فريدة أبو عوف: أول مصرية عابرة جنسياً تحصل على إعفاء من التجنيد

فريدة أبو عوف: أول مصرية عابرة جنسياً تحصل على إعفاء من التجنيد

قبل أن تنزل من شقتها حرصت على ربط شعرها، المنسدل على كتفيها بنعومة، بربطة شعر ذات ألوان مبهجة، لعل يومها يسير جيداً وبلا نتوءات روحية يخلدها الزمن والألم. بنظرات واثقة مثابرة نظرت لنفسها فى المرآة، ورددت بثقة: "سأفعلها. سأنتهي مما خططت له. سأحصل على حريتي مهما كلفني الأمر"، وبرشاقة، اختطفت ظرفاً بلاستيكياً يحوي أوراقها الثبوتية لتبدأ الاشتباك.

فتاة داخل أروقة مكتب التجنيد المصري

خطوات ظاهرها الثبات والقوة وباطنها التوتر والقلق تخطوها فريدة أبو عوف نحو مكتب التجنيد والتعبئة في منطقة الهايكستب لتحصل على شهادة إعفائها من الجيش بصفتها عابرة جنسياً، فيوسف أصبح فريدة.

INSIDE_FaridaAbouAouf2

بمجرد دخولها للمكان تشعر بنظرات المحيطين ممن يحملون الظرف نفسه، يكاد تخترق جسدها متسائلة في دهشة واستنكار عن سبب تواجدها وسط هذه الحشود من الذكور الساعين للتجنيد أو الراغبين بأوراق ثبوتية تثبت إعفاءهم لأسباب طبية.

وباقترابها من مكتب إصدار الإعفاء النهائي، فطن الجميع إلى ماهية الزيارة فأخذوا يرشقونها بوابل من الألفاظ، التي وقعت على مسامعها كطلقات الرصاص المتتالية. وبدأت اللف على المكاتب وطلب الإمضاءات المختلفة، وشرح حالتها الاستثنائية، أنها عابرة وتحتاج لتغيير الاسم والحصول على الإعفاء النهائي، يحدث كل هذا وسط جموع المجندين الجالسين يسترقون السمع والنظر، والذي تجرأ البعض منهم لينعتها بألفاظ مهينة.

أقوال جاهزة

شارك غرد"لو كان الجيش اختياري لطالبت بحقي في الانضمام إليه كعابرة جنسياً"

شارك غردتعرضت فريدة لسيل من الشكاوى لإدارة فيسبوك بسبب ما تكتبه من معلومات ودعم للعابرين فأغلق حسابها لبعض الوقت

وبعد طول مثابرة وإصرار تحصل فريدة أخيراً على أول شهادة إعفاء من التجنيد بصورتها الأنثوية.

INSIDE_FaridaAbouAouf4

"لن أتوقف عن مساندة العابرين جنسياً"

تحكي فريدة أبوعوف، وهي فنانة تشكيلية من الاسكندرية وناشطة في مجال حقوق العابرين جنسياً لرصيف22، عن إدراكها المبكر لنفسها: "انتبهت مبكراً لكوني أنتمي وأفكر وأشعر بشكل أنثوي ولكن كان من الصعب أن أفكر بصوتٍ عالٍ في هذه المسائل، فما بالكم بالبوح برغبتي في العبور الجنسي.

INSIDE_FaridaAbouAouf من لوحاتها

كان كل شيء يقف أمامي إلا إرادتي، وعندما اتخذت قرار المواجهة عانيت كل العواقب التي يمكن أن تتخيلوها، القطعية والهجر والاستنكار من القريب قبل الغريب، لكنني كنت اخترت طريقي بلا رجعة. وبدأت في اتخاذ الخطوات العملية في العبور من اللجوء لأطباء في كل التخصصات، وساعدتني كثرة قراءاتي واتصالي ببعض الجهات التي تساعد العابرين جنسياً من مختلف العالم".

وتضيف: "تكلل حلمي بحصولي على شهادة الإعفاء من التجنيد ولكن ما زال أمامنا كمجتمع عربي الكثير لتقبل وجود العابرين جنسياً في محيطنا من دون الشعور نحوهم بالخوف أو الاستنكار. ومنذ أربع سنوات حتى الآن أكرس كل مجهودي للتعريف والتوعية بالعبور الجنسي من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وأقدم المساعدة والمساندة لكل من يرغب في العبور وتقف ضده تقاليد أو قوانين أو قيود مجتمعنا".

توضح فريدة أنها تعرضت لسيل من الشكاوى المقدمة لإدارة موقع فيسبوك بسبب ما تكتبه من معلومات ودعم للعابرين، وأغلق بالفعل حسابها لبعض الوقت. لكنها استعادته من خلال مساندة العديد من الأصدقاء والعاملين بحقوق الإنسان، الذين ضغطوا لاسترجاع فريدة حسابها.

INSIDE_FaridaAbouAouf3

"لو كان الجيش اختياري لطالبت بحقي في الانضمام إليه كعابرة جنسياً"

تقول أبو عوف: "هناك فارق كبير بين مسألة العابرين جنسياً في أمريكا والعابرين في مصر، أولاً هنا الجيش إجباري وهذا ليس من حقوق الإنسان، ثانياً هل تساءل أحد عن مصير الفتيات العابرات جنسياً إذا طالبن بدخول الجيش المصري فهل سيتم احترامهن؟

الإجابة واضحة وقاطعة ولو على الأقل بالنسبة لي فنحن لسن في أمريكا، يمكننا أن ننزل إلى الشوارع لنتظاهر بحرية يكفلها لنا الدستور والقانون ونطالب بالمساواة بذوي الهويات المتوافقة مع جنسهم، فنحن كبنات ورجال لسنا أقل منهم جسدياً ولا نفسياً ولا عقلياً ولا إنسانياً. ولم نخير حتى فى رغبتنا في الانضمام إلى الجيش من عدمه كأفراد عاديين فما بالك بالعابرين جنسياً الذين يتم إقصاؤهم من كل مجالات الحياة بل من الحياة نفسها".

وتضيف أبو عوف: "أخيراً، وأنا أنتهي من أوراقي الثبوتية الخاصة بالتجنيد، تساءلت ماذا لو كان من حقي الالتحاق بالجيش كأنثى مصرية عابرة جنسياً؟ ربما كنت أصبحت ضابطة بالجيش المصري، فشئنا أم أبينا التشريعات والطب والقانون وحتى مؤسسة الأزهر لديها ما يبرر ويقنن حريتنا ومساواتنا مع الجميع، لكنهم جميعاً يمارسون انتهاكات عديدة ضدنا بدعاوى غير حقيقية، وهنا نقف جميعاً كعابرين وعابرات جنسياً بشجاعة لندخل معركة فقط للحصول على كرامتنا وهويتنا في بلدنا".

اضطهاد ورفض واختفاء هذا ما ينتظر العابرون جنسياً في مصر

بحسب الدراسة التي أجراها مركز هردو لدعم التعبير الرقمي، فإن الوضع في مصر لم يختلف ﻣﻨﺬ ﻓﺘﺢ ذﻟﻚ اﻟﻤﻠﻒ ﻓـﻲ ﺗﺴﻌﻴﻨيات اﻟﻘﺮن اﻟﻤﺎﺿﻲ، ﻣﻦ ﺧﻼل ﻗضية اﻟﻄﺎﻟﺐ اﻷزﻫﺮي "ﺳﻴﺪ"، اﻟﺬي اﺷﺘﻬﺮت قصته ﺑﻌﺪﻣﺎ أﺟﺮى اﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﻟﻴﺼﺒﺢ اﻟﺮاﻗصة سالي، ﻣـﺎ اﺳﺘﺪﻋﻰ ﻏﻀﺐ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ لتختفي ﺳﺎﻟﻲ ﺑﻌﺪ وﻗﺖ ﻗﺼﻴﺮ. وﺟﺎءت ﺑﻌﺪﻫﺎ الفنانة الراحلة "ﺣﻨﺎن اﻟﻄﻮﻳﻞ" اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺪﻋﻰ ﻃﺎرق، وأﺟﺮت ﻋﻤﻠﻴﺔ اﻟﺘﻐﻴﻴﺮ اﻟﺠﻨﺴﻲ ﻓﻲ ﺑﺪاﻳﺔ اﻷﻟﻔﻴﺔ اﻟﺜﺎﻟﺜﺔ واﻣﺘﻬﻨﺖ اﻟﺘﻤﺜﻴﻞ وﻋﺮﻓﺖ ﻣﻦ ﺧﻼل ﺷﺨﺼﻴﺔ "ﻣﻴﺲ اﻧﺸﺮاح" ﻓﻲ ﻓﻴﻠﻢ اﻟﻨﺎﻇﺮ. وﻗﺪ ﺗﻮﻓيت ﻓﻲ ﻇﺮوف غامضة، وﺗﺸﻴﺮ بعض اﻟﺮواﻳﺎت إلى انتحارها بسبب ﻣﺎ ﺗﻌﺮضت له ﻣﻦ ﻧﺒﺬ واﺿﻄﻬﺎد ﻣﻦ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ.

تقول ياسمين حسن، ناشطة في حقوق مصححي الجنس "الترانسجندر": "يرفض الكثيرون الاعتراف بالترانسكس، ويؤكد تحليل الصبغة الكروموسومية والهرمونات في حالة الذكر الذي يسعى للتحول إلى أنثى، أن الشخص ذكر بينما يشعر أنه أنثى والعكس صحيح.

وتضيف: "هذا الموقف السائد يرجع إلى سيطرة التيار الديني عليها، ما يجعلها تضع المزيد من العراقيل وتستند إلى آراء دينية متشددة، من دون الاستناد لأي آراء علمية. فكل طرف من أطراف المشكلة يتنصل من المسؤولية ويلقي بها على طرف آخر، والمسؤولون في مصر يرفضون إجراء هذه العملية بدعوى أنها تتعارض مع عادات وتقاليد المجتمع، وبين العلم والدين يقف المجتمع حائراً، ما يجعلنا ندور في حلقة مفرغة".

كلمات مفتاحية
الجيش عابرة جنسياً

التعليقات

المقال التالي