من أروى إلى نساء العرب: تزوجن مثل بنات القيروان ففي ذلك خلاص لكُنّ

من أروى إلى نساء العرب: تزوجن مثل بنات القيروان ففي ذلك خلاص لكُنّ

جاء في أخبار الملوك والخلفاء أن أبا جعفر المنصور، الخليفة العباسي، هرب في بداية حراكه ضد الأمويين إلى القيروان بعد أن لاحقه جند بني أمية بقيادة مروان بن محمد.

فنزل سراً لدى رجل يدعى منصور بن عبدالله الحميري، كان أتى من اليمن ليستقر في القيروان، وكانت له ابنة فائقة الجمال والذكاء تدعى أروى، فخطبها من أبيها ملحاً عليه أن يتزوجها.

كان رد أبيها أن وافق بشرط ألا يتزوج غيرها وألا يتخذ السرايا معها، وإلا فإن طلاقها بيدها على عادة أهل القيروان تحت ما يسمى الصداق القيرواني.

ظل أبو جعفر المنصور ملتزماً بالشرط حتى بعد توليه الخلافة، إلى أن توفيت عنه في 146هـ/ 764م بعد أن أنجبت له أحد خلفاء بني العباس وهو محمد المهدي.

وجاء في كتاب المؤرخ التونسي حسن حسني عبدالوهاب "شهيرات تونسيات"، أن المنصور كان بعث رسلاً كثراً إلى مشايخ أهل مكة والعراق والشام ومصر وعلمائهم ليستفتيهم في زواج ثانٍ على زوجته أروى، "لكن أروى القيروانية كانت له بالمرصاد وكانت تسبق زوجها بإرسال المال إلى المشايخ والعلماء لمنع المنصور من الزواج عليها والحفاظ على عهده الأول في زواجه على طريقة أهل القيروان، فما كان من أمير المؤمنين سوى الصمت والالتزام".

وورد أيضاً في كتاب الجاحظ "المحاسن والأضداد" أن الخليفة أبا جعفر المنصور لما كان على فراش الموت همس لابنه لتوصيته قائلاً: "إياك أن تدخل النساء في مشورتك في أمرك".

أما عن الميراث والوقف، فتلك قصة كان أكدها الجاحظ في الكتاب نفسه، وذكر أن أروى القيروانية كانت حصلت من زوجها أبو جعفر المنصور على ضيعة تسمى "الرحبة" وأمرت بأن لا تورث تلك الرحبة إلا للمواليد الإناث من بعدها، وبقي الأمر على ذلك العهد حتى أن الجاحظ الذي جاء بعد قرن من موت أروى أكد أنه عاصر وراثة تلك الضيعة من المواليد الإناث من نسل المنصور وأروى.

نساء تونس...

"المرأة أم الإنسان".

بهذا الإقرار، افتتح المفكر التونسي الطاهر الحداد، الملقب بمحرر المرأة، مقدمة كتابه الشهير، امرأتنا في الشريعة والمجتمع.

امتلأت هذه الصيغة المختزلة تكثيفاً إنسانياً عميقاً يضع الأنثى من البشر في مرتبة الأصل ومنها يولد الناس.

ليس الطاهر الحداد المجتهد العربي الوحيد الذي دافع عن طبيعة الأشياء في أن تكون للمرأة حقوقها ومكانتها وكرامتها، فقد تأثر الحداد بقاسم أمين وهدى الشعراوي والشيخ محمد عبده وكلهم مصلحون مصريون.

وذكر في كتابه أن الغرب يتقدم بشكل دائم لمراهنته على تعليم المرأة وتحريرها وتنويرها.

ومن الحريّ في هذا السياق أن نشير إلى أن فكر الحداد في تونس أخذ طريقه نحو التطور والنفاذ إلى الناس والمجتمع نظراً إلى تاريخ إنصاف المرأة في تونس منذ قرون عدة، أي منذ بدايات دخول الإسلام أفريقيا (تونس) في القرن الثاني للهجرة.

هنا نستذكر "الصداق القيرواني" الذي يعد نقطة مضيئة في تاريخ المعاملات والعقود في العالم العربي.

وبقطع النظر عن الجدال الذي أثير حديثاً حول ما يتعلق بالمساواة في الميراث وحق زواج التونسية المسلمة بغير المسلم، فإنه من الضروري التذكير بمفهوم الصداق القيرواني والسياق الذي جاء فيه هذا النوع من العقود وكيفية تأثيره بالمنطق التشريعي للتونسيين إلى اليوم.

أنا أو لا أحد... أنا أو أنت طالق

في كتابه "الصداق القيرواني"، يشير المختصّ بتاريخ القيروان الباحث التونسي أحمد الطويلي إلى أن السرّ في هذا النوع من العقود يكمن في الجملة التي يرد في المواثيق كلها، والتي تقول "طاع الزّوج المذكور زوجه المذكورة بالجعل التحريمي على عادة نساء القيروان، تضمناً لمسرّتها واستجلاباً لمودّتها ولا يتسرّى ولا يتخذ أمّ ولد... فإن فعل ذلك أو شيئاً منه بغير إذنها ومن دون رضاها فهو طالق وأشهد على نفسه بذلك".

والمقصود بهذه الصيغة القانونية المذكورة حسب تفسير الشاذلي طراد، المختص في العقود الإسلامية لرصيفـ22 أنه "على الزوج (الرجل) أن يطيع زوجته في عدم الزواج عليها وذلك بقطعه وعداً أمام شهود الزواج وأمام الناس عند إشهار الارتباط بأن لا يتزوج عليها إلا برضاها وإذنها وإلا أصبح زواجه منها باطلاً لإخلاله بأحد أركان العقد، وهذا هو المقصود بالجعل التحريمي على عادة نساء القيروان".

ويضيف طراد: "لا يمكن الزوج أيضاً أن يتخذ من عقم زوجته سبباً للزواج عليها وهو المقصود بعبارة "لا يتخذ أمّ ولد"، وإلا أصبح طالقاً إذا أرادت الزوجة ذلك باعتبار امتلاكها العصمة، وكل ذلك طلب لمودة المرأة ومسرّتها". 

أقوال جاهزة

شارك غردورسخ في عقود القيروان أن للمرأة الكلمة العليا في قرانها، وأنه لا زواج عليها إلا برضاها...

شارك غردمن هي أروى التي منعت أبا جعفر المنصور من اتخاذ زوجة غيرها؟

وقد دأب على عادة أهل القيروان في الزواج علماء ودعاة وقضاة معروفون، فما كان من الإمام الأكبر سحنون (160 ـ 240هـ)، قاضي القيروان وقاضي قضاة بلاد المغرب والأندلس، إلا أن واصل العمل بفقه الأسبقين وعاداتهم في عقد القران بين الأزواج.

وقد دون سحنون فقه المذهب المالكي في كتاب "المدونة"، وحفظه وفسّره واجتهد فيه حتى أصبح مرجعاً رئيسياً للقضاة والمجتهدين في الفقه المالكي.

ورسخ في العقود أن للمرأة الكلمة العليا في قرانها، وأنه لا زواج عليها إلا برضاها وإلا فمصير القران الطلاق وقد دوّن ذلك في هوامش مدونته المالكية.

وأضفى ذلك نوعاً من الالتزام على عادات الزواج في القيروان وبقية المغرب العربي نظراً إلى ارتباط المنطقة بالقيروان في المذهب والمعاملات.

وأثر ذلك في عادات الزواج والميراث إلى اليوم، فقد ألغت مجلة الأحوال التونسية الطلاق الشفهي والزواج الثاني وهما جنايتان موجبتان السجن حسب الفصلين 18 و30 من مجلة الأحوال الشخصية، كما استوحت المجلة بعض أحكام الميراث من عادات نساء القيروان وهي حق توريث المرأةِ المرأةَ من نسلها (الأم لابنتها أو العكس في الفصل 90) وهذا ما مكن النساء في تونس اليوم من تكوين ثروات خاصة بهن.

التلازم بين الازدهار والتطور وحقوق المرأة

عرفت الحقبة الممتدة بين القرنين الثاني والرابع للهجرة ازدهاراً كبيراً لزوايا المعرفة ومساجدها وبيوتها في القيروان، والتي كانت عامرة بالكتب والمترجمين والمتكلمين والرياضيين والفقهاء كابن الجزار وابن شرف وابن رشيق وأسد بن الفرات.

وقد أنشئت في القيروان المكتبات العامة والمكتبات الملحقة بالجوامع والمدارس وكانت مفتوحة للدارسين وتضم نفائس أمهات الكتب. ومن أشهر مكتبات القيروان "بيت الحكمة" الذي أنشأه إبراهيم الثاني الأغلبي في رقادة بالقيروان محاكاة لبيت الحكمة الذي أسسه هارون الرشيد في بغداد، حيث كان هذا البيت نواة لمدرسة الطب القيروانية التي أثرت في الحركة العلمية في المغرب لزمن طويل.

وقد استقدم إبراهيم بن أحمد الأغلبي أعداداً كبيرة من علماء الفلك والطب والنبات والهندسة والرياضيات من المشرق والمغرب وزوده بالآلات الفلكية.

كان هذا السياق العلمي والفقهي المتطور هو السياق الذي رسّخ عادة أهل القيروان في الزواج وعقد القران وإيلاء المرأة القيمة الأقوم والأصوب في قرار أمور الرضا والتفاهم بين الزوجين.

ويلاحظ أن حقب الازدهار والانتعاش في الحضارات غالباً ما تقرن بإعطاء الحقوق وإعلاء شأن الإنسان وإحقاق قيمته الفعلية.

وهذا ما حدث في القيروان في ما يتعلق بالمرأة ولا يمكن أن ننسى أيضاً ما حدث في العراق (بغداد) أيام الخليفة المأمون وما وصلت إليه بلاد الرافدين من تطور وإعلاء للعقل والعلم، وفضل ذلك يعود إلى المعتزلة.

 

سيف الدين العامري

صحافي وباحث في أنثروبولوجيا السياسة بالجامعة الإيطالية. متخصص في الأزمات الإنسانية بحوض البحر الأبيض المتوسط. عمل في القسم الفكري لصحيفة العرب اللندنية ومراسلاً لعدد من وسائل الإعلام من بينها موقع Orientxxi فرنسي/عربي، وصحيفة الأخبار اللبنانية.

كلمات مفتاحية
المرأة تونس

التعليقات

المقال التالي