كيف يحقق موظفو الأون لاين أرباحاً بالمليارات سنوياً، دون أن يشموا رائحتها؟

كيف يحقق موظفو الأون لاين أرباحاً بالمليارات سنوياً، دون أن يشموا رائحتها؟

الثامنة صباحاً، تبدأ رحمة عملها بمدينة نصر، في مكتب للعقارات يضم غرفتين. تجلس أمام جهاز الكمبيوتر، وتتصفح مواقع التواصل الاجتماعي خلال ثمان ساعات هو دوام عملها، أما المطلوب منها فهو اصطياد زبون.

مهنة جديدة تزاولها رحمة التي تخرجت من كلية التجارة جامعة القاهرة عام 2014. ولأنها طالبة من عدة آلاف طالب هم مجموع خريجي الكلية في العام، كما توضح وزارة التعليم العالي، لم تجد سوى وظيفة «عاملة أون لاين».

مهمتها، كما تقول، هي الاشتراك في مجموعات مواقع التواصل الاجتماعي المهتمة بالعقارات والبيع والشراء، حتى تتابع طلبات الزبائن، ثم التواصل والمتابعة حتى يصل الزبون إلى المكتب.

وتوضح: "هناك مجموعة تضم 100 ألف عضو، يدخل أحدهم فيكتب: «عاوز شقة في حدود كذا في منطقة كذا». إذا كانت تلك المنطقة تقع في نطاق عملي أتواصل معه من خلال «الشات»، أو أترك رقماً هاتفياً يمكن التواصل من خلاله".

يبدأ الأمر بالإجابة على المستفسرين عن سلعة ما، ثم ترك رقم هاتف محمول للتواصل من خلاله، بعد ذلك تأتي الخطوة الثانية وهي المحادثة تليفونياً، وفي حال الاتفاق، ننتقل إلى المرحلة الثالثة المتمثلة في زيارة مقر الشركة مثلاً، وهنا ينتهي دور رحمة.

العمولة، كما تشرح فتاة جامعة القاهرة، 2% من مقدار الصفقة، علماً أن تلك الشركات والمكاتب تحقق مكاسب كبيرة في بعض الأحيان، تمثل 50% من قيمة المنتج أساساً، وبما أن العمل عرض وطلب، فلا دخل لقوانين الدولة في هذا الأمر.

"مين فينا مشتغلش أون لاين"

via GIPHY

قبل عام 2011 كانت النكتة الشهيرة «ومين فينا مشتغلش كول سنتر» تعبّر عن العمل في مجال خدمة العملاء، التي تحولت في وقت من الأوقات إلى ملجأ للكثير من الشباب والفتيات الذين التحقوا بخدمة العملاء في شركات الاتصالات، لكن بعد ثورة يناير باتت لفيسبوك سطوته الكبرى وأوجد هذا النوع من الوظائف.

ساعد في تلك الظاهرة استغلال الكثير من رجال الأعمال لمواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أصحاب المشروعات الصغيرة مثل مكاتب العقارات، ومكاتب بيع وشراء السيارات، ومعارض السلع المعمرة. وبات لكل منهم صفحات لعرض منتجاته، وموظفون لمتابعة الزبائن. بينما تشير بعض الإحصاءات غير الرسمية إلى أن تلك «المجموعات" في مصر، وصل عددها إلى 10 آلاف، متوسط عدد أعضائها 15 ألفاً.

via GIPHY

الأمر لا يقتصر على رجال الأعمال، فقد تحول الأمر أيضاً إلى منفعة لمن لديه شيء يبيعه، وبدا أن هناك كثيراً من المنشورات التي تشترط الشراء من مالك الشيء دون وسيط.

تلك الظاهرة ربما تكون أحد أسباب انخفاض معدل البطالة، إذ أعلن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء منذ شهر، أن معدل البطالة في مصر انخفض إلى 12% من إجمالي قوة العمل مقارنة بـ12.4% في الفترة نفسها من العام الماضي.

بيع كل شيء

كل شيء يتم بيعه من خلال تلك «المجموعات» بدءاً من الهواتف المحمولة المستعملة، وصولاً إلى المنازل والفيلات. وتشير وزارة الاتصالات المصرية إلى أن حجم التجارة الإلكترونية والبيع من خلال مواقع التواصل الاجتماعي بلغ في عام 2016، 1.5 مليار دولار، لافتةً في بيان لها إلى أن الوزارة تسعى لتشجيع الشباب المبدع من خلال الفضاء الإلكتروني.

via GIPHY

سارة السيد، شابة أخرى تخرجت من كلية الحقوق عام 2013 والتحقت بأحد مكاتب السيارات منذ عام كموظفة «أون لاين»، تقول: "في البداية كانت الخيارات محدودة، وظائف الشهادة ليس لها أي مكان وبالتالي بدأت في هذا العمل على نحو مؤقت، الرواتب ليست كبيرة، فهي 1200 جنيه (68$) والعمل ثماني ساعات ومع الوقت اكتشفت أن لا بدائل سوى هذا المؤقت".

توضح سارة أن المؤهلات للعمل ليست كبيرة، يكفي أن تجيد استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، فطوال الوقت أنت أمام شاشة تتحدث مع من يطلبون بضاعتك، تبحث بنفسك عن تجمعات أخرى، خصوصاً أن مع كل عملية بيع ناجحة هناك نسبة تعود لك.
وتضيف: "تعرضت للكثير من المضايقات بالطبع، فقد كنت أتابع عملي من حسابي الشخصي، وبالتالي بات متاحاً للجميع، وبعض الزبائن طلبوا مني الزواج عرفياً وآخرون تحرشوا بي لفظياً، وأذكر أن منهم من طلب ممارسة الجنس مباشرة".

وتتابع: "لا أقول إن ذلك يقتصر على عملي فقط، ففي كل عمل هناك تحرش وعروض مثل تلك، لكني في مجالنا تم التغلب على هذا بإنشاء حسابات للعمل فقط، وعادة لا يكون هناك اسم حقيقي، فإما استخدام اسم مستعار أو اسم المكتب نفسه، وبالتالي نفصل بين حياتنا الشخصية والحياة العملية".

أقوال جاهزة

شارك غردالعمولة 2% من مقدار الصفقة أون لاين، علماً أن تلك الشركات تحقق مكاسب كبيرة، تمثل 50% من قيمة المنتج

شارك غردلا مكان للأحلام هنا في وظيفة الأون لاين، لا عقود أو أي حقوق والجميع يعرف ذلك

لا مكان للأحلام هنا، لا عقود أو أي حقوق والجميع يعرف ذلك، تعمل سارة منذ ثلاث سنوات في هذا المجال، وكل شيء بات مملاً بالنسبة إليها. علماً أن المساعدات التي تعرضها الدولة من خلال القروض، تشترط إما راتباً ثابتاً وهو غير متوفر أو شيئاً يعول عليه كرصيد في البنك. وتعاني سارة من بعض الالتهابات في العينين، ونصحها الأطباء بالابتعاد عن شاشات الكمبيوتر لفترة طويلة وهو مستحيل، كما أن هذا العمل يستهلكها نفسياً.

via GIPHY

بيزنس خاص

البعض لم يقف عند حدود موظف أون لاين يعمل لحساب مكتب أو شركة ما. سيد محمود مثلاً أنشأ إحدى المجموعات التي تحوي على 100 ألف عضو، واستغل ذلك في أن جعل له عمولة 5% من كل شيء يتم بيعه من خلال مجموعته، ويتحكم في ذلك كما يروي بأن أي منشور لعرضه يتطلب إذنه كأدمن لكي يتم الموافقة عليه، بعد ذلك يبدأ في متابعة عملية البيع، فيجعل الرقم الخاص به هو الوساطة بين البائع والمشتري بما يشبه «سمسار» أون لاين.

وكما يروي سيد، فإنه استطاع تكوين ثروة لا بأس بها من خلال هذا العمل، بجانب عمله الأساسي في إحدى الصيدليات كبائع، فهو أساساً خريج كلية الآدب.

أما مصطفى السيد خريج كلية الإعلام جامعة القاهرة عام 2012، يعتبر أن كل عمل تكمن أهميته في نظرتكم له، لذلك يعتقد أنه يعمل في مجال العلاقات العامة والتسويق الذي يحبه لأنه يشجع على الابتكار.

via GIPHY

ويضيف: «أنا مش واحد قاعد على فيسبوك، أنا بروج للشركة اللي أنا فيها وبحط خطط كمان للانتشار». مصطفى الذي يعمل في أحد معارض السلع المنزلية بمنطقة مدينة نصر، يعمل على زيادة الانتشار من خلال «كوميكسات» وإعلانات مدفوعة الأجر لزيادة عدد متابعين صفحة معرضه، بالإضافة إلى ابتكار طرق جديدة للفت نظر الزبون.

وعن انطباعه عن الزبون المصري يوضح أنه لم يستوعب بعد فكرة إتمام عملية شراء أو بيع عن طريق الإنترنت، وربما يعود ذلك إلى أن هناك عمليات نصب كثيرة حدثت. لكن الأهم أن هناك دوماً توجساً أو خوفاً. وفي هذا المجال يختفي التوجس حين يتم التواصل تليفونياً، أو زيارة الزبون المعرض.

تؤكد وزارة الداخلية المصرية أن هناك وجهاً آخر لتلك التجارة، فخلال النصف الأول من عام 2017 تم الإبلاغ عن 10 آلاف حالة نصب وسرقة بالإكراه من خلال تلك «المجموعات». فبعض النصابين يدخلون المجموعات كرجال أعمال للنصب على المواطنين، من خلال شراء ما يملكونه،ومستغلين أن الزبون الذي يلجأ إلى مواقع التواصل الاجتماعي ليس له دراية بأي شيء، فهو يشتري من بائع على الرصيف.

via GIPHY

الحوادث الأخرى تمثلت في سرقة بالإكراه، وتكشف بيانات وزارة الداخلية أكثر من جريمة تمت من خلال تلك المجموعات عن طريق الاتفاق على بيع سلعة ما، واستدراج الزبون لمكان يتم فيه سرقته بالإكراه. أما الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي لهؤلاء النصابين والسارقين فتكون مزيفة.

ويستعد مجلس النواب المصري إلى إقرار قانون الجريمة الإلكترونية خلال دورة انعقاده المقبلة، وهو القانون الذي حصل على موافقة مجلس الوزراء، ويعالج من خلالها تلك الجرائم بجانب بعض الضوابط التي تمكّن من تتبع أي حساب يرتكب جرائم. ومن ضمن الإجراءات التي تم الإعلان عنها في القانون الجديد أن يكون شرط إنشاء حساب على مواقع التواصل الاجتماعي إدخال رقم بطاقة الرقم القومي كطريقة يمكن من خلالها التوصل لأي مرتكب جريمة.

كلمات مفتاحية
أون لاين تجارة

التعليقات

المقال التالي