ماذا لو كان أهلكم سبب فشلكم في الحب والحياة؟

ماذا لو كان أهلكم سبب فشلكم في الحب والحياة؟

تظنون أنكم كبرتم، وأن حاجاتكم العاطفية التي كانت تضج بكم في الصغر تغيّرت، وأنكم لم تعودوا بحاجة إلى حضن أهلكم أو إلى نظرة تشجيع منهم تساعدكم على تخطي الصعاب والفشل... "لا تتصلوا بي إن تأخرت ولا تقلقوا علي.

لم أعد طفلاً صغيراً"، ترددون أمامهم إثباتاً لشخصيتكم. وحين يتوقفون عن السؤال تشعرون بالإهمال.

تظنون أنكم المسؤولون عن خياراتكم المهنية والعاطفية وتفاخرون بتميّزكم عنهم بالتفكير والمنطق والانفتاح، وأنكم استطعتم تحقيق ما لم يحققوه هم.

لكنكم عند كل خطوة ناقصة أو فشل في علاقة أو في خيار مهني، يصحو في داخلكم إحساس دفين من الغضب والملامة ضدهم. تشعرون أنهم لم يحبوكم بقدر كاف، ولم يحسنوا توجيهكم أو ربما كان خوفهم الزائد عليكم سبباً في خوفكم من المبادرة.

إن كانت كل النظريات التربوية تصب في تأثير تربية الأهل على مستقبل الشخص ونظرته الذاتية، فهل هم فعلاً مسؤولون عن تعاستنا؟ وهل فشلنا هذا انتقاماً منهم أو من ذاتنا؟ والأهم هل نستطيع يوماً فك هذا الارتباط القديم معهم أو ستبقى نظراتهم وكلماتهم تسيّر حياتنا؟

لما الحاجة لتذنيبهم؟

"بسببهم فشلت في حياتي المهنية. أقنعوني بمهنة لم أحبها يوماً! وأنا الآن أتنقل من شركة إلى أخرى محاولة البحث عن ذاتي وحليفي الفشل في كل مرّة. هم المذنبون ويتحملون مسؤولية ما أنا عليه اليوم"، تقول إيناس معبرة عن شعورها بالحسرة وبأنها تدور في حلقة مفرغة من الشفقة عليهم، وأنها لا تستطيع أن تعبّر لهم عن غضبها وشعورها بالخيبة تجاه نفسها.

هي التي باتت شبه متأكدة أنها لن تنجح يوماً. شعور موجع يشعر به الشخص بأن الصور الأولى في حياته التي من المفروض أن تكون مصدر إلهام ودعم عاطفي، هي نفسها التي زرعت فيه، عن تعمّد أو جهل، صوراً سلبية عن ذاته، صوراً جعلته يكبر مع نقص في ثقته بنفسه أوصله ويوصله في كل مرة إلى الفشل والاستسلام، وكأنه ليس سيّد حياته، وكأن قوّة داخلية تحركه بالرغم منه.

"في كل امرأة أقابلها أبحث فيها عن صورة أم. أم لم تعش لي يوماً، كانت تقول لي: أنت ثمرة علاقة فاشلة مع أبيك الذي أكرهه، حتى شعرت أنني غير محبوب أو مرغوب من أي سيدة. واليوم في عمر ال50 أعيش وحيداً وأقتنع بفتافيت من علاقات تؤمن لي من حين إلى آخر حنان أم مفقوداً"، يقول علي مستذكراً عبارات والدته، التي هجرته وهو صغير ورسخت فيه صورة الصبي المهمل الذي لا يستحق الحب. يشعر علي بالراحة حين يذنبها فيعتقد أنه بذلك وجد إجابة لوحدته وتعاسته اليوم. لكنه في الوقت  نفسه ما زال يبرر لها سلوكها، وأنها هي أيضاً عاشت تعيسة بسبب والده العنيف. لشعور الذنب وزن ثقيل علينا وربما حين نتشارك الحمل مع أهلنا يصبح أقل ثقلاً، ولا نعود مضطرين لتحمل المسؤولية والسير قدماً، ومحاولة كسر ذلك القالب الذي أُسرنا وأَسرنا أنفسنا داخله.

أقوال جاهزة

شارك غردتذنيب الأهل حاجة أساسية لدى الأشخاص، مثل الحب والرعاية والأمان

شارك غردهم أيضاً ربما شعروا بالنقص في مكان ما ولن يستطيعوا التعويض عنه لكم ليس لأنهم يكرهونكم بل لأنهم لا يعرفون

تعتبر دكتو جنيس المتخصصة في الاضطرابات الناتجة عن المشاكل العائلية أن تذنيب الأهل حاجة أساسية لدى الأشخاص، مثل الحب والرعاية والأمان. الذنب أيضاً حاجة، فإما يكون موجهاً تجاه الأهل، أو تجاه ذاتنا خوفاً على خدش صورهم السامية في أعيننا. لكن الذنب لا يفيد بشيء. فهو مضرّ في علاقتنا مع ذاتنا أولاً وفي علاقتنا مع أهلنا ثانياً، لأن العلاقة مع الأهل إن لم تكن صحية فهي سبب في تهديم الشخص نفسياً ومعنوياً، لأن لوجودهم والرسائل الآتية من هذا الوجود لها أهمية ومعنى.

هل نستطيع التخلص من ذلك الذنب وفصل أنفسنا عن الصور التي ألصقت بنا ونحن صغار؟ هل تعمّدوا إيذاءنا أو أن "فاقد الشيء لا يعطيه"؟ لمَ لا نحاول فهمهم عوضاً عن تذنيبهم؟

هل هم فعلاً مذنبون؟

هل فكرتم يوماً أن الحاجات العاطفية التي حرمتم أنتم منها، حُرم أهلكم منها أيضاً؟ هل حاولتم يوماً النظر بتجرد في عيون آبائكم وأمهاتكم؟ هل هم فعلاً قصدوا إفشالكم؟ أو هم فعلوا كل ما في وسعهم، بالقدر المتاح لديهم وبالمعرفة التي اكتسبوها من تربيتهم ومجتمعهم؟ هل قبل أن تطلبوا منهم أن يتقبلوا اختلافكم عنهم، قبلتم أنتم اختلافهم عنكم؟

نعم، هم مختلفون. وبالطبع مثلكم لم يكن لديهم طفولة مثالية. وهم أيضاً ربما شعروا بالنقص في مكان ما. نقص لن يستطيعوا التعويض عنه لكم، ليس لأنهم يكرهونكم بل ببساطة لأنهم لا يعرفون، أو خائفون من الحب والفشل والنجاح مثلكم.

هم في نظركم مثال أعلى يفترض أن يكون متزيناً بالكمال تقتدون به فترتاحون من أعباء أن تفتشوا عن ذاتكم خارجهم. أعباء مسؤولية مزدوجة: أولها التصالح مع الماضي، مع الطفولة حين كان كل شيء مفروضاً، وحين كنتم أنتم مجرد انعكاس لصورهم، وثانيها تقبل الاختلاف ليس ضدكم بل لصالحكم. اختلاف يسمح لكم برسم صورة عن ذاتكم لا تشبه أحداً غيركم. تسمحون فيها لأنفسكم بالسعادة والنجاح والحب والاستقرار. فاليوم لا أحد سيسمح لكم بشيء، أنتم قادة حياتكم، والوحيدون القادرون على فرض القواعد فيها.

كيف نتخلص من حاجتنا إلى تذنيبهم ؟

رمي شعور الذنب في سلّة المهملات أوّل خطوة للتحرر من الماضي ومن كل شعور سلبي ما زال يقف حائطاً بينكم وبين الإنجاز. شعور الذنب غير مجد. لا اتجاه الآخر ولا اتجاه أنفسكم. استبدلوه بالرحمة والتفهم، ليس من أجل الآخر بل من أجلكم أنتم، كي تستطيعوا التقدم في الحياة والتخلص من أعباء الماضي.

لذلك اخترنا لكم 5 نصائح إن تقيدتم بها أصبحتم أصحاب القرار في حياتكم وسيطرتم على زمام الأمور فيها:

1 – تذكروا أن لأهاليكم ماضياً وطفولة

ننسى أحياناً أن أهلنا كانوا أيضاً أطفالاً واختبروا السعادة والألم والفراق والتجارب السيئة. هم أيضاً شعروا أنهم في واد وأهلهم في واد آخر. هم مختلفون. وأنتم مختلفون. أمكم ما زالت أمكم لكنكم اليوم راشدون مثلها. لذا من المهم النظر إليها كشخص مختلف تجمعكم بها علاقة عاطفية فيها الجميل والمحزن. علاقة لم يكن فيها أي إرادة بالأذى. فقط اختلاف وربما خوف. فالتربية ليست بالأمر السهل! خصوصاً إذا أقدم عليها الشخص وهو غير مطهّر من رواسب الماضي.

2 – عبّروا أمامهم واسألوهم عن الأسباب

لن ترتاحوا إن بقيت تلك المشاعر السلبية داخلكم.وسوف تظلون أسرى معتقدات ربما تكون خاطئة وتجعلكم تكرهون وتلومون أهلكم على كل شيء، في حين أنكم إذا تحاورتم معهم فربما تسمعون منهم أسباباً قد لا تقنعكم، ولكنها ستريكم أن سلوكهم لم يكن بقصد الأذية بل كان نابعاً من جهل وعدم توقع النتائج فقط.

3 – تصالحوا مع مخاوفكم

"سيدفعون سبب تصرفاتهم الخاطئة معي. لن أنجح لأعذبهم". يحاول الأشخاص معاقبة أنفسهم على ذنوب لم يقترفوها، فقط من أجل الانتقام من أهاليهم والتسبب في تعاستهم. أحقاً تنتقمون منهم أو من ذاتكم؟ ولمَ كل هذا الوجع؟ هم عاشوا حياتهم بنجاحها وفشلها. وإن حزنوا عليكم، لكنكم أنتم تبقون الخاسر الأكبر، لأنكم تدفعون وحدكم ثمن سلوككم وتخسرون حياتكم من أجل لا شيء. تخافون أن تنجحوا لئلا يكونوا هم على خطأ وتكونوا قد خالفتم الأوامر؟ لا بأس. هذه حياتكم ولن ترضي خياراتكم كل الناس.. فلكل منا ما يراه مناسباً.

4 – لا تبحثوا لديهم عن الإطراء

لن يقبلوكم كما أنتم فتوقفوا عن السعي وراء ذلك. ليس لأنهم لا يحبونكم. كلا. فقط لأنكم أنتم أيضاً انعكاس لهم ومصدر إلهامهم وتجسّد رغباتهم. هم بحاجة إلى رسمكم في قالب يشبههم ليرتاحوا، فيعتبروا أنهم نجحوا في إيصال صورتهم لكم. اختياراتكم ربما لن تعجبهم، لكن لا يعني ذلك أن تتراجعوا عنها أو تترددوا في الثبات فيها. حتى لو لم تنالوا التصفيق من قبلهم. سيروا قدماً وصفقوا أنتم لأنفسكم.

5 – اعترفوا بالجميل

بدل أن تمضوا حياتكم في التركيز على الألم الذي شعرتم به بسببهم، اسمحوا لأنفسكم بتذكر اللحظات الجميلة معهم. وهي موجودة بالتأكيد. ابحثوا عن الذكريات الحلوة وعادلوها مع الأخرى المرّة. وقتذاك ستستطيعون الحكم على الأمور بعدل وتجرد، وفهم أن لكل علاقة حسناتها، خصوصاً العلاقة الأولى مع الأهل الذين ليس لديهم أي نيّة مبطنة لتهديمكم.

ستيفاني غانم

أخصائية في علم النفس العيادي والتحليل النفسي. تقدم فقرة أسبوعية ضمن برنامج “ببيروت” على قناة LBCI الفضائية.

التعليقات

المقال التالي