ابنتي الوحيدة، 10 سنوات، معجبة... كيف نتعامل مع حب أولادنا الأول؟

ابنتي الوحيدة، 10 سنوات، معجبة... كيف نتعامل مع حب أولادنا الأول؟

دائماً نعجز عن التصرف الصحيح أمام الحب، تلك العاطفة الغامضة التي تأسر قلوبنا فتفعل فيها ما تشاء. تلك العاطفة التي تظل لغزاً يستحيل حله... لماذا نحب؟ وكيف نحب؟ هذا ما نعاني منه نحن الكبار، البالغين، فما بالكم بالأطفال، أطفالنا الذين يختبرون هذه العاطفة لأول مرة.

كيف نرشدهم إلى الطرق الصحيحة؟ كيف نتعامل معهم ومع من أحبوا؟

ماذا أفعل يا بابا؟

يقول عبد الحميد المصري، الموظف في القطاع العام: "بيني وبين ابنتي الوحيدة نسمة، 10 سنوات، صداقة قوية".

اعتادت نسمة أن تحكي لوالدها كل شيء. ذات مرة وجدها مترددة وكأنها تريد أن تخبره بأمر عظيم، فسألها: ما بكِ؟ لتعلن أنها معجبة بزميل لها اسمه أدهم. يقول المصري: "ارتبكت بالطبع. غير أنني حاولت أن أبدو متماسكاً لأعرف المزيد".

via GIPHY

ويوضح: "أدهم زميلها في الفصل، وهي لا تزال في الصف الرابع الابتدائي. فكيف تشعر أنها معجبة به؟".

تجيب نسمة على تساؤل الأب بأنها حين تراه تشعر بالسعادة. وتضيف: "أشعر بداخلي أن هناك إحساساً ما أعجز عن وصفه، وقد حاولت في (البريك) أن أتحدث إليه ولكنني خجلت. ماذا أفعل يا بابا؟".

أشار عليها عبد الحميد بأن تجلب له وردة هدية تعبيراً عن إعجابها به، ولكن الأم تدخلت وأعلنت أن هذا التصرف غير مسؤول.

وأوضحت الأم أنه أولاً لا يجوز أن تقدم ابنتها نفسها بتلك الطريقة. ثانياً، البنت لا تزال صغيرة، ولا ينبغي أن نفتح عينيها على مثل هذا الكلام العيب. ثالثًا، ماذا عن ردة فعله؟ كيف سينظر إليها؟ ربما أخذ الموضوع باستهانة وتسبب في إيذاء مشاعرها.

وينهي المصري: "هنا وقعت في الحيرة. ولم أعد أعرف ما يتوجب عليّ فعله".

أقوال جاهزة

شارك غردأمر طبيعي جداً أن تنجذب الطفلة في مثل هذا العمر إلى زميلها أو العكس، وهو أمر صحي أيضاً

شارك غردأي عنف قد يضع مجرد الإعجاب بشخص ما في دائرة العيب أو الخطأ، مما يشكل خطورة في تكوين العلاقات بالمستقبل

عاوز أتجوز أختي!

دعاء عبد الفضيل محمد أم لثلاثة أطفال، هالة 10 سنوات، تميم 7 سنوات، ورودينا 5 سنوات، تقول لرصيف22: "تعلق تميم بأخته الصغيرة رودينا منذ أن جاءت للدنيا، لم يفعل مثلما يفعل الإخوة عادةً حين يأتي مولود جديد، بالعكس انشغل بها جداً واهتم برعايتها".

في البداية فرحت الأم بتلك العلاقة، وبالانسجام بين الأخ وأخته، ولكن مع الوقت بدأت مشاعره تتغير.

via GIPHY

تشكو عبد الفضيل: "كان يقول مازحاً (عاوز أبوسها من فمها) صُعقت من رغبته تلك، وخفت أن يفعلها في غيابنا، زجرته وهددته". ولكن التهديد زاد من إصراره، وكان لا بد من تدخل الأب.

تضيف محمد: "حكيت ما حدث لزوجي، فأخذ تميم ودخل به إلى الغرفة، وبعد ساعة تقريبًا خرج مُحبطاً". حاول الأب أن يستشف ما يفكر فيه الولد من دون عنف. بينه وبين والده علاقة سطحية جداً بسبب تغيب الأب الطبيب الدائم في العمل.

توضح محمد: "صرح تميم لوالده أنه يرغب بشدة أن يتزوج أخته عندما يكبر، وأنه لن يتزوج مطلقًا فتاة غيرها". حاولت أن تفهمه أن هذا لا يجوز وشرحت بقدر الإمكان الأسباب، ومنها التحريم وغضب الرب. لكن الصبي لم يقتنع وظل يحاصرها بالأسئلة حتى عجزت عن الإجابة. "فماذا أفعل معه؟"، تتساءل دعاء.

أوديب العصر

تقول هبة سالم أحمد مُدرّسة رسم في مدرسة خاصة، لرصيف22: "كثيراً ما يتعلق التلاميذ بالمُدرسات، هن، من وجهة نظرهم الطفولية، خارقات يعرفن كل شيء".

وغالباً يعبّر الصغار عن مشاعرهم بالرسوم، ولكن رسوم أمجد صالح كان لها وقع خاص.

تشرح سالم: "أمجد صالح تلميذ كان شديد الشغف بي، وأنا أيضاً كنتُ معجبة جداً بلوحاته، وبتطور الموهبة والرغبة، كان يرسم من أجلي، ولا يرسم لغيري".

via GIPHY

لم تكن هبة تعرف أن اهتمامها الزائد بالتلميذ الموهوب سيأسر قلبه الصغير.

تقول: "ظل لست سنوات متتالية الطالب المفضل لديّ، حتى انتقل إلى الصف الأول الإعدادي، ولم يعد ضمن طلابي".

وفي يوم حضر ولي أمره وأخبرها أن أمجد في حالة سيئة جداً، يرفض الذهاب إلى المدرسة والخروج من البيت، وممتنع عن تناول الطعام.

تضيف سالم: "قررت أن أزوره في البيت وكان في حالة عجيبة فعلاً، كان مهموماً وحزيناً وشاحباً، كمن فقد روحه".

زيارة معلمته أخرجته من تلك الحالة البائسة، وكانت دافعاً له ليستكمل حياته، يعود لدراسته ويتنزة ويأكل، ولكن بشرط أن تزوره في أوقات الإجازة.

توضح سالم: "كنت مترددة: إذا استمررت في زيارته فسيتعلق بي أكثر وإن انقعطت عنه فربما دمر نفسه... فأي الخيارين أفضل له؟".

علم النفس يجيب على تساؤلاتكم

يشير إبراهيم حسن الصوفي، أخصائي علم النفس التربوي، بأن الإعجاب نواة الحب، هو البذرة التي تبدأ في النمو حين يخرج الطفل/ة من محيط الأسرة الضيق، ويبدأ بالتعرف إلى الآخر.

يقول الصوفي لرصيف22: "لكن ما يجعل الطفل/ة ينجذب إلى شخص بعينه هو هرمون أوكسايتوسين المسؤول عن العاطفة والثقة، وهذا الهرمون يتم فرزه في فترة الرضاعة، فمن المتعارف عليه أن الحب عملية كيميائية في المقام الأول".

نسمة

ويعلق حسن على حالة نسمة المصري: "أمر طبيعي جداً أن تنجذب الطفلة في مثل هذا العمر إلى زميلها أو العكس، وهو أمر صحي أيضاً، يدل على أن العاطفة تتجه إلى المؤشر الصحيح".

يشيد الصوفي بفعل الأب ويراه الأنسب.

ويوضح: "من الرائع أن تكونوا أصدقاء لأطفالكم، الطفل يثق في الصديق أكثر، ربما لذلك لجأت نسمة إلى والدها رغم أن الفطرة تدفعها إلى الأم، لعلها كانت تعلم ردة فعلها". وهو يرى أن ردة فعل الأم مبالغ فيها.

ويضيف: "يجب أن لا نخشى على الأطفال بتلك الطريقة، خصوصاً أنها التجربة الأولى، وأي عنف قد يضع مجرد الإعجاب بشخص ما في دائرة العيب أو الخطأ، مما يشكل خطورة في تكوين العلاقات بالمستقبل".

تميم

وعن حالة الطفل تميم، يوضح الصوفي أن الطفل لا يعرف كيف يحدد مشاعره، هو يحب أخته بلا شك. غير أنه يظن أن الحب لا بد أن ينتهي بالزواج، هذا ما يراه في وسائل الإعلام.

ويقول للأم: "لا يمكن أن نُدخل أطفالنا في دائرة الحلال والحرام، وهم في مثل هذا العمر، كان يجب أن تتفهم حبه لأخته وتوضح له الفرق بين محبة الأهل والأصدقاء والحب العاطفي".

ويعتبر أن غياب الأب عن المنزل والطريقة الخاطئة التي تتعامل بها الأم قد يسببان مشاكل كثيرة للطفل، فالتربية السليمة تأتي دوماً من أم متفهمة وأب يهتم بأطفاله مهما كانت مشاغله.

أمجد

أما عن الطفل أمجد، فيعلق الصوفي: "الأمر يشبه إلى حد ما عقدة أوديب الذي تعلق بأمه. كثيراً ما يتعلق الذكر بأمه أو المربية أو المُدرسة".

ويرد الصوفي على تساؤل هبة: "لا بد أن تستمر في زيارته، ولكن كصديقة، يجب أن يدرك الطفل، خصوصاً أنه مُقبل على فترة المراهقة، أن هناك ما يُسمى الصداقة بين الجنسين".

فمفهوم الصداقة بين الجنسين يجب أن يُزرع في مرحلة عمرية متقدمة، لأنها تحمي الطفل في المستقبل من التعامل الخاطئ مع الجنس الآخر. كما أن هذه الصداقة ستثري موهبة الطفل وتدعمه.

ويضيف الصوفي: "لكن في الحالات الأخرى كتعلق الطفل بالمربية مثلاً، سيذوب هذا التعلق مع الوقت ولا خوف منه". وفي النهاية يؤكد الصوفي أن لا أحساس يضاهي الحب.

ويختم: "لا أريد أن أختم بكلام مرسل كالحب أعظم ما في الوجود وما إلى ذلك. غير أنها الحقيقة، ليس هناك أعظم من الحب وإن اختلفت صوره، فحافظوا على الحب ونمّوه في قلوب أطفالكم، لأن القلوب العامرة بالحب لا تعرف غير السعادة والخير".

عمرو عاشور

روائي وصحافي مصري، صدر له ثلاث روايات وحصل على عدة جوائز أدبية منها جائزة ساويرس للرواية، يكتب للحياة اللندنية وجريدة المقال.

كلمات مفتاحية
الحب الأول تربية

التعليقات

المقال التالي