هذا ما ترويه سهيلة، الفتاة الإيزيدية، بعد 3 سنوات من سبي داعش لها...

هذا ما ترويه سهيلة، الفتاة الإيزيدية، بعد 3 سنوات من سبي داعش لها...

توثق مقالات وفيديوهات عدة حجم الدمار الذي تسبب به تنظيم الدولة الإسلامية، داعش، للقرى والمدن العراقية، لكن ماذا عن حجم الدمار النفسي الذي يمكن أن يحدث لفتاة عراقية بعد ثلاث سنوات من السبي والاغتصاب المتواصل من قبل أفراد التنظيم المتطرف؟

يمكن اعتبار قصة "سهيلة" (الفتاة العراقية الإيزيدية البالغة من العمر 16 عاماً) التي نشرتها صحيفة النيويورك تايمز أخيراً نموذجاً للدمار النفسي الذي تسبب به رجال التنظيم الدموي لنساء العراق.

استطاعت صحافية النيويورك تايمز الأمريكية روكميني كاليماشي، والحائزة جوائز دولية مهمة، أن تلقي الضوء على جانب آخر من الدمار الذي تسبب به داعش.

ففي رحلتها إلى مخيم "الشريعة" في العراق، قابلت كاليماشي سهيلة، التي نجح الجيش العراقي في تحريرها من الجزء الأكثر دماراً في الموصل هذا الشهر.

تحرر سهيلة جاء بعد مقتل محتجزيها "الدواعش" في غارة جوية، لكن حدث ذلك بعد ثلاث سنوات من السبي والاغتصاب المستمر. كان عمرها حين سُبيت 13 عاماً.

وصف عم الفتاة الإيزيدية قريبته لكاليماشي بأنها "مصدومة"، وكان هدفه من دعوتها وصحفيين آخرين هو توثيق ما قام به التنظيم الإرهابي من الاعتداء الجنسي على النساء قائلاً "هذا ما فعلوه بشعبنا".

هربت سهيلة يوم 9 يوليو الماضي، بعد يومين من غارة جوية دمرت جداراً في المبنى الذي كانت محتجزة فيه، قتل تحته فتاة إزيدية أخرى محتجزة معها والخاطف الذي اعتدى عليها.

استطاعت سهيلة بما تبقى لديها من قوة أن تخرج من تحت الأنقاض وتسرع إلى نقطة التفتيش العراقية الأولى، وهناك جاءت عائلتها لأخذها.

يقول عمها للنيويورك تايمز: "حين شاهدنا سهيلة جرينا إليها وقمنا باحتضانها وبدأنا البكاء ثم بدأنا بالضحك أيضاً، واستمررنا على هذا الحال حتى سقطنا على الأرض".

وصف أطباء قاموا بالكشف على سهيلة فيما بعد بأنها تعاني من التهابات في المسالك البولية، وسوء تغذية.

"أنا سعيدة لأنني في المنزل مجدداً لكنني مريضة"، هكذا وصفت سهيلة بصوت ضعيف حالتها للصحفيين، ومنهم كاليماشي. وحكت أنها تعرضت منذ أن اختطفها داعش للاستعباد الجنسي، واغتصبها سبعة رجال.

مر أسبوعان تقريباً بعد تحررها من داعش قبل أن تتمكن من الوقوف بضع دقائق، كانت ساقاها غير مستقرتين.

أقصى ما أستطيع هو أن أكتب عنها...

تقول كاليماشي لرصيف22 إنها كانت حزينة جداً عندما دخلت خيمة سهيلة وشاهدتها للمرة الأولى. وتضيف: "أمر مؤلم أن يحدث لها كل ذلك بسبب بشر متطرفين أرادوا كسرها وهو ما يبدو من حالتها أنهم نجحوا فيه"، وتضيف أنها شعرت بالعجز حين تعرفت على قصص النساء الإيزيديات القادمات من جحيم داعش.

"أقصى ما أستطيع تقديمه لسهيلة هو أن أكتب عنها، وأتمنى أن يكون ذلك سبباً في لفت الأنظار لما تواجهه هي وغيرها من نساء العراق"، تقول كاليماشي لرصيف22.

وبحسب الصحافية الأمريكية فإن المجتمع الأيزيدي تعرض لدمار شديد من قبل داعش، ولا يزال هناك آلاف النساء والفتيات في الأسر، وغالبية أولئك الذين فروا يعيشون في خيام وغير قادرين على العودة إلى وطنهم على جبل سنجار.

"إذا كانت هناك رسالة واحدة أريد لهذه المقالة أن تحملها فهي أن تصبح توثيقاً يؤكد للشعب الأيزيدي بأن العالم لن ينسى أبداً معاناتهم"، تقول كاليماشي لرصيف22.

الحديث إلى الإعلام في مصلحة الناجيات؟

غالباً ما يثار جدل بعد أن تدلي ناجية من تجربة صعبة بقصتها لوسائل الإعلام، وتطرح أسئلة حول مدى أهمية ذلك سواء لها أو للمجتمع.

وبحسب ميليا عيدموني الصحافية والمديرة الإقليمية لشبكة الصحافيات السوريات، فإن حديث الناجية من العنف إلى وسائل الإعلام مفيد جداً.

تضيف عيدموني: "تغطية مواضيع العنف ضد النساء غالباً ما تكون من المحرّمات في المجتمع وتساعد في ذلك تركيبة المجتمع وكيف ينظر إلى هذه القضية".

وترى عيدموني أن وسائل الإعلام تلعب دوراً محورياً في ضمان أن تكون أصوات النساء موجودة في الإعلام، وهو ما يساعد في تحسين خدمات الرعاية والحماية المقدمة إلى الناجيات.

"تجاهل الإعلام قضايا العنف من الممكن أن يساهم في ترسيخ ثقافته وإفلات الجاني من العقاب. ويمكن الإعلام من خلال هذه المقابلات أن يكون له دور مهمّ في تقديم أدلة موثقة تستخدم لاحقاً في محاكمة الجناة"، تقول عيدموني.

تتوقف الصحافية قليلاً قبل أن تتابع: "لكن هناك قواعد يجب على الصحافي مراعاتها أثناء تغطية قضية مثل الاغتصاب، منها أن يضع في الاعتبار المواثيق الأخلاقية أثناء إجراء المقابلات من ضمنها عدم إلحاق الضرر بالناجية في سبيل الحصول على سبق صحافي".

"ويجب على الصحافي ألّا يفرض وجهة نظره أثناء إجراء المقابلة أو إجبار الناجية على ذكر تفاصيل لا ترغب في قولها، لما له من أثر نفسي عليها ويشعرها بالمزيد من الضعف والتهميش"، تختتم عيدموني.

أقوال جاهزة

شارك غرد"أنا سعيدة لأنني في المنزل مجدداً لكنني مريضة". هكذا وصفت سهيلة، الفتاة العراقية الإيزيدية، حالتها للصحفيين.

شارك غرد"أريد لهذه المقالة... أن تصبح توثيقاً يؤكد للشعب الأيزيدي بأن العالم لن ينسى أبداً معاناته"...

مشاكل جسدية ونفسية

منذ بدء عملية الاستيلاء على الموصل في العام الماضي، تم تحرير ما يقرب من 180 امرأة وفتاة وطفل من الأقلية الأيزيدية التي تم القبض عليهم في عام 2014 من قبل داعش.

وبحسب مكتب العراق لإنقاذ المخطوفين، فإن النساء اللواتي أنقذن في العامين الأولين بعد اجتياح داعش لوطن أجدادهن جئن إلى منازلهن بالعدوى والأطراف المكسورة والأفكار الانتحارية.

وبعد ثلاث سنوات من الأسر، أصبحت نساء، مثل سهيلة، مصابات بحالات نفسية صعبة.

"إنهن يعانين من صدمة شديدة واضطراب نفسي" هكذا وصفت نغم نوزات حسن، وهي طبيبة يزيدية عالجت أكثر من 1000 من ضحايا الاغتصاب في العراق، حالة سهيلة للنيويورك تايمز.

وقالت الطبيبة: "اعتقدنا أن الحالات التي شاهدناها في السنوات الأولى كانت صعبة، لكن بعد تحرير الموصل شاهدنا حالات أصعب بكثير جداً".

وقال حسين قايدي مدير مكتب إنقاذ المختطفين للصحيفة إن "الصدمة تعبر عن نفسها في النساء والفتيات اللواتي ينمن لعدة أيام ويظهر عليهن أنهن غير قادرات على الاستيقاظ، وهو ما يحدث لما نسبته 90% من النساء اللواتي تحررن من داعش".

وفي العام 2014 قامت مجموعة من داعش بالسيطرة على سنجار، شمال العراق، وكانت سفوحها وقراها الجبلية منذ فترة طويلة حجر الأساس للحياة للأيزيديين، وهي أقلية صغيرة تمثل أقل من 2 في المائة من سكان العراق البالغ عددهم 38 مليوناً.

ويعتبر تنظيم "داعش" الأيزيديين مشركين، ويرى بحسب فتاوى دينية لرموزه أن من حقه استرقاق نسائهم.

رحلة طويلة من العلاج

بحسب الطبيب النفسي المصري أحمد سعيد، فإن ما تعرضت له سهيلة وغيرها من نساء العراق يحتاج لفترة طويلة من العلاج "هي تمر بما يمكن أن نطلق عليه متلازمة صدمة الاغتصاب"، يقول سعيد لرصيف22.

ويضيف أنه عندما تمر النساء بتجربة اعتداء جنسي صعبة، فإنهن يحاولن بكل الطرق نسيان هذه التجربة المؤلمة، وقد يكون ذلك عن طريق النوم الكثير أو الدخول في دائرة صعبة من القلق والخوف والاكتئاب الشديد.

"هذا الأمر يحتاج لسنوات من العلاج في حالة تجربة الاغتصاب العادية، فما بالك بتجربة أسر واغتصاب متكرر لمدة ثلاثة سنوات"، يقول لرصيف22.

ويؤكد سعيد أن من تمر بتجربة مثل سهيلة قد تواجه أرقاً مستمراً وكوابيس وأفكاراً انتحارية ونوبات من الغضب وصعوبة في التواصل مع المقربين منها، وربما تلجأ لعزلة اجتماعية.

ويطالب سعيد المجتمع الدولي بالتعامل بجدية مع الدمار النفسي الذي يسببه الإرهاب للمواطنين، قائلاً: "بمزيد من الاهتمام والدعم النفسي والاجتماعي، يمكن لسهيلة أن تتغلب على كل ما مرت به. فهناك دائماً مساحة من النور تخرج من أي ظلام نمر به".

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

كلمات مفتاحية
العراق داعش

التعليقات

المقال التالي