بعد مصر وتركيا وأمريكا..."ليتل سوريا" في مدينة خليجية

بعد مصر وتركيا وأمريكا..."ليتل سوريا" في مدينة خليجية

افتتح مقهى العُلبي أبوابه في مدينة الشارقة الإمراتية قبل أربعة أعوام.

هو امتداد لسلسلة مقاهٍ كانت تحمل الاسم نفسه وتضم 30 فرعاً في سوريا. لحق الدمار بجميعها، باستثناء واحد في حلب وآخر في اللاذقية.

بأثاثه الحديث وقائمة مشروباته التي تتضمّن مجموعة متنوعة من القهوة، يستقطب مقهى العلبي في الإمارات روّاده ممن يودون ارتشاف القهوة على الطريقة السورية.

في يوم خيّم عليه الهدوء وساده طقس لافح، توجّه مالك المقهى إلى الصلاة قبل أن يستأنف عمله في الفرع الموجود بشارع جمال عبدالناصر، والمعروف أيضاً باسم "ليتل سوريا" أو سوريا الصغرى.

هو شارع في وسط مدينة الشارقة التي يسكنها حوالي 1.4 مليون نسمة، مشهور بالمطاعم والمخابز ومحال الحلاقة والهواتف، والتي بات يمتلك معظمها سوريون منذ بداية الربيع العربي ونزوح كثرٍ من أهل سوريا إلى دول العالم، منها الإمارات، وتحديداً مدينة الشارقة.

يقول عبدالله العلبي، مدير المقهى: "قبل نحو 15 عاماً، انتقل كثرٌ من اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين إلى هذا الشارع، وهو ما جعلنا نختاره مقراً لنا عندما أتينا إلى هنا".

يرى العلبي أن مقهاه يشهد حالاً من الازدهار، وأن "هذا يرجع إلى ما حققوه من شهرة في سوريا".

رغم حرارة الجو التي بلغت في الصيف نحو 50 درجة مئوية، تفتح هذه المتاجر والمطاعم أبوابها معظم اليوم مع توافد الزبائن إليها.

يعج مقهى العلبي بالناس.

أقوال جاهزة

شارك غرد"ليتل سوريا" شارع في الشارقة مشهور بالمطاعم والمحال التي يمتلك معظمها سوريون منذ بداية الربيع العربي

شارك غردوصل السوريون الإمارات بتأشيرات عمل ودخلها آخرون بعد الحرب بتأشيرات زيارة... فكيف هو شكل حياتهم فيها؟

الوصول إلى الإمارات

يقول عاصم الذي يعمل في بيع الشاورما في الشارع نفسه، منذ أكثر من خمسة أعوام: "يستقر السوريون بغالبيتهم هنا حيث يشعرون بأنهم في بلادهم"، ويضيف أن الشارع شهد ازدهاراً مع افتتاح متاجر ومطاعم كثيرة بعد وصول السوريين إليه.

أما عُمَر (17 عاماً) فقد عمل سابقاً في أحد محالّ الحلاقة.

هو واحد من أسرة فيها ثمانية أبناء. يعمل أشقاؤه الذين يكبرونه في الإمارات. ضمّ هؤلاء الأب إلى كفالتهم حتى وجد عملاً، واستطاع أن يضم إلى كفالته زوجته وبقية أبنائه. غير أن الأب اختار العودة إلى سوريا لأنّ الحياة لم ترق له في الإمارات.

اضطر عمر إلى ترك المدرسة بضع سنوات بسبب عجز والده عن سداد نفقات تعليمه. وهو الآن يخطط للسفر إلى ألمانيا، لأن إقامته انتهت بعد بضعة شهور من عودة الأب إلى سوريا، ولا يستطيع صاحب العمل ضمّه إلى كفالته لأنه لم يبلغ السن القانونية التي تؤهله للالتحاق بسوق العمل.

أحد المحلات في الشارقة يحمل اسم مدينة حمص السورية أحد المحلات في الشارقة يحمل اسم مدينة حمص السورية

يقع المحل الذي عمل فيه عمر في شارع جمال عبدالناصر أيضاً، وعندما تحدثنا إليه كان مرّ على تأسيس هذا المحل 17 عاماً.

وصل السوريون المقيمون في دولة الإمارات إليها بتأشيرات عمل، ودخلها آخرون بعد الحرب بتأشيرات زيارة بين عامي 2011 و2013، حين كان من السهل الحصول عليها، بخاصة عبر شركات سياحية في إمارة الشارقة.

يأتي كثرٌ منهم إلى الإمارات للإقامة مع أفراد عائلاتهم الذين كانوا يعيشون في البلاد من قبل، حيث استطاع بعضهم افتتاح نشاطه التجاري الخاص، بينما عمل آخرون في مهن أخرى كانت موجودة.

هناك سوريات يطهونَ المأكولات السورية الشهيرة، ويبعنه إلى الزبائن الذين يسمعون عنهن من أشخاص آخرين.

يدير كثيرون منهم أعمالاً صغيرة في مدن مختلفة من الإمارات السبع، لكن المدن الشمالية كالشارقة وعجمان ورأس الخيمة هي خيار الغالبية من متوسطي الدخل، لصغر هذه المدن وتكلفة المعيشة المنخفضة مقارنة بدبي أو العاصمة أبو ظبي.

أما رجال الأعمال أو المستثمرون السوريون فيختارون دبي، وهي الأكبر والأحدث، والتي تقدم تسهيلات لهم من خلال المناطق الحرة كجبل علي ومدينة دبي للإعلام.

الحديث ليس سهلاً...

إذا أردتم أن تبدأوا حديثاً مع الناس في شارع عبدالناصر بالشارقة، فعليكم بكلمة السر: اسألوا عن مكان يعد الصفيحة المضفورة، وهي من المأكولات السورية.

لكن حتى هذه الكلمة لم تمكنكم من الحديث مع الجميع، فكثرٌ يرفضون الخوض في أمورهم الشخصية مع الصحافيين بسبب خوفهم من الوقوع في مشكلة مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بحسب قولهم.

يقيم حوالى 250 ألف سوري في الإمارات، بعد أن كانوا 115 ألفاً قبل اندلاع الحرب الأهلية في بلدهم. ومع ذلك، لا يتمتع أيّ منهم بوضع اللاجئ وحقوقه.

وقد أعلنت الإمارات في أواخر عام 2016، أنها سوف تستقبل 15 ألف لاجئ سوري على مدار السنوات الخمس المقبلة. علماً أنها ليست من الدول الموقّعة اتفاقية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لعام 1951، وهي الاتفاقية التي تنص على حقوق اللاجئين الفارّين من الحروب أو الاضطهاد.

الحال ليست وردية دائماً...

نجاح العلبي لا يعني نجاح جميع المحلات السورية، فحاله ليس حال المطاعم جميعها في شارع جمال عبدالناصر.

فأبو محمد انتقل بصحبة عائلته إلى الشارقة في الوقت نفسه الذي انتقلت فيه عائلة العلبي إليها. أسس مطعماً، لكنه اضطر إلى بيعه بعد عام واحد من افتتاحه لأن الإيرادات لم تكن تكفي لتغطية تكاليفه.

كان واحداً من بين مطاعم عدة في الشارع نفسه.

لم يتأثر أبو محمد بالخسارة التي لحقت به على حد قول العمّال لديه، لأنه رجل ثري ويعمل في مجال المقاولات في سوريا. أما هم فقد اضطر إلى تسريحهم.

يبحث بعضهم عن عمل، فيما يفكر البعض الآخر بالهجرة إلى دول أخرى، لكن الأبواب المفتوحة باتت قليلةً، خاصة بعدما أصبح الذهاب إلى تركيا، بوابة الهجرة الغير شرعية إلى أوروبا، يتطلب تأشيرة زيارة.

تغطي الشرق الأوسط، حاصلة على ماجستير في دراسات الإعلام من جامعة سيراكوس في نيويورك. عملت في مصر ولبنان والإمارات.

كلمات مفتاحية
الإمارات سوريا

التعليقات

المقال التالي