منى بعلبكي: كيف تعمل صيدلانية مطلوبة في لبنان أستاذة جامعية في السعودية؟

منى بعلبكي: كيف تعمل صيدلانية مطلوبة في لبنان أستاذة جامعية في السعودية؟

لا حديث في السعودية خلال هذه الأيام يطغى على قصة الصيدلانية اللبنانية منى بعلبكي.

الصيدلانية التي هربت من بلادها قبل سنوات، ملاحقة بتهمة سرقة أدوية سرطان من مستشفى حكومي في بيروت هو مستشفى رفيق الحريري الجامعي، وبيعها في السوق بعد استبدالها بأدوية مغشوشة وغير صالحة.

وعلى الرغم من كل الاتهامات الخطيرة التي طالت بعلبكي، فوجىء السعوديون بأنها وجدت منذ ثلاث سنوات في جامعة الحدود الشمالية (أقصى الشمال السعودي) ملاذاً أمناً لها، حيث تعمل محاضِرة تقوم بتدريب صيدلانيات المستقبل.

عام 2014، تمت إحالة منى بعلبكي أمام الهيئة العليا للتأديب، كمتهمة رئيسية في ملف التلاعب بأدوية السرطان في لبنان، بعدما أبدلت على مدى أعوام أدوية سرطان بأدوية أخرى مغشوشة أو فاسدة ومنتهية الصلاحية، وأعطتها للمصابين بالمرض، وباعت الأدوية الأصلية.

وقبل أيام، أوقظت القضية من سباتها العميق بعد أن أصدرت الهيئة العليا للتأديب قرارها بعزل المتهمة، وإحالتها للنيابة العامة تمهيداً لمقاضاتها (نص تقرير الهيئة).

كثّفت وسائل الأعلام اللبنانية متابعتها للقضية في الأيام الأخيرة، وهذا ما دفع إدارة مستشفى رفيق الحريري الجامعي إلى أن تصدر بياناً تشير فيه إلى أنها أوقفت بعلبكي عن العمل منذ عام 2009، بعدما اكتشفت مخالفات مالية وإدارية في قسم الصيدلة، مما حثها في ذلك الحين على إجراء تحقيق داخلي، ثم إحالة الملف على التفتيش المركزي.

ضجة كبيرة في السعودية أيضاً

غصت مواقع التواصل الاجتماعي طوال اليومين الماضيين بانتقادات لاذعة لوزارة التعليم وجامعة الحدود الشمالية، أطلقها ناشطون على تويتر.

وظهر وسم #القبض_علي_دكتوره_الاجرام_مطلب ووسم #منى_بعلبكي في أكثر من 260 ألف تغريدة، كانت في معظمها نقدية بشكل حاد، وتتهم الجامعة بمخالفة الأنظمة، لعدم دراستها ملف بعلبكي قبل تعيينها، وإهمالها توظيف سعوديين يحملون مؤهلات أفضل منها.

"سواء كان المسؤول يعلم أو لا يعلم، فلا بد من المحاسبة"، يقول المستشار القانوني حامد فلاته لرصيف22، مشدداً على ضرورة محاسبة كل من كان وراء تعيين بعلبكي في الجامعة.

ويضيف فلاتة: "أذا كان (المسؤول) يعلم فيجب أن يُحاسب، وحتى لو كان لا يعلم، فهذا لا يعفيه من المسؤولية لأنه قصّر في التدقيق في ملفها، ووظف شخصاً عليه مخالفات كبيرة".

أقوال جاهزة

شارك غردلا حديث في السعودية خلال هذه الأيام يطغى على قصة الصيدلانية اللبنانية منى بعلبكي... إليكم تفاصيل القصة

شارك غردصيدلانية مطلوبة في لبنان بقضية فساد كبيرة تعمل محاضرة جامعية في السعودية منذ 3 سنوات… من المسؤول؟

تشكيل لجنة تحقيق

اتساع رقعة الجدل دفع بالأمير فيصل بن خالد بن سلطان، أمير منطقة الحدود الشمالية التي تتبع لها الجامعة حيث تعمل بعلبكي، لأن يطالب بالتحقيق في تعاقد الجامعة مع المتهمة.

وطلب الأمير من مدير الجامعة رفع تقرير عاجل يوضح تفاصيل القضية وآلية التعاقد مع الصيدلانية، مؤكداً على خطورة اختراق التعليم ممن لا يستحق العمل فيه.

وأمر الدكتور محمد العيسى، وزير التعليم، بتشكيل لجنة عاجلة من جامعة الحدود الشمالية، لبحث قضية التعاقد مع بعلبكي وإصدار النتيجة خلال أسبوع.

وكشف المتحدث الرسمي لوزارة التعليم مبارك العصيمي عن أن هذه التوجيهات جاءت بعدما تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي أخباراً تفيد بأن بعلبكي مطلوبة في بلادها بتهم خطيرة.

لم تتجاوب جامعة الحدود الشمالية مع اتصالات رصيف22 للحصول على تعليق منها حول لجنة التحقيق المشكّلة بأمر وزاري. غير أن مدير العلاقات العامة والإعلام في الجامعة، الدكتور مفضي الشراري، قال في تغريدات له على حسابه الرسمي على تويتر، إن الجامعة تتابع ما ورد في الإعلام عن المحاضِرة اللبنانية منى بعلبكي من مخالفات في بلدها قبل تعاقد الجامعة معها.

وأضاف الشراري في مداخلة له لنشرة التاسعة التي تبث يومياً على شاشة mbc، أن المسؤولين في الجامعة لم يطلعوا على القضية إلا من خلال وسائل الإعلام اللبنانية، مشدداً على أنه لا توجد أية ملاحظات على بعلبكي، وهي تحظى بثناء الطالبات.

هذا التعليق دفع بعدد كبير من الطلبات إلى الرد على تصريحات الشراري، بوسم #مفضي_الشراري، رفضن فيه ثناءه على بعلبكي، وطالبن بمحاسبته هو الآخر.

سخط كبير

لم تنجح التوجيهات العاجلة بالتحقيق في القضية في لجم الجدل، خاصةً أن الوزير منح الجامعة نفسها التي ارتكبت المخالفة، أحقية التحقيق في مخالفتها.

يعتبر أحمد الراشد، وهو ناشط حقوقي ومحامٍ معتمد، أن تشكيل لجنة من الجامعة نفسها أمر غير منطقي، مبدياً خشيته من أن يكون هدف هذا الإجراء تهدئة الغاضبين لا أكثر.

ويقول الراشد لرصيف22: "المطلوب من الوزير تكليف فريق تحقيق متخصص من خارج الجامعة، للتحقيق في قضية توظيف بعلبكي، ومحاسبة المسؤولين عن مخالفة آلية التعاقد والتوظيف".

ويضيف: "لا تكمن المشكلة فقط في توظيف أستاذة مطلوبة في بلادها بتهم خطيرة، بل أيضاً في غموض المعايير التي تستند إليها الجامعة في استقطاب الموظفين من الخارج، على الرغم من وجود أكثر من سبعة آلاف سعودي من حملة الشهادات العليا، لا تزال الجامعات السعودية ترفضهم، حتى الناشئة منها".

ويعتقد الراشد أنه من الطبيعي أن تُوجد الجامعة مبررات لقرارها للهروب من المسؤولية، ويقول: "لو كنت مكان المسؤولين فيها، لفعلت ذلك أيضاً".

قضية أكبر من بعلبكي

القضية أكبر من مجرد تعيين البعلبكي في وظيفة تعليمية. يعتبر الدكتور خالد المعينا، الأستاذ في جامعة الملك عبدالعزيز في جدة، ورئيس تحرير جريدة عرب نيوز السابق، أنه يجب عدم حصر الأمر بتعيين شخص واحد، فالأمر يشمل عملية تعيين أساتذة الجامعات بشكل عام.

ويقول لرصيف22: "تكشف قضية بعلبكي فوضى تعيين الأساتذة الوافدين في الجامعات السعودية. لا بد أن يكون هناك تدقيق أكبر في ملفات هؤلاء الأساتذة قبل اعتماد تعيينهم، تماماً كما يحدث مع الأساتذة السعوديين، وهذا تقصير كبير وخطير"، ويضيف: "يقع اللوم على من اختارها، فقضيتها كانت قضية رأي عام في لبنان".

يأمل المعينا أن تكون الحادثة بداية للتدقيق في ملفات الأساتذة الموجودين في الجامعات السعودية، للتأكد من مؤهلاتهم، ويقول: "سنكتشف حينذاك الكثير من المخالفات".

ماذا تقول بعلبكي؟

دافعت منى بعلبكي عن وجودها في السعودية، وقالت إنها تعمل منذ أكثر من ثلاث سنوات كأكاديمية وليس كصيدلانية.

وصرّحت لصحيفة الرياض السعودية أن الجامعة تعاقدت معها منذ ثلاث سنوات، وانتهى عقدها العام الحالي وطلبت تجديداً للعام المقبل ولكن لم يصلها الرد في القبول أو الرفض.

رغم أنها أوقفت عن العمل كصيدلانية، نفت بعلبكي كل التهم الموجة لها، وشددت على أنه لم يصدر بعدُ حكم قضائي في القضية المتهمة فيها.

في المقابل، أكد المستشار الإعلامي لوزير الصحة اللبنانية جورج العاقوري للصحيفة ذاتها، أن قضية بعلبكي أُحيلت للتفتيش وتم توقيفها عن العمل منذ عام 2009، وتمت قبل بضعة أيام إحالة الملف للنيابة العامة التميزية.

إلى حين ظهور نتائج التحقيق، لن يتوقف الجدل، ولن تتوقف القصة عن التفاعل، لا سيما عندما تبدأ في الظهور قصصُ ضحايا أدوية السرطان المزورة التي اتهمت بعلبكي بتوزيعها على المرضى.

خالد الشايع

محرر وصحافي سعودي.

التعليقات

المقال التالي