قطع قماش ممزقة توثّق أسماء معتقلين سوريين بالدم وصلصة الطماطم

قطع قماش ممزقة توثّق أسماء معتقلين سوريين بالدم وصلصة الطماطم

على قطع قماش ممزقة وبواسطة القليل من صلصة الطماطم والكثير من الصبر والدماء، وثّق الناشط الحقوقي السوري منصور العمري أسماء المعتقلين المخفيين قسراً في واحد من سجون النظام في سوريا.

اعتقل العمري في فبراير 2012، وأمضى سنة كاملة متنقلاً بين عدة سجون سورية قبل أن يحط رحاله في أحد فروع المخابرات الجوية بالقرب من مطار المزة العسكري.

قرر العمري حينذاك، مع أربعة من زملائه في الزنزانة، الانطلاق بمشروع صغير، وهو توثيق أسماء السجناء الآخرين وإخفاؤها حتى يحين موعد خروج واحد منهم، فينقل المُسرّح هذه اللوائح إلى عائلات المخفيين قسراً، مثبتاً بذلك وجودهم في سجون النظام.

هدفُ العمري كان نقل معلومات للعائلات عن مصير أولادهم أولاً، والكشف عن ممارسات وانتهاكات النظام السوري ثانياً.

من توثيق أسماء السجناء خلف مكتبه إلى توثيقها خلف قضبان السجن

يوميات السجين السوري لا تشبه غيرها. بكثير من الألم يصف العمري ما قام به مع مجموعة من السجناء، والهدف: الاحتفاظ بدليل مادي على وجود هؤلاء السجناء في سوريا.

يروي العمري في تقرير نشرته "نيويورك تايمز" في شهر مارس الماضي تفاصيل عمليات التوثيق التي قام بها: "لم أتحمّل فكرة سجني، أنا الناشط الذي كان يكتب عن حياة السجناء في دهاليز سجون النظام. كنت أوثق ذلك خلال جلوسي في مكتبي آمناً في وسط دمشق، وها أنا أصبح سجيناً مثلهم".

يقول: "كنت أمام فرصة فريدة. فأنا اعتقلت بسبب عملي في مجال حقوق الإنسان، وجدت نفسي داخل السجن شاهداً على كل ما يحصل، ومن واجبي إذاً توثيق ذلك".

قرر العمري توثيق أسماء ووسائل الاتصال الخاصة بكل السجناء في المهجع، وعندما أخبر بعض زملاء الزنزانة بالفكرة، عرضوا تقديم المساعدة.

يروي "تقاسمنا المهمات. كنا خمسة، ثلاثة منا جمعوا أسماء السجناء، ومن بينهم المعتقل مناف أبازيد الذي اعتقل 27 شهراً بتهمة التدريب على تصوير وتوثيق التظاهرات، ليتم نشرها في الوسائل الإعلامية"، ويضيف: "من بين 5 عملوا على التوثيق، أنا ومناف فقط بقينا على قيد الحياة. عندما خرجت من السجن، بدأت بالتواصل مع عائلات المخفيين قسراً، وأضفت أسماءهم إلى قاعدة البيانات في مركز توثيق الانتهاكات".

أقوال جاهزة

شارك غردمستخدماً عظام الدجاج كأقلام وصلصة الطماطم والدماء كحبر... هكذا وثق معتقل سوري سابق أسماء من كانوا معه

شارك غردقطع قماش صغيرة مهربة تكشف أسماء 82 معتقلاً في سجون النظام في سوريا... 82 عائلة تملك جواباً

دليل ملموس

استطاع العمري مع زملائه توثيق أسماء 82 سجيناً، بإمكانات قليلة جداً.

كانت الأسماء تُكتب على قطع صغيرة من القماش يمزقها العمري وزملاؤه من ملابسهم من دون لفت نظر حراس السجن.

يشرح العمري كيف استخدموا بقايا الطعام، وتحديداً عظام الدجاج، كأقلام، وصلصة الطماطم كحبر للكتابة.

ولكن الصلصة لم تساعد في كثير من الأحيان، ما اضطرهم لاستخدام الدماء النازفة من جروحهم حبراً ممزوجاً ببعض الغبار والتربة من أرض الزنزانة.

لم يكن سهلاً تهريب قطع القماش والحفاظ على مضمونها الثمين في الوقت عينه. خاط العمري القطع الصغيرة بياقة قميص وكميه، واتفق الفريق الصغير على أن يخرج القميص مع أول شخص يُطلق سراحه.

وحين أُطلق سراح العمري، خرج من السجن وبحوزته أرشيف وبيانات كاملة عن عدد كبير من السجناء. يقول: "فعلنا كل شيء بسرية تامة وحرصنا على عدم لفت نظر أي من الحراس، حتى عندما كنا نقترب من سجناء آخرين لطرح الفكرة عليهم، الحذر كان واجباً لإتمام المهمة".

علماً أن قطع القماش التي احتفظ بها الناشط الحقوقي وصلت الى ميريلاند في الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديداً إلى متحف ذكرى الهولوكوست، حيث ستُعرض.

ويبحث القائمون على المعرض عن سُبل تتيح لهم حماية هذه القطع من التلف والرطوبة.

السجن مدرسة كبيرة

بالإضافة إلى قطع القماش، كشف العمري أخيراً عن دفتر صغير جمع فيه ملاحظات كتبها خلال فترة سجنه: على رأس كل صفحة حدد السجين السابق تاريخ اليوم الذي وثّق خلاله الحدث، وتضمنت بعض الصفحات ملاحظات عامة مثل عبارة "الحياة جميلة" باللغة الإيطالية.

يفضل العمري ألا يتصفح الدفتر كثيراً لأن ذلك يوقظ ذكريات سيئة وحزينة، ويشرح أن الكتابة على الدفتر كانت تساعده على تخطي أيامه في السجن، إذ كان يستخدمه ليذكر نفسه بأن الحياة جميلة وتستحق أن نحارب للتمسك بها.

الدفتر القديم الممزق يحتوي أيضاً على بعض دروس اللغة العربية والصحافة والشعر واللغة الإنكليزية، التي كان العمري يعلّمها لسجين آخر مهتم بتوسيع معرفته.

ومثل العديد من السجناء السابقين، يؤكد العمري أن دائرة معرفته اتسعت خلال الاعتقال، لكثرة أوقات الفراغ: "لا شيء نفعله في السجن سوى استكشاف طرق جديدة لتمضية الوقت، لا شيء آخر يمكن فعله، استطعت إقناع عدد من السجناء الآخرين بأننا لا نعرف إلى متى سيطول اعتقالنا، وإن خرج سجين من هنا مكتسباً لغة جديدة، فلا بد أن يفيده ذلك".

الرؤية نفسها يتشاركها عدد من السجناء السابقين، ومنهم عمر الشغري الذي اعتقل عام 2012 وتنقل أيضاً بين سجون عديدة قبل أن يمضي الفترة الأخيرة من عقوبته في سجن صيدنايا الشهير.

يقول الشغري لرصيف22: "السجن كان جامعة تدرّسنا أموراً مهمة وعامة، فأغلبنا اكتسب خبرات عن مواضيع مختلفة خلال فترة سجنه”.

ويضيف: "حياتي رائعة اليوم بسبب ما تعلمته في السجن، فقد تعلمت هناك أن أكون شخصاً إيجابياً وفعالاً".

أمضى الشغري فترات من سجنه متقاسماً الزنزانة مع عدد من الحقوقيين أو المحامين وحتى الأطباء، وحاول أن يستثمر وقته لاكتساب مهارات متنوعة ونسيان التعذيب الذي كان شبه يومي.

لونا صفوان

لونا صفوان، صحافية لبنانية. عملت في عدد من المواقع الإلكترونية الناطقة باللغتين العربية والانكليزية على تغطيات أحداث الربيع العربي، الرقابة والحريات الصحافية.

كلمات مفتاحية
السجن سوريا

التعليقات

المقال التالي