إجازة الدورة الشهرية: هل هي في مصلحة النساء أم الرجال؟

إجازة الدورة الشهرية: هل هي في مصلحة النساء أم الرجال؟

يمكن اعتبار الدورة الشهرية من التابوهات التي لا يتم مناقشتها ليس فقط في الدول العربية ولكن في دول عدة في العالم.

إلا أن السؤال عن حق كل النساء الحصول على إجازة من عملهن عند مرورهن بفترة الحيض بات يطرح نفسه بجرأة نسبية في الكثير من دول العالم.

مؤخراً أعلنت بعض الشركات الهندية عن تغيير في سياساتها الداخلية يعطي للمرأة الحق في الحصول على إجازة حيض مدفوعة الأجر في أول يوم من أيام الدورة الشهرية.

أطلقت هذه المبادرة شركتان مقرهما مومباي بهدف "كسر التابوهات المتعلقة بآلام الدورة الشهرية".

لكن هذا القرار برأي مهندسة الديكور المصرية رحاب أشرف ليس بالضرورة مفيداً للمرأة، خاصة في دول لم تعطها حقوقاً كثيرةً في مجال العمل، كالعالم العربي.

برأي أشرف، فرض إجازة على المرأة، أو افتراض أنها بحاجة لإجازة هو تمييز حقيقي ضدها، فليس شرطاً أن تمر جميع النساء بالآلام نفسها، إذاً لماذا لا تكون مجرد إجازة مرضية لمن تحتاجها وفقط؟

مساواة؟

يومياً تتوجه أشرف من منزلها في منطقة وسط القاهرة إلى عملها في منطقة الدقي (أحد أحياء محافظة الجيزة) ولديها إيمان قوي بأنه لا فرق بينها وبين زملائها في العمل.

تقول لرصيف22 إن الجميع يعلم أنها ملتزمة، وقادرة على إنجاز أي مهمة تطلب منها على أكمل وجه، وإنه أحياناً يحصل زملاؤها على إجازات أكثر منها.

"لا يوجد شيء يمنعني عن العمل" تقول لرصيف22، وتكمل "حتى أيام الدورة الشهرية يمكنني تخطيها بكل أمان دون أن أعطل المهمات المطلوبة مني".

جدلاً تخطى حدود الهند

ما قامت به الشركتان الهنديتان أثار جدلاً تخطى حدود الهند، حيث يتخوف البعض من أن تكون السياسات الجديدة في حال انتشارها في دول أخرى من دول العالم سبباً في عدم ترقي النساء في العمل بحجة أنهن يحصلن على إجازات متكررة.

وبحسب بعض المتخوفين من هذا النوع من القرارات، فإن إجازة الحيض يمكن أن تكون مبرراً لإعطاء النساء رواتب أقل، أو تؤدي لعدم توظيفهن من الأساس من قبل بعض الشركات.

وفي مارس الماضي، فتح نقاش في إيطاليا حول الأمر نفسه، إذ بدأ البرلمان الإيطالي مناقشة تشريع قانون يمنح النساء إجازة رسمية مدفوعة لمدة 3 أيام شهرياً بسبب آلام الدورة الشهرية. لكن القانون لم يزل في مرحلة النقاش.

المرأة مثل الرجل

"لا يوجد فرق بين الرجل والمرأة من الناحية المهنية، فلماذا يصر البعض على وضع فوارق؟"، هكذا تقول أماني التونسي مؤسسة أول راديو للبنات في العالم العربي.

بحسب صاحبة راديو "بنات وبس" فإن قرارات مثل إعطاء إجازة للنساء في فترات الحيض حتى لو افترضنا أنه خرج بحسن نية قد لا يكون في مصلحة النساء.

"تخيل نفسك صاحب شركة ومطلوب منك أن توظف سيدة أو رجلاً، وأنت تعرف أن هناك قرارات تلزمك بإعطاء السيدة إجازات حيض متكررة وهو ما لن يحدث مع الرجل. بالتأكيد ستوظف الرجل حتى لو كانت السيدة تفوقه براعة وعلماً"، هكذا تفترض التونسي.

الحل من وجهة نظر التونسي هو أن تكون هناك مرونة في الإجازات وقوانين تجبر أصحاب الشركات على تنفيذها، ويصبح من حق الجميع بغض النظر عن النوع، الحصول على إجازات في حالة التعرض لأي مرض أو تعب.

فقط لو كنا في مجتمعات تحترم العمل والمرأة

"فتح نقاش حول إجازات للمرأة من الممكن أن يكون أمر جيد في حد ذاته"، تقول الكاتبة المصرية فاطمة خير  لرصيف22. تصمت قليلاً قبل أن تضيف: "لكن في مجتمعات تؤمن بقيمة العمل والمرأة وتحترم كل منهما".

بحسب خير فإن اقتراح مثل إجازة حيض للمرأة يتم التعاطي معه في الدول المتقدمة دون اعتباره تمييز ضدها أو انتقاصاً منها كإنسان، بل هو تَفهم لطبيعتها البيولوجية ومساعدة لأن تعيش حياة صحية أفضل وأكثر راحة.

"للأسف نحن نعيش في مجتمعات ترى أن إجازة الوضع أمر ينتقص من قيمة المرأة كموظفة، فلو حصلت على إجازات أكثر من ذلك فمن الممكن أن تقل فرصها أكثر في التوظيف"، تقول خير.

وترى أن الإشكالية الحقيقية في أغلب البلدان العربية هي سوء استخدام هذا النوع من الأفكار في ضوء منظومة لا تؤمن بقيمة العمل من الأساس.

أقوال جاهزة

شارك غردالحصول على إجازة خلال الدورة الشهرية... هل هو دائماً في مصلحة النساء؟

شارك غرديمكن أن تكون إجازة الحيض مبرراً لإعطاء النساء رواتب أقل، أو لعدم توظيفهن من الأساس...

شارك غردترى المجتمعات العربية إجازة الوضع إنتقاصاً في جدارة المرأة، فيأثر الحصول على إجازات أكثر على فرصها في العمل

ضمان عدم التمييز

يقول متخصصون للنيورورك تايمز إن الضمان لعدم التمييز ضد النساء هو أن تكون سياسات الشركات فيما يتعلق بالإجازات عامة أكثر، حيث يصبح من حق الرجال والنساء على السواء الحصول على إجازة في الحالات الطبية المزمنة.

وهناك بعض الدول في العالم تعطي الحق للنساء العاملات في الحصول على إجازة حيض، ومنها اليابان وتايوان وإندونيسيا وكوريا الجنوبية وزامبيا.

وفي العام الماضي، أطلقت إحدى الشركات البريطانية مبادرة تتضمن رموزاً تحمل اسم Femojis يمكن للفتيات استخدامها على وسائل التواصل الاجتماعي للحديث عن الدورة الشهرية دون خجل.

والهدف من المبادرة كسر حاجز الصمت المتعلق بالحديث عن آلام الدورة الشهرية.

وتتكون الحملة من ستة رموز، منها فوطة صحية ولباس داخلي ورموز أخرى تعبر عما تشعر به الفتيات وقت الدورة الشهرية.

لنتكلم عن الألم...

في العام 2016 خلصت دراسة أمريكية إلى أن بعض تشنجات الحيض يمكن أن تساوي في حدتها النوبات القلبية.

ويقول طبيب أمراض النساء أحمد والي لرصيف22 إن السبب في حدوث آلام الدورة الشهرية لدى النساء هو وجود كمية من الدماء والأنسجة التي يحاول الرحم التخلص منها، فتحدث للنساء تشنجات تؤدي في بعض الأحوال إلى آلام شديدة لا يتخيلها الرجال بسبب عدم مرورهم بهذه التجربة.

لكن الطبيب المصري يشير إلى أن هناك علاجات حديثة يمكن أن تقلل من هذا الألم وتجعل المرأة قادرة على إنجاز كل المهمات المطلوبة منها على أكمل وجه.

ويشير والي إلى أن بعض الحالات التي تمر بما يطلق عليه "عسر الطمث" تحتاج لراحة وإشراف طبي، وبالتالي من المهم أن تحصل المرأة على إجازة وقتذاك، لكنه يؤكد "هذه حالات نادرة".

بحسب والي فإن أكثر من 50% من الفتيات والنساء يواجهن آلاماً شديدة يمكن أن نطلق عليها تقلصات الدورة الشهرية.

يحدث ذلك بسبب الانقباضات التي تحدث لعضلات الرحم حين يحاول التخلص من دم الدورة الشهرية مما يجعل جسم المرأة ينتج كميات كبيرة من البروستاجلاندين.

لكن والي يؤكد أن هذه الأعراض تختفي مع التقدم في السن أو بعد الحمل، ويمكن للنساء في هذه الفترة تناول بعض المسكنات تحت إشراف طبي.

إجازة حيض؟ طبعاً لا

يقول مدير الموارد البشرية بإحدى شركات الدعاية والإعلان (رفض ذكر اسمه) لرصيف22 إنه لن يقبل أن يوظف في الشركة امرأة تطلب منه إجازات بشكل متكرر.

يضيف أنه حتى لو ادعت الشركة أنها تحترم النساء وتؤمن بدورهن، فإن أي شركة في النهاية تريد مصلحة عملائها، وبالتأكيد لن يحدث ذلك إذا كان من ينفذون مصالح العملاء يطلبون إجازات متكررة، ووقتها لن نخبر العميل أن الموظفة عطلت العمل لأنها في إجازة حيض.

"أعرف أن البعض قد يضايقه كلامي هذا، لكن دعونا نكون واقعيين". يقول مدير الموارد البشرية.

" النساء العربيات يواجهن بالفعل مشاكل عدة تتعلق بقلة رواتبهن مقارنة برواتب الرجال، وقس على ذلك الترقيات، بالتأكيد سيأخذ بعض أصحاب الشركات أمراً مثل إجازة الحيض حجة لعدم توظيف النساء"، تختم أماني التونسي.

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

كلمات مفتاحية
التمييز ضد المرأة

التعليقات

المقال التالي