يوتوبيا الحشاشة... عن حلم 6 ملايين متعاطٍ للحشيش في مصر

يوتوبيا الحشاشة... عن حلم 6 ملايين متعاطٍ للحشيش في مصر

ماذا لو عرضت أكشاك ومحالّ البقالة في القاهرة قطع الحشيش جوار علب السجائر، وأدرجته المطاعم والكافيهات الفاخرة ضمن فئة تدخين النرجيلة بقائمتها. ليس هذا فحسب، سيكون بإمكانكم أيضاً لف سجائر الماريجوانا بساحات خاصة دون مضايقات أمنية معتادة.

shutterstock_635015180

السردية السابقة ليست من يوتوبيا الفيلسوف الأغريقي أفلاطون، لكنه شكل الحياة الذي يداعب خيالات 6 ملايين متعاطٍ للحشيش في مصر، حيث تجرم السلطات الأمنية حيازته أو الاتجار به.

في عالم آخر مواز على صفحة "ثورة الحشيش"، التي يقصدها 37 ألف مشارك حتى اليوم، ينادي "الحشاشة" بتقنين استهلاكه، بهدف الاستفادة من النبتة المسالمة، كما يطلقون عليها، ترفيهياً واقتصادياً وسياحياً، بل يرونه طوق النجاة لبلد ينزف اقتصادياً طوال العقد الأخير.

19942752_1626072684079370_795102777035885098_o

وتحتل مصر المركز 25 عالمياً في قائمة الدول الأكثر تعاطياً للحشيش، بحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، بنسبة وصلت إلى 6.24% من عدد السكان، أي قرابة 6.2 مليون. لكن القائمين على صفحة "ثورة الحشيش" لا يعترفون بهذه الإحصائية، ويؤكدون اقترابهم من 13 مليون متعاطٍ للحشيش.

وأدرج الموقع الأمريكي "بيت الطعام الصحي" مصر ضمن أكبر 30 دولة مصنعة للحشيش، مع دول عظمى مثل فرنسا والهند وإيطاليا وشيلي وهولندا.

يؤمن جامايكا، 28 عاماً، وهو الأدمن الأول للصفحة الذي حاوره "رصيف22"، بأن تقنين استهلاك الحشيش في مصر سيكون نتاجاً لحملات الضغط الشعبية التي تحركها الصحافة والوسائط الإلكترونية المختلفة، كونها وسائل أثبتت فاعلية في تحريك المياه الراكدة مع حكومات متحجرة الفكر.

shutterstock_625885253

وبحسب جامايكا، فإن الصفحة تضم شرائح من جميع أطياف المجتمع، فيوجد الصنايعي الذي يتفاعل بـ" أحلى مسا عليكم"، والطلبة، ودكاترة يساعدونهم على ترجمة تقارير طبية عن النبتة، ومحامون يلجؤون إليهم في استشارات قانونية، كما يوجد مندوبو الأجهزة الأمنية لمتابعة نشاط الصفحة.

"رجال الأمن بيدخلوا يهددونا ويقولوا لنا عارفينكم وهنجيبكم"، يقول جامايكا، بينما ينفي عن نفسه التورط في الاتجار: "كلنا شباب بنشرب وجمهور الصفحة مثل أي جمهور نشرب ونتسلطن"، فترفع الصفحة شعار: "الصفحة لا تساعد في البيع وليس لها علاقه بالبيع ولا من قريب ولا بعيد".

أقوال جاهزة

شارك غردتحتل مصر المركز 25 عالمياً في قائمة الدول الأكثر تعاطياً للحشيش، بحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة

شارك غردتقنين استهلاك الحشيش في مصر سيكون نتاجاً لحملات الضغط الشعبية التي تحركها الصحافة والوسائط الإلكترونية

يضع القائمون على الصفحة على عاتقهم مهمة توعية الناس على فوائد الحشيش وتغيير الفكر الخاطئ الذي تكوّن عن هذه النبتة بسبب الشائعات. فتجدهم يقدمون وجبة توعوية دسمة للحشاشة، تشمل المعلومات عن نبات القنب وأنواع وأسماء الحشيش في الدول العربية والأجنبية، كما تقدم نصائح مستمرة لوسطاء البيع "الديلزر" بعدم استغلال الشباب في الترويج للحشيش المغشوش، المصنوع من مواد كيمائية تؤدي أحياناً إلى الوفاة.

يقول: "أرقام مبيعات الحشيش في مصر تدل على أن أرقاماً كاسحة تستخدم المنتج رغم سوء جودته لخلطات من الحناء والمواد العطرية وبعض المواد الكيميائية، وخالية تماماً من الحشيش، وأسعارها قفزت للضعفين في بداية السنة الحالية تزامناً مع تعويم الجنيه وصعود العملة الصعبة".

via GIPHY

ويوضح جامايكا (28 عاماً)، الذي تشبه حياته أسطورة الريجي بوب مارلي، بين العزف والحشيش، أن المضبوطات من عمليات التهريب تصل لنحو 15%، ما يعني أن %85 من الصفقات الكبيرة تمرر إلى السوق.

لكن هذا يتناقض مع تصريحات سابقة للواء أحمد الخولي، مدير الإدارة العامة لمكافحة، التي أكد فيها أن استراتيجية الوزارة نجحت في ضبط حوالى 90% من مخدر الحشيش الذي يستهدف مصر عبر الموانئ البرية والبحرية.

لكن هل تتغير الصورة في حال تقنين استهلاكه؟

ويقول آتوم، مؤسس صفحة ثورة الحشيش: "الحشيش الصافي ليس إدماناً، لكن المضروب امضر وإدمانه سببه الكيماويات الموجودة في خلطته، ومع إلغاء تجريمه للاستعمال الترفيهي لن يكون هناك غش بسبب وجود رقابة، كما أنه سيفتح سوقاً حرة أمام الشركات التي تتنافس فيها، وتنتشر الجودة النظيفة، ويخاف تجار الشارع".

via GIPHY

آتوم، 22 عاماً، يدرس النظم والمعلومات، ويعمل حالياً في مجال التسويق، ويملك تصوراً عن شكل الحياة في مصر بعد تقنين الحشيش، هذه الرؤية تشكل من خلال اطلاعه على تجارب الدول التي قنن فيها مثل هولندا وكندا.

يشرح: "سياحيًا سيأتي بشر من جميع أنحاء العالم لمشاهدة خضرة الحشيش، مصر معظمها صحراء والنبتة بتطلع في أي مكان ومع الاهتمام بيها هننتج نبات هيجذب السياح من أجل تجربته، مثل حشيش المغرب المنتشر في جميع أوروبا، والذي فتح مجالا لأكل العيش".

منافذ بيع الحشيش

وأن تكون صنوف الحشيش متوافرة في السوبر ماركت وفي الكافيهات مثل هولندا، وتخصص أماكن عامة للشرب، بجانب تحديد حصة لكل مواطن ثم السن القانونية المحدد لعدم إساءة استخدامه.

تصطدم طموحات الحشاشة بصخرة ثقيلة يسندها التيار المحافظ في مصر، الذي لن يسمح بمناقشة هذا الطرح إلا في الغرف الإلكترونية. يضيف آتوم: "لا يوجد نص ديني صريح يحرم الحشيش، فلدينا محال الخمور في كل مكان بمصر، ولسنا فقهاء دين للفتوى بتحريمه من عدمه، الهدف هو إلغاء قرار تجريمه الذي صدر في عهد محمد علي بالقرن الـ19".

الصورة الوردية التي يحلم بها متعاطو الحشيش في مصر، لا توجد مثيلتها في أعتى الديمقراطيات تسامحاً مع هذه النبتة، ففي أوروغواي تباع المخدرات بشكل قانوني في الصيدليات فقط من أجل الاستخدام الترفيهي، بعد إقرار قانون يضفي الطابع القانوني الكامل على تجارة الحشيش.

وفي الدول الأخرى، تحدد الكمية التي يمكن حيازتها من الحشيش، ففي بلجيكا يسمح لك بامتلاك أقل من خمسة غرامات، لكن غير مسموح بتدخينها في الأماكن العامة، وتسمح بيرو بامتلاك حتى 8 غرامات من دون قيود على الاستخدام، وتصل إلى 25 غراماً في البرتغال.

يعلق آتوم على ذلك: "نحن نناقش أفكاراً طبقت بالفعل، وعلينا أن نفعل كما فعل الذين نجحوا، وهذا ليس عيباً، لكن في الوقت نفسه علينا ألا نطبق التجارب Copy Paste، بل نراعي بالطبع فرق الثقافة".

حكاية الغش

via GIPHY

 

يشرح آتوم أن مصر تعاني منذ تجريم استهلاك الحشيش في القرن الـ19 في عهد الخديوي محمد علي، بسبب حدوث خلل في زراعة النبات وتبوير أراضيه، ما تسبب في تحويله لغير منتج واعتمد على التهريب فقط ما خلق أزمة الغش.

ويوضح: "بات التجار يضيفون كيماويات يزيدون بها الكمية، ومن هنا بدأت حكاية الغش التي ناقشها فيلم الكيف وفيلم ثرثرة فوق النيل، فموضوع الغش قديم وكل سنة تزيد الأمور سوءاً، والمضروب ينتشر حتى أصبح الحشيش معظمه في مصر مضروب ونسبة الكيف الـTHC فيه لا تتعدى ال10%".

يكرس أدمن الصفحة جزءاً كبيراً من منشوراته التوعوية للتحذير من أضرار الحشيش المغشوش، وتقديم النصائح لجمهور الصفحة بالبحث عن منتج نظيف مهما زادت قيمته، من خلال "غذاعة البانجو" التي يقدمها الأدمن بشكل دوري. كما يدعم ذلك بنشر أخبار عن وفاة متعاطين للحشيش بسبب نسبة الكميات المضروبة فيه، فيقول: "الحشيش والبانجو النظيف عمره ما هيموت حد لكن المضروب وارد جداً تروح فيها".

طوق النجاة

Beverly-Yuen-Thompson_Fickr

يؤمن آتوم بأن تقنين استهلاك الحشيش هو الملاذ الأخير للحكومة المصرية لتفادي سيناريوهات اقتصادية مرعبة، قد تدخل البلاد في نفق مظلم، بسب تراجع عائدات السياحة منذ ثورة 25 يناير 2011، حيث بلغت خسائر مصر من قطاع السياحة نحو 25 مليار دولار خلال السنوات الخمس الماضية، وتوقف المصانع عن العمل، بعد تراجع الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي.

ويقول مؤسس "ثورة الحشيش": "لن ينعش اقتصادنا ويرفع سهمه غير النبات الأخضر الذي يزرع في الصحراء المهجورة غير المستغلة، سيحدث ذلك من غير كلفة تذكر ويدر علينا آلاف المليارات".

هذه الأرقام ليست من باب المبالغة، فقبل عامين، طالب رئيس رابطة تجارة السجائر في مصر أسامة سلامة، الحكومة بتقنين الحشيش، لأن في ذلك تقنيناً لاستهلاكه وجلب ملايين الدولارات، موضحاً أن زراعته وتقنينه سيوفران قرابة 4 مليارات دولار للخزينة.

ولآتوم خطة في التقنين التدريجي، يبدأ بالتقنين الطبي ثم الصناعي حتى وصوله إلى التقنين الترفيهي المنشود لهذه الشريحة.

شرارة الحشيش من المغرب ولبنان

يحلم آتوم وجامايكا بشرارة شبيهة بثورات الربيع العربي التي تلقفتها مصر من تونس في 2011 بين الياسمين و25 يناير، لكن هذه المرة ستكون شرارة الدول المنتجة للنبات الأخضر في المنطقة مثل لبنان والمغرب. "حينها لن يكون ذلك مجرد حلم".

كلمات مفتاحية
الحشيش

التعليقات

المقال التالي