداث البارحة كانت مقتلاً لمفهوم الحوار، وولادة لمرحلة أمنية بلا أفق واضح. 10 ساعات كانت كافية للجيش المصري وقوى الشرطة لكي يفضّوا اعتصامَي الإخوان المسلمين في محيط مسجد رابعة العدوية في مدينة نصر وميدان النهضة في الجيزة. أُخرِج الإسلاميون من الميادين بعد عملية أمنية عنيفة أسفرت عن سقوط مئات القتلى وآلاف الجرحى. إخراجهم لا يمكن أن يشكّل حلاً للمشكلة؛ فهو ليس سوى نقل لها من نقطتين رمزيتين إلى كل المحافظات المصرية، وهذا ما سيؤدي إلى تفاقمها واتخاذها أبعاداً أكثر خطورة.

لم يحتمل الجيش المصري مشهدية مواجهته في الساحات. منذ 3 يوليو وهو يتصرّف على أساس أنه لا يمكن مناقشته في تفاصيل "المرحلة الانتقالية". في عُرفه أنه هو من يقرّر، وما على الباقين سوى الالتزام. أخفى نزعته السلطوية بالتفويض الشعبي الذي منحته الملايين المصرية للفريق عبد الفتاح السيسي.

40 يوماً كانت كافية للمؤسسة العسكرية لكي تفهم أن تحالف 3 يوليو بدأ يتصدّع. فبعد خروج حزب النور السلفي منه، أخذ شيخ الأزهر مسافة من قرارات قادة "المرحلة الانتقالية". لكن الفريق السيسي لم يلتفت إلى هذه المؤشرات. فضّل أن يمارس السياسية وكأنها عملية عسكرية ضد حصن للأعداء، أو لعلّه انتبه إلى هذا الواقع، فقرّر الحسم سريعاً قبل أن يفلت زمام الأمور من يده. ولكن تسرُّع الجيش دفع بمحمد البرادعي، نائب رئيس الجمهورية للشؤون الخارجية، إلى الاستقالة من منصبه. اعتبر أن "الأمور سارت في اتجاه مخالف، فقد وصلنا إلى حالة من الاستقطاب أشد قسوة وحالة من الانقسام أكثر خطورة، وأصبح النسيج المجتمعي مهدداً بالتمزق لأن العنف لا يولد إلا العنف". وفي الأيام المقبلة سنشهد المزيد من انفراط عقد المتحلّقين حول الجيش.

اجتث الحلّ الأمني المشكلة من الميادين ونشرها بين الجيران المصريين. التعبير عن الانقسام انتقل إلى الشوارع حيث راحت تدور الاشتباكات بين أنصار الإخوان المسلمين وأنصار "المرحلة الانتقالية" التي يديرها الجيش. هذا ما حصل في حيّ المهندسين في القاهرة، وهذا ما شهدته الإسكندرية والإسماعيلية وسوهاج والمنيا والسويس. البعد الأهلي للصراع المصري صار سافراً.

أخطر ما في المرحلة الجديدة من الصراع على السلطة في مصر تجلّى في اندفاع مؤيدي الإخوان المسلمين وأطراف إسلامية أخرى إلى الثأر من المسيحيين. اعتداءات كثيرة طالت كنائس وأديرة ومؤسسات مسيحية في القاهرة والجيزة والمنيا وسوهاج وأسيوط والسويس والفيوم وبني سويف والعريش، بل حدث ما هو أخطر من ذلك. أحرق أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي مؤسسات خاصة تعود ملكيتها لمصريين أقباط. ألقى أنصار الإخوان المسلمين المسؤولية عن عزلهم على الأقباط. حمّلوا طائفة مصرية تبعات قرار البابا تواضروس الظهور بين المتحلقين حول الفريق السيسي رغم أنه ظهر إلى جانب الشيح أحمد الطيّب ومسلمين آخرين. أسئلة كثيرة تطرحها الاشتباكات الطائفية التي وقعت البارحة. لماذا يميل الإسلاميون إلى تحميل المسيحيين عواقب كل خسارة يُمنَون بها؟ لماذا لم يتخذ الجيش الإجراءات اللازمة لمنع هذا السيناريو الذي يعيش الأقباط هاجسه منذ أسابيع؟ لماذا لم تتدخل قوات الجيش والشرطة لمنع هذه الاعتداءات، رغم نداءات استغاثة وجهها لهم بعض المسؤولين الأقباط في مواقع مختلفة؟

مصر الآن تقف على شفير حرب أهلية، وصار لازماً على المصريين التنبّه إلى المخاطر المحدقة بهم. لا يمكن دفع عجلة الأمور إلى الوراء، وما حدث لا يمكن تغييره. في فترة حكمهم مارس الإخوان السياسة بطريقة إقصائية نفّرت المصريين منهم. الآن يمارس الحكم الجديد السياسة بذات الذهنية وبصورة أكثر كثافة. تحتاج مصر الآن إلى القطع مع ذهنية الإقصاء والثأر. لا يمكن أن تتم أخوَنَة مصر ولا يمكن أن تستقر مصر بدون مشاركة الإخوان في السلطة. هذه هي المعادلة التي يمكن أن يتأسس عليها حوار مثمر.

عادت مصر إلى مرحلة ما قبل ثورة 25 يناير. المشهد الآن في مصر هو التالي: انقسام حاد بين حكم مدعوم من العسكر في مواجهة الإسلاميين، وبينهما تقف الكنيسة القبطية حائرة ومتخوّفة من حكم الإسلاميين. الحريّات السياسية والعمل السياسي تقيّده حالة طوارئ تنظّر لها بعض القوى السياسية تحت عنوان "متطلبات المرحلة الانتقالية التي تحتاج للحسم". إنه ذات المشهد الذي عرفته مصر قبل خلع الرئيس مبارك. فهل انتهت مفاعيل الثورة المصرية، أم أننا سنشهد قريباً افتتاح مرحلة جديدة منها؟

التعليقات

المقال التالي