خطاب الشرعية في تونس

خطاب الشرعية في تونس

زادت الأحداث المصرية الأخيرة من حدة التجاذبات السياسية التي تميز المرحلة الانتقالية في تونس، فانقسمت النخب السياسية بين طرف يرى أن ما حدث في مصر انقلاب مكتمل الأركان لا يجب التفكير في استنساخه في تونس، وطرف آخر يرى في خطوة الجيش المصري انتصاراً لشرعية الشارع الذي امتلأ بالجماهير المطالبة برحيل نظام الإخوان.

بعد الأحداث التي شهدتها مصر منذ 30 يونيو، التي نتج عنها تدخل الجيش لإزاحة نظام الإخوان، أصدر حزب حركة النهضة التونسي، الذي يقود الائتلاف الحاكم، بيانًا رسميًا عبر فيه عن رفضه القاطع لتدخل الجيش المصري في الشأن السياسي، وأكد أن ما حصل "انقلاب واضح على الشرعية" وعلى "الإرادة الشعبية" التي عبرت عنها صناديق الاقتراع، والتي أتت بمحمد مرسي رئيسًا منتخبًا لجميع المصريين. هذا الموقف الرسمي لم يختلف كثيرًا في محتواه وصياغته عن البيان الرسمي الذي أصدرته الحكومة التونسية والذي اعتبر تدخل الجيش المصري "تعطيلاً للشرعية... واعتداء على مقومات الديمقراطية". ومثلما اتفقت حركة النهضة والحكومة على وصف الحدث المصري بانقلاب على الشرعية الانتخابية، كان لصوتها صدى لدى رئاسة الجمهورية التي سارعت إلى تحذير المتحمسين لاستنساخ السيناريو المصري في تونس من مغبة العمل على "تبديل هيئة الدولة ونظام الحكم فيها" بتشجيع العسكر على تنفيذ انقلاب على "السلطات الشرعية". بل إن رئاسة الجمهورية أثارت طلبًا سابقًا كانت قد تقدمت به إلى النيابة العمومية لفتح تحقيق ضد كل من يثبت تورطه في تحريض الجيش على الانقلاب بشكل مباشر أو غير مباشر. أما أكثر ردود الفعلالرافضة لمجرد التفكير في تغيير نظام الحكم، والتي أثارت ضجة إعلامية وسياسية كبيرة في تونس، فهي تلك التي صدرت عن الصحبي عتيق، النائب بالمجلس الوطني التأسيسي ورئيس كتلة حركة النهضة فيه، والذي خاطب أطياف المعارضة التونسية أثناء تظاهرة شعبية مساندة للرئيس المصري المخلوع محمد مرسي قائلاً إن كل من يفكر في "دوس الشرعية"، ستدوسه الجماهير بأقدامها، وأن من "يستبيح إرادة الشعب سيُستباح في شوارع تونس".

وبالتمعن في جميع البيانات وردود الفعل عليها، سواء عن الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحاكم أو الهيئات التنفيذية الأخرى، نلاحظ أن مفهوم الشرعية الذي تم تداوله بشكل متكرر يتمثل في "الشرعية الانتخابية" أو "شرعية صندوق الاقتراع"، على حدّ تعبير راشد الغنوشي، زعيم حزب حركة النهضة. فجميع هذه الأطراف ترى في صون المسار الانتقالي الحالي طريقًا وحيدًا إلى بناء دولة ديمقراطية، وتعتبر أي عمل على تغيير نظام الحكم انقلابًا على إرادة الشعب الذي اختار الأطراف الحاكمة الآن لقيادة تونس في هذه المرحلة الحساسة من تاريخها.

كل هذا التركيز على احترام الشرعية الانتخابية يقابله في صفوف بعض أطياف المعارضة تأكيد على أن هذا المفهوم لا وجود له أصلاً، وأن الحكومة تستخدمه لتشريع بقائها في السلطة وتكريس نفوذها في الإدارة ومفاصل الدولة. في هذا السياق قالالباجي قائد السبسي، رئيس حزب نداء تونس وأبرز وجوه المعارضة، إن "الشرعية الانتخابية للحكومة انتهت" في إشارة صريحة إلى نص القانون الانتخابي الذي أتى بالائتلاف الحزبي الحاكم إلى السلطة. وكان القانون الانتخابي قد نص على أن "يجتمع المجلس الوطني التأسيسي... ويتولى إعداد دستور للبلاد في أجل أقصاه سنة من تاريخ انتخابه". ولأن تاريخ انتخاب المجلس يعود إلى 23 أكتوبر 2011، فإن شرعية المجلس، والحكومة باعتبارها سلطة منبثقة عنه، قد زالت منذ 23 أكتوبر 2012. حزب نداء تونس وبعض الأحزاب المعارضة الأخرى ترى أن استخدام مفهوم "الشرعية الانتخابية" من قبل الأطراف الحاكمة ليس إلا مغالطة سياسية لتشريع البقاء في الحكم. كما عبر بعض رموز الجبهة الشعبية، وهي ائتلاف لأحزاب يسارية وقومية معارضة، عن قناعتهم بانتهاء الشرعية الانتخابية، وقالوا إنه "آن الأوان حتى تقع هبّة من الشعب التونسي"، في دعوة صريحة وواضحة إلى تحرك شعبي ضد نظام الحكم الحالي.

خارج إطار الأحزاب، أدت القناعة بزيف مفهوم "الشرعية الانتخابية" إلى بروز حركة شعبية تتكون أساسًا من الشباب أطلقت على نفسها إسم "حركة تمرّد تونس"، اقتداء بحركة تمرد مصر. أعلنت الحركة أنها تعمل على "سحب الثقة من المجلس التأسيسي والسلطات المنبثقة عنه"، واعتبرت ذلك عملاً وطنيًا تقتضيه "الشرعية الشعبية" و"الشرعية الثورية".

مع التدهور الأمني الكبير الذي عاشته تونس مؤخراً، والذي بدأ باغتيال محمد البراهمي، النائب في المجلس الوطني التأسيسي والقيادي في الجبهة الشعبية، في 25 يوليو، تلتها عملية قتل ثمانية عسكريين في جبل الشعانبي على يد مجموعات إرهابية في 29 يوليو، زادت قناعة المعارضة بزيف مفهوم الشرعية الذي تدافع الأطراف الحاكمة عنه، ودخلت في اعتصام مفتوح في ساحة باردو، أمام مقر المجلس الوطني التأسيسي، أطلقت عليه إسم "اعتصام الرحيل". شارك في هذا الاعتصام قرابة 60 نائباً من المجلس التأسيسي، كانوا قد جمدوا عضويتهم في المجلس للمطالبة بحلّه وحلّ الحكومة باعتبارها سلطة تنفيذية منبثقة عنه. وفي نفس الإطار، رفعت بعض الأطراف المعارضة سقف مطالبها، خاصة الجبهة الشعبية وحزب نداء تونس، وصارت تدعو إلى تكوين حكومة إنقاذ وطني، تترأسها شخصية وطنية مستقلة، وتُعهَد لها مهمة إجراء انتخابات في أقرب وقت ممكن.

وتعتقد الأطراف الداعية إلى "حكومة إنقاذ وطني" أن الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحاكم فقدت كلّ الشرعية، ليس فقط لمواصلة إدارة شؤون الدولة، وإنما أيضاً للمشاركة في أية تشكيلة حكومية جديدة. كما تبنى الاتحاد العام التونسي للشغل، أقوى منظمة نقابية في البلاد، موقفاً مماثلاً، ودعا إلى تشكيل "حكومة كفاءات" لتسيير شؤون البلاد في ما تبقى من المسار الانتقالي. تبرز هاتان المبادرتان بشكل واضح اقتناعَ جزء كبير من المعارضة، ومنظمات المجتمع المدني، بأن الحكومة الحالية فاقدة لكل أشكال الشرعية، وأن إسقاطها بات أمراً وطنياً ملحاً للخروج بالبلاد من مرحلة الانتكاس التي ما فتئت تتخبط فيه منذ أكتوبر 2012.

لم يسبق أن تم تداول مصطلح "الشرعية" كما يتداول منذ أن طغت أحداث مصر الأخيرة على الساحة السياسية التونسية، فقد برهن وجوه السياسة عن قدرة كبيرة وغريبة على تطويع هذا المفهوم لخدمة مصالح سياسية دون أخرى، حتى بدا وكأنه قابل إلى التجزئة والتنوع. بين الحديث عن ضرورة المحافظة على شرعية انتخابية موجودة، والدعوة إلى الانتفاض على شرعية مصطنعة لا وجود لها، تبقى التجاذبات السياسية ذات الصبغة الحزبية هي السمة الغالبة على المشهد السياسي، ويبقى المسار الانتقالي مفتوحًا على أكثر من احتمال.

عزالدين السعيدي

أستاذ جامعي وصحافي تونسي، مساهم في وسائل إعلامية عدة. يحمل إجازة في اللسانيات الإنغليزية.

التعليقات