"أنا سعيد/ة بزواجي لكن لدي علاقة خارج الزواج"... لماذا يخون الأشخاص السعداء؟

"أنا سعيد/ة بزواجي لكن لدي علاقة خارج الزواج"... لماذا يخون الأشخاص السعداء؟

"كل مواصفات الزواج المأزوم لا تنطبق على حالتي... كولن وأنا نحظى بعلاقة رائعة. أطفالنا مميزون، لا ضغوط مادية، وظائفنا نحبها وأصدقاؤنا رائعون. هو متميز جداً في عمله، جميل إلى حد كبير، محب بصدق، كريم مع الجميع ومن ضمنهم عائلتي. حياتي جيدة"، كل ذلك تستفيض بريا بشرحه و"مع ذلك، لديّ علاقة خارج إطار الزواج، مع شخص لا يمكن أن أتخيل وجودي في علاقة معه، أبداً أبداً أبداً. هو سائق شاحنة وتغطي جسده الوشوم. الأمر مبتذل بشدة، ويؤلمني أن أصرّح به. هذه العلاقة تهدد بتدمير كل ما بنيته".

بريا هي واحدة من الأشخاص الذين عملت معهم المعالجة النفسية إيستر بيريل، وقد أدرجت قصتها إلى جانب قصص أخرى في كتاب يصدر خلال هذا الشهر خصصته بيريل لـ"إعادة التفكير في الخيانة"، مضمنة إياه تجربتها الطويلة التي قضتها كخبيرة في مجال العلاقات والحياة الجنسية بين دول مختلفة وثقافات مختلفة، فضلاً عن نظرتها إلى الخيانة على جميع أشكالها.

قد يعتبر كثر أن الخيانة، الزوجية تحديداً، قد أُشبعت دراسة وتحليلاً، لكن التعمق فيها يكشف عن أمور عالقة نكاد نعتبرها بديهية على شاكلة "لماذا نخون؟" و"عندما نقول خيانة ماذا نعني بالضبط"، وصولاً إلى محورها المهم الذي نشرته مجلة أتلانتيك وفيه "لماذا يخون الأشخاص السعداء؟" و"لماذا لا يُعتبر الزواج الناجح حصانة ضدّ الخيانة؟".

الزواج تغيّر... والخيانة كذلك

لقد وُجدت الخيانة الزوجية منذ أن وُجد الزواج، وعلى الرغم من أنها ممارسة شائعة إلى حد كبير إلا أنها تبقى مفتقرة لفهمها إلى الحد البعيد نفسه.

وفقاً للكتاب، اختلفت ردود الفعل التي حصلت عليها بيريل عند فتح موضوع الخيانة من الإدانة الشديدة إلى الإنكار مروراً بالتعاطف الحذر وصولاً للحماسة التامة.

تذكر الكاتبة أمثلة غير مألوفة عن الخيانة من بلغاريا التي ترى فيها النساء اللواتي التقت بهن أن خيانة أزواجهن لهن لا يمكن تفاديها، وصولاً إلى المكسيك التي رأت فيها النساء أن الخيانة هي محاولة ثورة على شوفينية الثقافة التي تعطي للرجل الحق بمنزلين، واحد للزوجة وآخر للعشيقة.

من هنا ترى أن الخيانة قد تكون منتشرة في كل مكان، لكن الطريقة التي نحكي فيها عنها ونعرفها بها ونصف تجربتها ترتبط بخصوصية الزمان والمكان.

من جانب آخر، تعترف بيريل في كتابها، كما في مرات عديدة سابقة، أن الخيانة فعل مدمر، وقد يعد الوحيد في حياة الشريكين الذي يترك وقوعه هذا الأثر (إذا ما حيّدنا الموت والمرض).

واللافت أن الخيانة في الظروف التي وصل إليها العالم اليوم لم تعد مجرد انتهاك لفعل الثقة، بل هي تدمير لطموحنا الكبير والأزلي بالحب الرومنسي. هي صدمة تجعلنا نشكك في ماضينا ومستقبلنا وحتى هويتنا. في الواقع، تترك الخيانة أثراً يجعل الكثير من علماء النفس يصنفونها في خانة التروما.

لا مفر من ذكر حجم الضرر الذي تتركه الخيانة، ولكن بيريل ترى أنه ولعقود، كان الألم المرتبط بالخيانة حكر على النساء، إذ لم تكن هذه المساحة النفسية تقارب لدى الرجل الذي يتعرض للخيانة.

في المقابل، أولت الثقافة الحديثة اهتماماً كبيراً بدراسة حجم الألم لدى الطرفين، ولكن المشكلة في التركيز على التروما وآليات الخروج منها تكمن في عدم الاهتمام بمعاني وجود علاقة مع طرف آخر غير الشريك ودوافعها.

وتعلق بيريل بالقول "قد يبدو غريبا حجم ما تعلمنا إياه العلاقات خارج الزواج عن الزواج نفسه، ماذا نتوقع منه وماذا نفكر بشأنه وكيف نرى أنفسنا داخل هذه المؤسسة. والعلاقات الخارجية تكشف كذلك سلوكنا وثقافتنا حول الحب والشهوة والالتزام، وهي أمور تغيرت بشكل دراماتيكي خلال السنوات الـ100 الماضية.

أقوال جاهزة

شارك غرددراسة غير تقليدية عن واقع الخيانة اليوم "الخيانة هي فعل انتقام من كل الاحتمالات التي هجرتنا أو هجرناها"

شارك غردإليكم لماذا لا يُعتبر الزواج الناجح والسعيد حصانة ضدّ الخيانة

ولأن الزواج لم يعد نفسه كما الماضي، فإن الخيانة لم تعد نفسها كذلك. شهدت محطات تاريخية كثيرة على اعتبار الزواج مجرد عقد خلف سياسي أو اقتصادي ومصاهرة اجتماعية. ثم تعيد ما ذكرته في مناسبات سابقة بالقول أن مفارقة اليوم تكمن في  اقتناعنا بضرورة الحفاظ على الرومانسية المثالية والاعتماد على إخلاص الشريك بحماسة فائضة في مقابل ميلنا المتزايد إلى الطيش غير المرتبط حصرا ببروز رغبات جديدة بل لأننا نعيش في عصر يشعرنا بحق اتباع رغباتنا لأن هذه هي الثقافة التي تجعلني أستحق أن أكون سعيدا، وإذا كنا نلجأ للطلاق لأننا لم نكن سعداء اليوم نلجأ للطلاق لأننا قد نكون أكثر سعادة.

وتعيد هنا مؤكدة بأن ثقافتنا الحديثة تصر على ضرورة الحصول على عائلة تقليدية توفر الشعور بالأمان والاحترام والاستقامة والأطفال، وفي الوقت نفسه تريد من الشريك أن يمنحنا الحب والمتعة والاهتمام، أن يكون صديقا حميما وعاشقا ولهًا. هكذا نريد من الشريك أن يمنحنا الأمن والاستقرار وفي الوقت نفسه نطلب منه أن يشجعنا على المغامرة والمخاطرة. في حين نعلي في كل يوم أكثر من شأن قوانين حماية الخصوصية والفردية والاستقلالية والحرية.

ثم لقد كان الزواج مرتبطا بفكرة الحصول على الجنس للمرة الأولى، الآن بات مرتبطا بفكرة التوقف عن ممارسة الجنس مع الآخرين وحصره بشخص واحد، ثم ينبغي القول أننا وجدنا "الشخص المناسب" لتتبخر تلقائيا رغبتنا بالآخرين.

"أحبه/ا... وأخونه/ا"

بين حالات عديدة التقتها بيريل تكررت الشكوى "أحب زوجتي/زوجي. نحن أصدقاء مقربون وسعيدون جداً... ولكن لدي علاقة خارج الزواج".

هؤلاء أزواج قد وعدوا بعضهم بالسعادة الأبدية، بالدعم في كل الأمور، وتوصلوا إلى اتفاقات عديدة تعطي لكل شخص حقه، ووفقوا بين الأمان والحرية. هم سعيدون ولكن لماذا يخونون؟

عندما نختار الشريك نلتزم بقصة محددة. ومع ذلك نبقى حشريين: ما هي القصص الأخرى التي كان يمكن أن أكون جزءاً منها؟

لا تمتلك بريا، الزوجة السعيدة، إجابة على سؤال مماثل. هي تحترم كل وعود زواجها، وترى في كولن أمير أحلامها الذي طالما حلمت بالزواج منه، وكل ما تمنته في زوج. صحيح ما يقال حول ما إذا كنت تملك كل شيء في المنزل، فلماذا تفتش خارجه، ولكن حتى في تلك الحالات، تبقى الخيانة أحد أعراض وجود خلل في العلاقة.

وتوصيف الخلل هنا ينبع من أمور مختلفة. أولها أننا بتنا نعول على الزواج بمنحنا الحب والشغف أكثر من أي وقت مضى، وفي حين أن رغباتنا لم تتغير فقد بتنا نجد أنفسنا معنيين - لا بل ملزمين - أكثر من قبل باتباعها.

في الشق الثاني، حيث تضرب الخيانة الزوجية العائلات السعيدة، كعائلة بريا، يمكن أن نرى أنها كانت بالنسبة لبريا التي لعبت لسنوات طويلة دور الأم الصالحة والزوجة الصالحة مثل المراهقة التي لم تعشها من قبل.

تحاول بيريل أن تستشف قصص من تتعامل معهم لتعرف ماذا تعني الخيانة لهم. لماذا اختاروا هذا الشخص بالذات لخيانة الشريك معه؟ لماذا الآن؟ هل هي المرة الأولى؟ من أخذ زمام المبادرة ببدء العلاقة؟ هل جربوا المقاومة؟ كيف كان الشعور؟ ماذا يشعرون أثناء الخيانة وبعدها؟

كلها أسئلة تساعد على تشخيص دوافع كل شخص على حدى، ليتبين لاحقاً أن المشترك في حالات الخيانة هو القلق والألم الذي ينتاب من يخون، ولكن أيضاً الشعور بالحرية والقوة. وتعلق بيريل قائلة إن هذا الكلام لا يشكل دفاعاً عن الخيانة، ولكن الحب والشهوة لا يحصران بخانات ضيقة ومبسطة بين سيء وجيد، وصالح وشرير، وضحية وجلاد.

تشرح بريا الوضع "الأمر ممتع ومرعب في آن. ليس لدينا مكان نلجأ إليه، نختبئ في شاحنته أو سيارتي، في السينما أو في أحد الزوايا. يضع يده دائماً داخل سروالي وأشعر أنني أعود مراهقة مع صديقها في المدرسة". لا يمارسان الجنس كثيراً، ولكن ما يهم بريا هو الشعور أنها مغرية أكثر من ممارسة الجنس، "يشعرني الأمر أنني حية".

البحث عن الذات

تستنتج بيريل هنا أن الأمر يتعدى العلاقة أو الشريك نفسه، إنه محاولة بحث عن الذات، وتجربة فيها من النمو والاستكشاف والتحول ما فيها.

وهنا نلاحظ في حالات عدة أن من يختارهم هؤلاء ليخونوا شركاءهم معهم لا يمتلكون مواصفات التحول لشريك، وفي كثير من الأحيان حتى إذا انتهى الزواج لا يعني أن يصبح وارداً الزواج من العشيق. تتساءل بيريل "كيف ستكون الحال ما إذا توفر لبريا وعشيقها غرفة نوم شرعية؟".

الخيانة لا تتعلق بالشريك، هي أيضاً محاولة بحث عن الذات، وتجربة فيها من النمو والاستكشاف والتحول ما فيها

قد تأتي الخيانة كذلك كتمسك بالحياة بعد خسارة فادحة لشخص عزيز، فالموت يثير أسئلة على شاكلة "هل سأمضي 25 سنة أخرى على هذا النحو، هل سيراودني هذا الإحساس مرة أخرى؟". وهنا الجنس ليس هدفاً كذلك، بل البحث عن الاهتمام والرغبة في الإحساس، والرغبة في ما لا يملك.

ولأن الخيانة، حسب بيريل، لا تعني ابتعاداً عن الشريك بقدر ما هو بحث عن الذات ومحاولة تعويض لأمور ماضية وضمان أمور مستقبلية، فهي لا ترتبط بوجود مشكلة في الزواج حكماً، بل بظروف كل شخص على حدى.

وعلى ما قال الكاتب المكسيكي أوكتافيو باز هي "عطش للغير"، يعني ليست بحثاً عن شريك جديد، بل بحث عن نفس جديدة. لقد حاولت بريا أن تنهي هذه العلاقة الموازية مراراً، لكنها لم تنجح، في حين تأمل بيريل أن تفعل من دون أن يكلفها ذلك تدمير حياتها. وهنا لا ينفع مجرد اتهام من يخون بالأنانية والحقارة.

… والأحلام المهجورة

تطرح بيريل كذلك قصصاً عدة منها قصة دواين الذي يحظى بعلاقة زوجية سعيدة، لكن إعجابه القديم بكيشا زميلة الدراسة لم يهجره تماماً. لطالما تساءل عن كيف سيكون الجنس معها ولأنه لم يجربه بقي الأمر معلقاً في ذهنه من الماضي.

لذا حين وجدها لاحقاً على "فيسبوك"، رأى أنها لا تزال جميلة ومغرية وشعر بالحاجة لممارسة الجنس معها كي يحل رغبة قديمة معلقة. انتابه هذا الشعور، على الرغم أنه كان سعيداً بزواجه.

وتلمح بيريل إلى أن عدداً غير قليل من الأشخاص المتورطين في علاقات قد يحسون بشعور رهيب بالذنب لإيذاء شريكهم ولكن لا يشعرون بالذنب بسبب تجربة العلاقة نفسها، وهذا التمييز مهم.

في النهاية، يمكن الاستشهاد بما كتبه عالم النفس زيغمونت بومان عن "الحيوات التي لم نعشها، عن الهويات التي لم نستكشفها، والطرقات التي لم نسلكها. عندما كنا أطفالاً، كان لدينا الفرصة للعب أدوار مختلفة، وعندما نكبر نجد أنفسنا عالقين مع شخص واحد اخترناه. عندما نختار شريك نلتزم بقصة محددة. ومع ذلك نبقى حشريين: ما هي القصص الأخرى التي كان يمكن أن أكون جزءاً منها؟ العلاقات خارج الزواج تعطينا لمحة عن تلك القصص… الخيانة هي فعل انتقام من كل الاحتمالات التي هجرتنا أو هجرناها".

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي