العادة السرية... أجسادنا تحت المجهر

العادة السرية... أجسادنا تحت المجهر

لحظة التعرّف على الجسد هي لحظة مدفوعة بالفضول وحب الاستكشاف والحميمية. أما ما قد تؤول إليه تلك اللحظة فهو مختلف من شخص لآخر، ومن تجربة لأخرى.

فمنّا مَن استكشفوا أجسامهم بالنظر إليها في المرايا، ومنّا من استكشفوها باللمس أو بمشاركة آخرين.

في لحظات الاستكشاف الأولى لأجسامنا في الطفولة، تبدأ علاقة مُركبة تربطنا بتلك الأجسام. فمثلًا هناك أشخاص استبدلوا أثداء أمهاتهم بأصابعهم أثناء فترة الرضاعة. وارتبطت هذه الأصابع في أذهانهم بالهدوء، والشبع وكثيراً ما ارتبطت بمحاولات النوم.

قد يتدخل أشخاص بيننا وبين هذه العلاقات مع أجسامنا، فتُصبح مُربكة. كأن تُعاقب الأسرة طفلها على رضاعة أصابعه بعد الفطام، فيستبدل الطفل شعور الأمان بمشاعر أخرى كالذنب أو الخوف.

العادة السرية: بين سلطة الأسرة وسلطة الدولة

ويزداد الارتباك كلما صنّفت الأسرة هذا الاستكشاف بأنه "خطر" على الطفل، كأن يكتشف أدوات عن طريق التذوق، أو إدخال أخرى في أذنيه وأنفه، أو يبدأ في استكشاف أعضائه الجنسية.

هذه اللحظة بالذات دون غيرها حساسة للغاية.

فتوبيخ الطفل قد يُثير فضوله لاستكشاف هذا العضو بالأخص. ويطوّر المنع شعوراً بالخصوصية ويخلق صراعاً بين شعور الطفل بملكية جسمه وبين وجود الأسرة كرقيب على هذه الملكية. فيلجأ إلى استكشاف أعضائه الجنسية في الخفاء.

من هنا تنشأ علاقة "سرية" بين الطفل وجسمه يتخللها شعور بالذنب والاختلاس. ورغم هذه المشاعر، يُمكننا اعتبار الطفل في هذه الحال طرفاً فاعلاً مع السلطة التي تسعى لفرض نفسها عليه.

في كتابه «تاريخ الجنسانية» يضع «ميشيل فوكو» هذه العلاقة بين الأسرة -كسلطة- وبين الطفل -كحقل لممارسة هذه السلطة- في إطار علاقات القوة التي تفرض نمطاً اجتماعياً لجنسانية الأشخاص منذ الطفولة، وتمنعهم من ممارسة أي شكل آخر لجنسانياتهم أو التعبير عنها بأساليب معينة كالوصم والعقاب.

أما علاقات القوة نفسها فهي مُتبادلة بين السلطة التي تعطيها مؤسسات الدولة للأسرة على الأطفال، وبين ما تمنحه الأسرة للدولة في المقابل من مواطنين لا يهددون النظام الاجتماعي الذي تعتمد عليه هذه المؤسسات. القانون، والطب، والتعليم، والمؤسسات الدينية هي أمثلة واضحة لتلك المؤسسات. والنظام الاجتماعي هنا هو العلاقات الجنسية الغيرية كنمط وحيد للعلاقات الجنسية والانتاج الاجتماعي.

هذه ليست قاعدة بالطبع. فهناك أفراد طوّروا علاقة حميمية بأجسامهم دون تدخل الأسرة. وآخرون طوروا هذه العلاقات في مرحلة المراهقة وربما في حالات أخرى بعد دخولهم علاقات جنسية.

أقوال جاهزة

شارك غردالجنس الفردي والجنس مع آخرين: "دي حاجة ودي حاجة"... عن لحظات اكتشاف الجسد وامتاعه

شارك غردالعادة السرية... كيف يتحكم الدين وتسيطر السلطة على علاقتنا بأجسادنا ولحظات الامتاع الذاتي؟

شارك غردفي لحظات الاستكشاف الأولى لأجسامنا في الطفولة، تبدأ علاقتنا المُركبة بها وتصبح مربكة حين يتدخل الأهل

مخاوف وأوهام

تقول سمر فريد من محافظة القاهرة: "أول تجربة لي مع الإمتاع الذاتي كانت مع صديقتي. همست لي بأن هناك جزءاً في المهبل اسمه البظر إن حركناه شعرنا بمتعة ولكنه حرام. كنتُ مُتدينة، ودائماً ما تأتيني خيالات جنسية أحاول الهروب منها. ذات مرة دخلت الحمام لأجرّب وشعرت بأني مستمتعة، فواظبت عليها قبل نومي أحياناً وفور استيقاظي أو كلما سنحت الفرصة. لكني كل مرة كنت أشعر بالذنب، بالأخص إن مارستها في نهار رمضان. وفي المرحلة الجامعية، بدأت أتصالح مع الفكرة. وأكثر راحة مع جسمي".

سمر ليست الوحيدة التي عانت من الإحساس بالذنب بسبب ممارستها الإمتاع الذاتي أو الجنس الفردي، فالأقاويل كثيرة عن كونها حراماً أو لها مخاطر طبية كالعقم والتسبب بسرعة القذف، أو حتى فض غشاء البكارة.

في سياق متصل، نشرت الصفحة الرسمية لـ «دار الإفتاء المصرية» على فيسبوك في ديسمبر 2012 فتوى بعنوان: "حكم العادة السرية للرجل والمرأة". حرّمت فيها الإمتاع الذاتي وأوجبت الغُسل والتطهر من الإنزال (الأورجازم)، وأوصت بالتوبة والامتناع عن إثارة الشهوات وغض البصر.

أما نص الفتوى نفسه فكان جدلياً بعض الشيء، إذ أفاد بأن العادة السرية تعتبر تجرؤاً واستخفافاً بـ"الله" الذي يكون حاضراً مع المرء حتى في أكثر أوقاته حميمية، ولا بد من احترام وجوده بعدم مُداعبة الأعضاء الجنسية.

هذه الفتاوى في مصر وغيرها من البلدان العربية لا تقتصر على الإنترنت.

يقول ع.ف وهو شاب مصري ثلاثيني فضل عدم ذكر اسمه كاملاً: "كنا دائماً نسمع في خطبة الجمعة عن ضرورة إمساك رغباتنا الجنسية كشباب واستبدالها بالصبر والصلاة أو الرياضة. وكانوا أحياناً يتعللون بأنها تسبب العقم بسبب ضياع كم كبير من الحيوانات المنوية هباءً أو تُسبب سرعة القذف. حاولت العزوف عنها فترة لكن في كل مرة أعود لأمارسها بشراهة بعد انقطاع، وكل مرة أشعر بذنب حتى أنني بكيت أحياناً، ولم أتوقف حتى اليوم".

تقول ر.ك، وهي شابة مصرية عشرينية: "بخاف أوي أدخل إيدي جوّة علشان أنا لسه فيرجن. بس في مرة جرحت نفسي بضوافري وبعدها حلفت معملهاش تاني أو أخلي بالي ومدخلش إيدي خالص. ومرة ماما دخلت عليا وقعدت تزعق لي وتقولي انتي قليلة الأدب".

الجنس الفردي والجنس مع آخرين: "دي حاجة ودي حاجة"

غالباً ما تتم الإشارة للإمتاع الذاتي كبديل عن ممارسة الجنس، وقلّما جرت الإشارة له كاختيار في حد ذاته وليس اضطراراً أو نتيجة لعدم إتاحة ممارسة الجنس مع آخرين. لذلك، سألنا مجموعة أشخاص عن الفرق بين الإمتاع الذاتي والجنس التشاركي، فتنوّعت الاجابات.

تقول شيماء: "بتختلف طبعاً. لما تمارسي الجنس مع نفسك بتبقي عارفة كويس إيه النقط اللي عاوزة تلمسيها دلوقتي ودا مثير. أما الجنس مع ناس تانية فاهو له متعته برضو. يعني مثلاً الأورجازم اللي بوصله وانا لوحدي مش زي الأورجازم اللي بوصله وانا معايا حد. قصدي الاحساس نفسه والرعشة. فمفيش مقارنة".

أما محمود فواجه صعوبة نسبية في الجمع بين الأمرين. يقول: "الرجالة وضعهم مختلف يعني لو أنا سيبت شريكتي وضربت عشرة ممكن تزعل مني. وكمان بحس ان دة حاجة ممكن اعملها في اي وقت وهي مش معايا وبحاول استغل الوقت اللي بنتقابل فيه اننا نعمل حاجة مشتركة."

وتقول هاجر: "أنا مكنش عندي فرصة اكتشف جسمي قبل الجواز. وكنت بتكسف جدا ألمس نفسي. وبعد كام سنة جواز بدأت اكون جريئة بس برضو مبحسش اني مبسوطة اوي الا لو حصل اتصال جنسي."

فانتازيا أم تشييء جنسي؟

أما صنّاع الأفلام الإباحية فيستخدمون الجنس الفردي بطريقة مختلفة لكل من الرجال والنساء. يُمكننا مُلاحظة أن أغلب المحتوى الإباحي على الإنترنت والخاص بالجنس الفردي تكون بطلاته من النساء، أما المحتوى الخاص بالرجال فهو قليل. ويُمكننا كذلك إرجاع هذه الملاحظة إلى علاقة الجنس الفردي بمفاهيم الرجولة.

فدون الوقوع في تعميم المفهوم، ترتبط الرجولية في سياقات عدة، منها سياقنا العربي بممارسة الجنس والأداء الجنسي إلى حد كبير.

عشرات وسبعات

يُطلق أيضاً على الإمتاع الذاتي أو ما يُعرف بـ"العادة السرية" مصطلحات دلالية ذات تصنيف جندري.

"عشرة" هو الوصف الرجولي الذي يُناسب وضع القضيب في كلتا اليدين وتحريك العشر أصابع للوصول إلى النشوة. ويُقال "اضرب عشرة" كناية عن سرعة حركة الأصابع. أما "سبعة ونص" فهو الوصف النسائي للفعل نفسه وفيه تُستخدم إصبعان هما السبابة والوسطى، في وضع رقم سبعة شبيه علامة النصر، لمُداعبة البظر. أما "النص" فهو كناية عن وضع الأصابع في منتصف البظر أثناء المُداعبة، فكانت "سبعة ونص".

هناك فجوة جندرية في التعبير اللغوي عن "العادة السرية" بين الرجال والنساء. فأغلب المصطلحات الدالة على تلك العادة باللغة العربية مثل: استمناء، تُشير إلى مَني الرجال، ولا وجود للنساء.

كما يُشاع استخدام مصطلح "اضرب عشرة" بين الرجال، ولا يُشاع استخدام "سبعة ونص" بين النساء بالقدر نفسه.

لا يُمكننا إغفال أن المساحة المتاحة للتعبير عن جنسانية النساء صغيرة، إن قورنت بتلك الممنوحة للرجال. وتُرسي مفاهيم مغلوطة عن الجنسانية كأن تُصرّح الطبيبة هبة قطبوغيرها أن الشهوة الجنسية للرجال تفوق شهوة النساء، في محاولة لتحجيم كل ما خصَّ أجسام النساء، وفقًا للنظام الاجتماعي والسياق المحلي.

في الختام، فإن الجنس الفردي موضوع يُمكن مناقشته من عدة زوايا، حاولنا إدماج بعضها ببعض والخروج بها من التيار السائد الذي يعتبرها إثماً، ويُشيطن ممارسيها. والآن نترك لكم المساحة لتُبادلونا وجهات نظركم في التعليقات.

غدير أحمد

- ناشطة نسوية مصرية، وباحثة متخصصة في دراسات المرأة والنوع الاجتماعي.

كلمات مفتاحية
الثقافة الجنسية

التعليقات

المقال التالي