حفل طلاق جماعي في مصر… عن تعقيدات طلاق الأقباط واضطرارهم لتغيير مذهبهم

حفل طلاق جماعي في مصر… عن تعقيدات طلاق الأقباط واضطرارهم لتغيير مذهبهم
البابا شنودة يعلن رفض المجمع المقدس لحكم قضائي يسمح بالزواج الثاني للمطلقين الاقباط، 2010

بعد 10 سنوات بين الكنيسة والمحاكم، اضطر القبطي الأرثوذكسي جابر النخيلي إلى تغيير ملته إلى الإنجيلية، كي يحسم انفصاله عن زوجته ويحصل على تصريح كنسي بزواج ثانٍ يعزز الحكم المدني الذي حصل عليه مؤخراً.

الآن، يتهيأ النخيلي، 47 سنة، وصاحب مكتب لتعليم قيادة السيارات في منطقة فيصل بالجيزة، لخوض تجربة زوجية جديدة تعوّضه عن 10 سنوات من الخلافات مع الأهل والقساوسة.

يقول: "لم أكن أخطط لاستغلال رخصة تغيير الملة كي أنهي زيجتي الأولى، لكن حياتي متوقفة منذ أكثر من 10 سنوات".

يعبّر عن سعادته بمشاركته في احتفال جماعي بالطلاق مع مجموعة من المتضررين من قانون الأحوال الشخصية في قاعة بمنطقة شبرا.

النخيلي كان واحداً من 20 شخصاً شاركوا في حفل الطلاق الجماعي، قبل أيام، احتفالاً بالحصول على أحكام مدنية وتصاريح كنيسية تسمح لهم بإتمام زواجهم الثاني.

على قالب حلوى كتبوا: "الطلاق نهاية ألم وبداية أمل"، في رسالة احتجاجية جديدة ضد صمت الكنيسة عن مطالب الزواج المدني وتعديل قانون الأحوال الشخصية.

حفل طلاق

مطالبة بـ"فرصة ثانية"

جاءت هذه الفعالية كأول تحرك ميداني من الحركات القبطية المهتمة بالأحوال الشخصية للمسيحيين، بعد جولات كلامية مع الكنيسة الأم ومجمعها المقدس.

يقول المحامي أيمن عطية، مؤسس رابطة "فرصة ثانية" وصاحب دعوى حفل الطلاق الجماعي، إن مبادرتهم رمت حجراً في المياه الراكدة، للضغط من أجل تغيير قانون الأحوال الشخصية.

وأضاف عطية لرصيف22 أنه كان يخطط لإقامة حفل مفتوح، لكن مع تغيير مكان الحفل من النادي السويسري بإمبابة إلى قاعة مناسبات بشبرا، المنطقة ذات الكثافة المسيحية، تراجع واكتفى بدعوة 20 شخصاً فقط.

وأشار عطية إلى أن كثيرين يخشون الظهور في الإعلام للحديث عن أزمتهم مع قانون الأحوال الشخصية بسبب المضايقات التي قد يتعرض لها ذووهم، إلا أنهم يدعمون أي تحرك في سبيل التخلص من آثار زيجتهم الأولى.

ويبدو أن هذه الدعوة لن تكون الأخيرة، إذ كشف عطية أنه بصدد تنظيم فعالية أخرى بمحافظة الإسكندرية خلال الفترة المقبلة، بهدف مواصلة الضغط على الكنيسة في ملف الأحوال الشخصية.

أقوال جاهزة

شارك غردأحياناً يشهر القبطي إسلامه فقط ​ليتمكن من تطليق زوجته... عن تعقيدات قانون الأحوال الشخصية لدى الأقباط

شارك غردالمسيحيون الباحثون عن الطلاق يتحولون إلى الكنيسة الإنجيلية، رغم أن هذه الكنيسة تمنع رعيتها من الطلاق

إلغاء لائحة 1938

وحُرم آلاف الأقباط من حقهم في الطلاق والبحث عن الزواج الثاني منذ عام 2008، نتيجة قرار البابا شنودة بعدم جواز الطلاق، ملغياً بذلك لائحة 1938 التي كانت تنص على ثمانية أسباب للطلاق، ولم يبقَ منها حالياً إلا إثبات الزنا من الطرفين.

وأضافت الكنيسة الأرثوذكسية في تعديلاتها على قانون الأحوال الشخصية سبب الهجر لمدة 5 سنوات بجانب إثبات الزنا وتغيير الملة كشروط أساسية للانفصال، فيما لا تعترف الكنيسة الإنجيلية إلا بالزنا وبتغيير الملة فقط كشروط للطلاق، وتبقى الكنسة الكاثوليكية الوحيدة التي لا تعترف بوجود الطلاق من الأساس.

ويقوم الزواج المسيحي على عقدي زواج، مدني وكنسي في الوقت نفسه. الأول له طريقة في الإشهار وسجلات خاصة لقيده وتنطبق عليه قواعد الصحة والبطلان المعمول بها في القوانين الوضعية، ويجوز فسخه أو إبطاله أو إبطال أثره أو إلغاؤه.

أما العقد الكنسي فهو سر مقدس ليس لإرادة أيّ من طرفيه دخل في تعديله ولا ينتهى أثره حتى بوفاة أحد طرفيه لأنها رابطة إلهية أبدية.

وتسببت المغالاة في تطبيق النص الديني في حرمان الآلاف من الأقباط في مصر من حق الزواج الثاني، لذا يلجأ البعض إلى الاحتكام إلى الزواج المدني، وتغيير ملته بالانتماء إلى الكنيسة الإنجيلية، التي تكاد تكون الوحيدة التي تسمح بتغيير الملة، وذلك للظفر بفرصة ثانية للزواج.

وذلك في وقت تنظر محاكم الأحوال الشخصية بنحو 3 آلاف قضية طلاق لم تحل منذ عام 2012 حتى الآن.

وربما لم يحدث حفل الطلاق الجماعي الصخب المراد إحداثه داخل أروقة الكنيسة، إذ تبدو الأخيرة متمسكة بموقفها الحالي وتستمد قوتها من شرعية النص الديني وتقاليد راسخة.

يعلق أندراوس فرج، راعي كنيسة مار مرقس الكاثوليكية، قائلاً: "هذه الأصوات تظهر في لحظات الغضب فقط، لكن في الحقيقة الأغلبية ملتزمة والجميع يعلم أن الكنيسة لم تزوجك بل هذا هو اختيارك".

يشرح فرج عن موقف الكاثوليكية المتشدد من الطلاق بقوله: "لا يوجد طلاق في الكنيسة الكاثوليكية، إنما يوجد بطلان في العقود المدنية في حالتين الأولى ظهور سبب عدم الرضا متمثلاً في وجود تزوير سن الزوجة أو ممارسة ضغوط على الزوجين ما يجعل المعيشة المشتركة مستحيلة، أو في حالة الأمراض النفسية الخطيرة التي تؤرق حيات الشريكين".

"نعلم أن الكاثوليك هم الأكثر تشدداً في الزواج لأنه سر مقدس. الانفصال بالنسبة لنا هو الموت، فصل الجسد عن الروح"، يضيف القس مبرراً تأخير النظر في دعاوي الطلاق واحتمال انتظار الزوجين الحكم سنوات، بما لذلك القرار من تأثير على مستقبل الأسرة.

الكنيسة الإنجيلية مستفيدة

يحمّل أيمن عطية الكنيسة مسؤولية فوضى الزواج المدني، ويقول: "الكنيسة الأرثوذكسية تسمح لبعض الحالات بإتمام الطلاق المدني ومنحه الحق في زواج ثانٍ، لكنها لا تعلن ذلك للرأي العام ولا توضح سبب تفضيلها حالة عن أخرى، ما يتسبب في احتقان وشعور بالتمييز بين المتضررين".

ويتابع عطية: "لا نشجع على تغيير الملة ونريد غلق هذا الباب تماماً، فلا يوجد في مصر شخص يرغب في تغيير دينه أو الانتقال إلى ملة أو طائفة أخرى، كما أن معظم حالات إشهار الإسلام الهدف منها الحصول على أحكام الطلاق فقط والتصريح بالزواج".

يتبنى مؤيدو الزواج المدني رؤية واضحة لضرورة منح كل فرد حق تقرير مصيره، طالما أن قانون الأحوال الشخصية معطل منذ فترة طويلة، وهو ما يشرحه أشرف أنيس، مؤسسة حركة "الحق في الحياة" المطالبة بالطلاق والزواج الثاني بقوله: "الدولة والكنيسة هما السبب في ما وصل إليه المتضررون من قانون الأحوال الشخصية، وهما أصحاب الحلول".

لا تسمح الكنيسة الكاثوليكية في مصر بتغيير ملة أعضائها من أجل الحصول على حكم طلاق ورخصة بالزواج الثاني. ويقول أندراوس فرج: "تغيير الملة تلاعب ولا نسمح بإقامة إكليل في الكنيسة لهذه الحالات، ما نعتد به هو البطلان الكنسي فقط فلا يوجد طلاق مدني أو تغيير ملة".

تشدد الكاثوليك والأرثوذكس تقابله مرونة من الطائفة الإنجيلية التي تتبنى بعض كنائسها إجراءات تغيير الملة، بل يجرى ذلك في إطار "البيزنس"، فتسهل شروط منح شهادة ممارسة الشعائر الدينية فيها مقابل مبالغ مالية تصل إلى 30 ألف جنيه مصري (1700 دولار).

ويقول هاني عزت، مؤسس رابطة منكوبي الأحوال الشخصية، إن الطائفة الإنجيلية هي المستفيد الأول من تعقيد إصدار قانون موحد للأحوال الشخصية بسبب لجوء عدد كبير من الأقباط إليها لنيل شهادة تغيير الملة، من أجل تفعيل الطلاق ومنحهم تصريح الزواج الثاني.

لا بل أن عزت يتهم ممثلي الكنيسة الإنجيلية بالوقوف وراء تعطيل جلسات الحوار بشأن قانون الأحوال الشخصية، لأنهم يريدون أن تبقى كنيستهم الباب الوحيد أمام الأرذثوكس والكاثوليك بحال اختيارهم تغيير الملة.

وتبدأ إجراءات تغيير الملة بين الطوائف المسيحية بانتساب الشخص إلى طائفة أخرى وممارسة شعائرها، ثم يحصل على شهادة تفيد بذلك، وهو ما يسهل بحكم القاضي بأحقيته في الطلاق وفق الشريعة الإسلامية، إذ ينص القانون على أنه في حالة تغيير الملة أو الطائفة تطبق الشريعة الإسلامية.

حق لغير الإنجيليين

لكن الطائفة الإنجيلية نفسها تحرّم الطلاق إلا في حالتي علة الزنا وتغيير الملة، وهو ما تسبب في تعليق حياة كثيرين مثل مجدي عدلي الذي يعيش في عذابات الانفصال الصوري عن زوجته منذ 5 سنوات.

يقول عدلي: "أريد الطلاق من زوجتي منذ 5 سنوات لكن لا استجابة من مجلس الطائفة"، ويتساءل: "كيف لطائفة تمنح شهادات تغيير الملة لآلاف الأقباط أن تمنع أعضاءها من الطلاق؟".

ويعتمد المسيحيون القادرون مادياً على كنائس إنجيلية محلية في مصر لتغيير الملة أو على الكنيسة الأم في لبنان، وهذا يرجع إلى قناعة الإنجيليين بالزواج المدني، كما يوضح رفعت فكري، نائب رئيس السنودس الإنجيلي.

يقول فكري لرصيف22: "إذا أقرّينا قانون الأحوال الشخصية وتساهلت الدولة في توثيق الزواج المدني بالشهر العقاري سيرتاح القساوسة في الكنائس من صداع الزواج والطلاق".

ويضيف: "نحن أقل تشدداً من الكاثوليكية والأرثوكسية لاختلاف فهمنا للكتاب المقدس، لذا نرى أن الزواج المدني يُعدّ حلاً جوهرياً لأزمة نعاني منها جميعاً".

ويعلق فكري على اعتبار الطائفة الإنجيلية بوابة تغيير الملة ونيل تصريح بالزواج الثاني بقوله: "الطائفة توقفت الآن عن إصدار شهادت بتغيير الملة، ولا يوجد حصر بعدد الذين غيّروا ملتهم إلى الإنجيلية في الأوقات السابقة".

ربما يمرّ الاحتفال الجماعي بالطلاق المدني مرور الكرام على الكنيسة في مصر، لكن الهوة ستزداد حتماً طالما بقيت الحياة في البيوت معلّقة في انتظار قرار الانفصال النهائي، وامتلاك الحق في بداية حياة جديدة.

التعليقات

المقال التالي