العقوبات المصرية... مجرد الشك بإخلاص الزوجة قد يبرر قتلها

العقوبات المصرية... مجرد الشك بإخلاص الزوجة قد يبرر قتلها

ارتفع ضجيج الشجار بين الزوج أحمد حسن (اسم مستعار) وزوجته نهال حمدان (اسم مستعار)، في محافظة أسيوط، جنوب مصر، بسبب انتشار إشاعات داخل البلدة عن وجود علاقة جنسية بين نهال وأحد الجيران الذي يتردد دائماً على مسكن الزوجية أثناء غياب الزوج.

أيام قليلة وعادت الأمور إلى طبيعتها، لكن حسن استمر يراقب تحركات زوجته.

بعد عام ونصف العام، تظاهر حسن بسفره إلى القاهرة، واختبأ في أحد الأماكن خارج البلدة، وبعد فترة توجه إلى منزله فشاهد زوجته في أحضان شخص آخر. دقائق مرت، سمع الجيران خلالها صراخاً، بعد ذلك بلحظات خيم الصمت على المكان، حينذاك لفظت نهال أنفاسها الأخيرة، وصدر الحكم على حسن بالسجن سنة واحدة فقط.

هذه تفاصيل القضية رقم 1345 لسنة 2007، وقد حصل عليها رصيف22 من المحامية جواهر الطاهر في مركز قضايا المرأة.

ما الذي كان سيحصل لو أن الزوجة هي التي قتلت زوجها لخيانته؟ هل كانت ستُحبس سنة واحدة فقط؟

يتفهم القانون المصري قتل الرجل لزوجته أوشقيقته أو ابنته بدافع الشرف، لكنه لا يضع هامشاً مشابهاً للمرأة، وكأنها لا يحق لها الدفاع عن عرضها.

كما أن هناك مواد عدة في قانون العقوبات تميز بين الرجل والمرأة في العقاب، منها ممارسة الجنس (الدعارة) أوالقتل. ولكل منهما معاملة مختلفة، على رغم أن الفعل واحد أو أنهما شريكان في الجريمة.

جرائم الشرف...

إذا قتل الرجل زوجته في دول عربية وإسلامية كثيرة لمجرد شكه في سلوكها أو ضبطها في علاقة جنسية مع رجل آخر وقتلها، فإنه قد ينال حكماً مخففاً ويخرج من السجن بعد عام أو أقل وذلك تحت مسمى "جرائم الشرف"، تقول رباب عبده، نائب مدير رئيس الجمعية المصرية لمساعدة الأحداث وحقوق الإنسان.

جرائم الشرف لا تقتصر على الزوج، فإذا قتل الأب أو الأخ فتاة تزوجت بشكل رسمي وشرعي من دون موافقة العائلة، فسينال عقوبة مخففة. وبحسب حوادث رصدها مركز قضايا المرأة، لا يحاسب الرجل الذي قتل زوجته بعدما شك في سلوكها.مصر

وتضيف عبده: "هناك إشكالية كبيرة تقابل العاملين في جرائم الشرف فعندما يقتل زوج زوجته، يحاكم بجريمة القتل الخطأ، بينما في منظور الحكم يكتب قتل مع سبق الإصرار والترصد".

قوانين تمييزية... المخفف للرجل والمشدد للمرأة

للتمييز ضد المرأة في القوانين أشكال كثيرة، ولا يتوقف على جرائم الشرف. على رغم أن عقوبة الزنى في الإسلام واحدة للرجل والمرأة، إلا أن المشرّع في مصر فرّق بينهما في العقاب.

تقول جواهر الطاهر، المحامية والمسؤولة عن برنامج الوصول إلى العدالة في مؤسسة قضايا المرأة المصرية: "لا توجد مساواة في بعض القوانين بين الرجل والمرأة، سواء في العقوبات أو قانون الأحوال الشخصية. والتمييز الأبرز يكمن في عقوبة الزنى بين الرجل والمرأة. تعاقب المرأة بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين وفقاً للمادة 274 التي تنص على أن "المرأة المتزوجة التي ثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين".

وتضيف لرصيف22: "بينما يعاقب الزوج إذا ارتكب الزنى بالحبس مدة لا تزيد عن 6 أشهر، وفقاً للمادة (277) وأن كل زوج يزني في منزل الزوجية ويثبت عليه، يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن ستة شهور".

التمييز هنا لم يقتصر على مدة الحبس فقط، بل على مكان ارتكاب العلاقة الجنسية.

"إذا أقام الرجل علاقة جنسية في أي مكان خارج منزل الزوجية لن يعاقب بالزنى، أما الزوجة فتعتبر زانية في أي مكان إذا أقامت علاقة جنسية"، قالت الطاهر، وتابعت: "القوانين تعفي الرجل من العقاب بينما تضاعفه على المرأة".

وتضيف المحامية في مركز قضايا المرأة، أن القانون أعطى الزوج حق وقف تنفيذ العقوبة الصادرة ضد زوجته الزانية، في أي وقت خلال المحاكمة أو خلال تنفيذها الحكم وذلك وفقاً للمادة (274) بينما لم يمنح زوجة الزاني هذا الحق.

وفقاً لدراسة أعدها المركز القومي للبحوث الاجتماعية في 2016، فإن 70% من هذه الجرائم ارتكبها الأزواج ضد زوجاتهم، و20% ارتكبها الأشقاء ضد شقيقاتهم، بينما ارتكب الآباء 7% فقط من هذه الجرائم ضد بناتهم، وجاءت نسبة الـ3% الباقية من جرائم الشرف ارتكبها الأبناء ضد أمهاتهم.

وفي دراسة قديمة أُصدرت عام 2006 عنوانها "منظور إحصائي لجرائم الشرف" لمركز قضايا المرأة، فإن نسبة 79% كانت بسبب الشك في السلوك، و9% بسبب اكتشاف الخيانة، و6% لمنع الاعتراف بعلاقة غير جنسية.

إشاعة تقتل

لم تكن "نهال" الوحيدة التي قُتلت وحصل قاتلها على أقل عقوبة بدعوى "الحفاظ على شرفه".

ففي عام 2000، سافر شعبان عبدالله (اسم مستعار) إلى السعودية للعمل، وكان يعود كل 6 أشهر لقضاء الإجازة في قريته بمركز البدارى، في محافظة أسيوط، وفي شتاء 2007 أثناء إجازته، سمع إشاعة يتداولها أهل البلد عن أن زوجته اعتادت الخروج من المنزل من دون إذنه.

انتشرت الإشاعات في البلدة عن وجود علاقة آثمة وغير مشروعة بين زوجته وأحد الجيران. توجه شعبان على الفور إلى مسكنه، وما إن شاهدها حتى أطلق عليها أعيرة نارية عدة من سلاحه الناري فأرداها في الحال. واعترف شعبان بارتكابه الجريمة دفاعاً عن الشرف.

واستخدمت المحكمة المادة 17 لتخفيف الحكم في القضية رقم 1149 لعام 2007 بمعاقبته بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات ومصادرة السلاح المضبوط.

تقول الطاهر: "لا يتضمن القانون مواد تنص بالتحديد على ما يسمى جرائم الشرف، لكنها عرفت إعلامياً بهذا الاسم، إلا أن المادة 17 من قانون العقوبات المصري تمنح القضاة السلطة التقديرية لتخفيف الحكم الأصلي بدرجتين أدنى من العقوبة المنصوص عليها في القانون بدافع الرأفة، وفي العادة تستخدم هذه المادة في جرائم الشرف لتخفيف العقوبة عن قاتل الزوجة أو الأخت أو الابنة".

بينما تطبق المادة 17 على جرائم عدة من دون تمييز إلا قضايا الإرهاب والمخدرات، فكثيراً ما يلجأ القضاة إلى النظر في الظروف الواقعة عند الحكم في جرائم الشرف، مثل وقوع المتهم تحت ضغوط نفسية، أو أن الضحية قد انتهكت الأعراف الاجتماعية السائدة، أو أن المتهم قد محا العار الذي سببته الضحية لأسرتها.

المبررات السالف ذكرها لا تستخدم في جرائم قتل المرأة زوجها، ولكن تستخدم ضدها، إذا قامت هي بالفعل نفسه بكل أركانه.

من حين إلى آخر، تطالب منظمات المجتمع المدني بتعديل بعض قوانين العقوبات، المعروفة إعلامياً بـ "قوانين التمييز ضد المرأة". ربما أخفها ضرراً عليها ما تتعرض له عند تطبيق هذا القانون، فهي تعد فاحشة، وتقتل بدعوى الشرف.

أقوال جاهزة

شارك غردالقوانين التمييزية في مصر... المخفف للرجل والمشدد للمرأة

شارك غردإذا أقام الرجل بعلاقة جنسية خارج منزل الزوجية لن يعاقب بالزنى، أما الزوجة فتعتبر زانية في أي مكان

التمييز لستر علاقات مخفية

قال المستشار صبري غلاب رئيس محكمة جنايات الزقازيق، أن المشرّع فرّق بين الزوج والزوجة في عقوبة الزنى، بحجة أن الزوج قد يكون متزوجاً بأخرى أو أكثر من دون علم الزوجة الأولى، ومن الممكن أن تضبطه برفقتها في شقة وتقتله بدافع الزنى ثم يتبين بعد التحقق من الواقعة، أنه لا يزني وأن المرأة زوجته.

وأوضح لرصيف22، أن القاضي يعطي الزوج حق الغضب وعذر الاستفزاز والثورة الناتجة من رؤية زوجته في أحضان رجل آخر إذا قتلهما، ووجب عليه النزول بالعقوبة درجة أو درجتين.

أين الخلل؟

عزة سليمان المحامية والناشطة الحقوقية، تعتبر أن القوانين في حاجة إلى تطوير ومراجعة لأنها تعكس رؤية المشرّع في التعامل مع المواطنين. مضيفة: "هذا يدل على تدهور هذه الرؤية".

تضيف خلال لقائها برصيف22، أن الخلل موجود في القوانين التي لا تساوي بين الرجل والمرأة، منظمات عدة قدمت مقترحات قوانين لإزالة التمييز، إلا أن الدولة ليست لديها رغبة في تعديل هذه القوانين بوجه عام.

"إضافة إلى التطبيق من جانب القضاة في ظل استخدام المادة 17، وعدم تحجيم السلطة التقديرية للقاضي في جرائم الشرف، وتخفيف العقوبة عن قاتل امرأة وتركه، كلها خارجة عن القانون"، قالت سليمان.

وأوضحت أن مجلس النواب الحالي لا يأخذ اقتراحات تعديل قوانين من جمعيات مجتمع مدني، واحتكار الحق لأعضاء المجلس، لذا "نبحث عن أعضاء تتوافق أفكارهم مع أفكارنا لنتعاون في تقديمها من خلالهم".

فيما رأت عبده أن الخلل من البداية نتيجة الموروثات والعادات والتقاليد المغلوطة وتفسير الأحكام الدينية بصورة خاطئة، إذا صححنا العادات والتقاليد فسنعزز مبدأ المواطنة، ومن ثم تغيير القوانين سيكون سهلاً.

قوانين التمييز تنتظر التعديل من مفوضية عدم التمييز

اعتبرت منى منير عضو البرلمان المصري، أن القوانين التمييزية، من أول المشاريع المقترح تعديلها بعد موافقة البرلمان على مشروع قانون مفوضية عدم التمييز المعني بتحقيق المساواة بين المواطنين في الحقوق والحريات والواجبات العامة وعدم التمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو الإعاقة أو المستوى الاجتماعي أو الانتماء السياسي أو الجغرافي أو أي سبب آخر.

وأردفت منير خلال حديثها إلى رصيف22، أن: "من نتائج عدم المساواة في العقاب، إعطاء الزوج أو الأب أو الأخ مبرراً لقتل المرأة بدعوى حماية شرفه".

تتابع منير: "على سبيل المثل لا الحصر، إذا قتل الرجل زوجته لشكه في سلوكها واعترف بذلك أمام المحكمة فسيخرج بعد سنة أو سنتين من السجن، بينما لو اكتشفت المرأة خيانة زوجها وامتلكت دليلاً عليها فستحصل على أقصى عقوبة، وهو أمر غير منطقي يساعد على هدم الأسرة".

الاعتراف على المرأة مقابل رفع العقوبة

إضافة إلى قوانين القتل، سنجد المادة 9 (ج) من القانون الرقم 10 لعام 1961 التي تنص على "معاقبة أي شخص، بغض النظر عن الجنس، يمارس الدعارة أو الفسق" ربما النص لا توجد فيه تفرقة، لكن كثيراً ما تتعرض النساء لمعاملة غير متساوية عند التطبيق.

تعد المرأة فاحشة وعادة ما تعاقب على الدعارة بالسجن فترات تتراوح ما بين 3 أشهر و3 سنوات مع إلزامها بدفع غرامة، بينما يظل شريكها من دون عقاب حتى لو اعترف بارتكاب الجريمة، وذلك مقابل إدلائه بالشهادة ضدها في المحكمة.

يقول خالد الغمري محامي جنايات (38 عاماً) لرصيف22، أن قوانين العقوبات ممتلئة بمواد تمييزية بين الرجل المرأة منها الواضح ظاهرياً وبعضها يظهر التمييز عند التطبيق. ويضيف في قضايا ممارسة الجنس على سبيل المثل، تحاسب المرأة على أنها أغوت الرجل، فهي خصصت مكاناً، وحددت مبلغاً نظير العلاقة الجنسية، وعادة لا يحاكم الرجل على أنه فاعل أصلي في الجريمة.

ووصف ذلك بأنه شكل من أشكال التمييز ضد النساء، حيث ينظر إلى المرأة باعتبارها مصدراً للإغواء، وهو ما يبرر معاقبتها مع رفع الذنب والعقوبة عن الرجل إذا شهد ضدها.

نحن في القرن الـ21، ولا تزال دولنا العربية بمعظمها تتمسك بالتفرقة بين الرجل والمرأة في الحقوق والحريات، إضافة إلى عدم المساواة في العقوبة على الفعل نفسه.

 

حصل رصيف22 على نسخ من القضايا التي تم ذكرها في المقال من المحامية جواهر الطاهر خلال رصد مركز قضايا المرأة.

التعليقات

المقال التالي