"آذان ثوري" في البحرين

"آذان ثوري" في البحرين

منذ فترة تعلن حملة "تمرد البحرين" عن نيتها القيام بتحرك شعبي لكسر الجمود الذي وصل إليه مسار الحركة الاعتراضية. بالفعل قامت بتحركات متفرقة، لكن جديد الحملة لم يتوضّح قبل عقد المتحدث باسمها حسين يوسف مؤتمراً صحافياً في بيروت. حينها تبيّن أن الهدف هو حث الشعب البحريني على القيام بعصيان مدني سلمي سيتخذ منحى تصاعدياً. غداً تأمل تمرّد أن يستجيب البحرينيون لدعوتها إلى إغلاق المحلات التجارية، وعدم زيارة المجمعات التجارية والتوقف عن التزود بالوقود، وعدم مراجعة الدوائر الرسمية، إضافة إلى الامتناع عن إجراء المعاملات المالية ودفع الفواتير. وفي المساء سيصل التحرّك إلى ذروته التي ستسمح بقياس مدى استجابة الناس له؛ فالحملة دعت إلى إطفاء الأنوار بعد غروب الشمس. تحاول الحملة البحث عن ضوء جديد يخرج من عتمة المنازل!

أبعاد العصيان المدني الذي دعت إليه حركة تمرّد البحرين، لا تقتصر على ضغط جديد من "المعارضة البحرينية" على السلطة، بل تتجاوز ذلك لتصل إلى تغيير التوازنات داخل المعارضة بجناحيها الرسمي وغير الرسمي. سيجرّ التحرك جمعيات المعارضة الرسمية (الهيئات التي قبلت بالعمل تحت سقف قانون الجمعيات الجديد الصادر عام 2005) للعودة إلى الشارع، هي التي تفضل لغة الحوار السياسي والتواصل التقليدي مع السلطة. حتى الآن لا تزال الجهات التي دعت إلى حملة تمرد البحرين شبه مجهولة. الخطوة المنتظرة لا تشبه ما اعتدناه من تظاهرات واعتصامات تدعو إليها إحدى الجمعيات السياسية، أو تحالف يجمع عدداً منها، بل هي خطوة لا نستطيع توقع كيفية تدحرجها. الغموض الذي يلفّ هوية روّادها لا يترك لنا سوى انتظار كيف يمكن لها أن تتطوّر.

هذا بالضبط هو السبب في "جنون" السلطة وإحراج المعارضة الرسمية. فالأولى لا تعرف من يقف في وجهها وما ينتظرها. لذلك أصدر الملك مرسوماً يحظر تنظيم التظاهرات أو التجمعات والاعتصامات في العاصمة المنامة، وتوالت تصريحات لمسؤولين تحذر من خطر التحرّك. الثانية لا تستطيع إلا دعم هذا التحرك الشعبي، طالما أن الحوار بينها وبين السلطة لم يثمر حتى الآن، بعد مرور أكثر من سنتين ونصف على انطلاق الاحتجاجات، ولكنها تخشى خروج "المتمرّدين" عن سيطرتها وعن سقف مطالبها.

في الحقيقة يمتزج الغموض الذي يلف شكلياً هوية القائمين بحملة تمرّد البحرين ببعض الإشارات التي تدلّ على خلفياتهم السياسية. كل القوى المعارضة دعمت التحرّك، ولكن الأشد حماسة للمسار الجديد هما "ائتلاف شباب 14 فبراير" و"حركة حق". هاتان القوتان هما أول من تجمع في دوار اللؤلؤة في بدايات الحراك البحريني، وبدماء الضحايا جرّتا الجمعيات السياسية المعارضة إلى الميدان. من ناحية ثانية، هما ترفضان أسلوب المعارضة الرسمية في الحوار مع السلطة، لأنهما تعتقدان بلا جدوى هذا الطريق.

تعتمد تمرّد البحرين سياسة الغموض البنّاء. يظهر هذا في اختيارها 14 أغسطس موعداً لبدء تحركها النوعي. إنه تاريخ ذكرى الجلاء البريطاني عن البحرين، مما يُماهي بين الانتداب وسلطة العائلة الحاكمة. و 14 هو في الوقت نفسه تاريخ اندلاع التحركات الاحتجاجية (14 فبراير 2011). إذن تحاول الحملة البدء من جديد لينال البحرينيون "حق تقرير المصير!"

تحاول الحملة سحب البساط من تحت أقدام جمعيات المعارضة الرسمية، وافتتاح عهد جديد من الحراك البحريني. عهد سيكون عنوانه الضغط على السلطة بواسطة الشارع. دعوتها إلى "تجميد التظاهرات اليومية والفعاليات الميدانية بدءاً من 12 آب" لا تعني أبداً الخروج من الشارع. صحيح أنها تندرج في إطار مسعى لعدم استفزاز السلطات منذ الخطوة الأولى، لكنها تعني أيضاً وقف التحركات الشعبية المضبوطة كتمهيد لخطوات أخرى أكثر جدية في القادم من الأيام.

انسداد الأفق أمام الحل السياسي للأزمة البحرينية، بعد فشل حوار أطراف الصراع في شباط الماضي، يحتّم افتتاح مرحلة جديدة من العمل المعارض. عمل يلجأ إلى وسائل أخرى بعدما أثبتت الوسائل القديمة فشلها. تعاطي السلطة مع الحراك بشكله الجديد سيحدد مطلب الشعب منها أكثر. حتى الآن لا يزال المعارضون البحرينيون منقسمين بين مطالبين بتطبيق "وثيقة المنامة" التي تدعو إلى الحرية والديمقراطية وإلغاء التعيين في البرلمان وحكومة منتخبة منه وإصلاح القضاء المسيّس، وبين مطالبين بسقوط الملك حمد بن عيسى آل خليفة. لن تستطيع السلطة الاستمرار بتبنّي الخيار الأمني على إيقاع اتهام الخارج بتحريك المعارضين. هكذا استجابة لن تنجح إلا في تعقيد الأمور أكثر.

يشترك الحراك الذي سيبدأ غداً مع ما شهدناه من إصرار على عدم تخطي وسائل التعبير السلميّة. فهل ستستطيع تمرّد تحريك فئات تقف حتى الآن على الحياد؟ وهل ستشكّل التكتيكات الجديدة فارقاً يدفع السلطة إلى الاستجابة للمطالب الشعبية بإيجابية أكبر، أم أن المعارضة ستصل إلى قناعة باستحالة الحل التفاوضي؟ هذا رهن بعوامل كثيرة، تبدأ بكيفية مواجهة الحكومة للتحرك، ولا تنتهي بموقف البحرينيين الموالين للسلطة.

التعليقات

المقال التالي