البيجاما التي ارتداها الفقراء والنجوم وعبد الناصر وأسرى إسرائيل في مصر...

البيجاما التي ارتداها الفقراء والنجوم وعبد الناصر وأسرى إسرائيل في مصر...

قلما وحد رداء بين طبقات الشعب المختلفة.

البيجاما المُقلمة والمصنوعة من قماش الكستور القطني الناعم الذي تمتاز مصر بزراعته، هي زي وحد المصريون لزمن، رجالاً ونساءً أحياناً، في أيام البرد.

فما أن يحل الشتاء، خاصة بين فترة خمسينيات وثمانينات القرن الماضي، حتى تبدأ البيوت بتجهيز وتفصيل هذه البيجامات الثقيلة والكفيلة بتدفئتهم.

بدئاً من الفقراء الذين تُوزع عليهم أقمشة الكستور مع مساعدات الدولة التموينية إلى الموظفين ووصولاً إلى رئيس الدولة جمال عبد الناصر، الذي كان يرتدي بيجامته المقلمة في بيته.

INSIDE_KastorPJEgypt5

كما عرفت الأفلام المصرية القديمة أبطالاً ارتدوا هذه البيجاما مع قبعة أحياناً، أصبح أشهرهم الفنان عماد حمدي، وقد ارتداها هو وابنته وابنه في مطلع فيلم أم العروسة.

INSIDE_KastorPJEgypt7

وقد اختارها الرئيس الراحل أنور السادات رداءً للأسرى الإسرائيليين حينما عادوا إلى إسرائيل في نوفمبر 1973 خلال عملية تبادل للأسرى، وكأنهم يحملون إلى بلدهم الصناعة المصرية.

مصر تسلم الأسرى الإسرائيليين لتل أبيب بـ«البيجامة الكستور» مصر تسلم الأسرى الإسرائيليين لتل أبيب بـ"البيجامة الكستور"

البيجاما والاقتصاد

لم تكن المساحة التي احتلتها هذه البيجاما في القلوب والمجتمع فقط، فقد كانت أساسية كذلك في الاقتصاد والصناعة.

يقول الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي ورئيس المنتدى المصري للدراسات السياسية والاقتصادية، إن مصر اشتهرت بالصناعات النسيجية، ومن بينها أقمشة الكستور القطنية.

ويضيف أنه في السبعينيات عملت 33 شركة من القطاع العام وأكثر من 3 آلاف شركة قطاع خاص في منتجات الغزل والنسيج وفي تصنيع الملابس الكستور الشتوية. فيما عمل حوالي 50% من عمال البلد في صناعات الغزل والنسيج.

ومثلت الصناعات القطنية المحلية 44% من إجمالي الصادرات، شكلت البيجامات والعباءات المُصنعة من الكستور المصري 15% منها.

INSIDE_KastorPJEgypt4

إلا أنه مع بداية الثمانينات من القرن الماضي، وبداية الانفتاح الاقتصادي والخصخصة وبيع القطاع العام، غابت الصناعات المصرية ليحل محلها منتجات مستوردة لصالح أصحاب المكاتب والتوكيلات الأجنبية.

يمتلك خميس العقاد (45سنة) محل أقمشة بمنطقة الأزهر، وهو أحد أحياء القاهرة القديمة، ويعمل في بيع الأقمشة هو وعائلته منذ ما يقرب الـ20عاماً.

يقول إن المصريين أقبلوا خلال سنوات عمله على شراء أنواع مختلفة من القماش المحلي الصنع، كالبفتة، وديل نادية، والفسكوز، والكستور.

لكن الحياة العصرية، وميل الناس فيها إلى شراء الملابس الجاهزة، طغت على سوق الأقمشة.

الغزل والنسيج...

مما لا شك فيه أن عوامل اجتماعية كثيرة أدت لاستبدال رداء النوم هذا بأشياء أكثر حداثة واقتراناً بالعصر والموضة، سواء للرجال أو النساء.

لكن من الصعب بشكل عام الفصل بينها وبين ما تعانيه صناعة النسيج وزراعة القطن في البلد الذي عُرف تاريخياً بإنتاجه لأفضل أنواع "الذهب الأبيض"، ويعود الغزل والنسج فيه لأيام الفراعنة.

يحكي العقاد أن والده كان يعمل في مصنع مصر العامرية للغزل والنسيج، وهو أحد أكبر المصانع المحلية التي أنتجت الملابس القطنية والشتوية المصنوعة من قماش الكستور المصري وصدرته للخارج.

كان ينتج المصنع أكثر من 9 آلاف قطعة من الملابس المصنوعة من القطن والكستور كل يوم عام 1974، بحسب العقاد، وهو رقم لم يستطع رصيف22 التحقق منه.

اليوم، يعاني المصنع من مشاكل مالية، بعدما تحول الناس لطلب البضاعة المستوردة، الأرخص أحياناً كالمنتجات الصينية، أو الأكثر حداثة كالأوروبية.

صناعة الغزل والنسيج ليست بالجديدة أو الحديثة في مصر، بحسب عبده، فهي تمتد إلى عهد قدماء المصريين، حيث برع المصري القديم في التطريز والحياكة وأجاد غزل ونسج ألياف الكتان وزين بها جدران المعابد.

ثم تطورت هذه الصناعة وانتعشت على يد محمد علي باشا، بحسب سيد البرهمتوشي، عضو غرفة صناعة النسيج باتحاد الصناعات المصرية.

بدأت بعد ذلك المصانع بالازدياد والازدهار، وفي عام 1926 تم إنشاء الشركة الأهلية للغزل والنسيج، ثم أنشأ بنك مصر شركة المحلة للغزل والمنسوجات التي بدأت إنتاجها عام 1930، وكانت خطوة حقيقة في تطور الصناعة في مصر.

وفي الحرب العالمية الثانية انقطعت الواردات الأجنبية فازدهرت أكثرت. 

أقوال جاهزة

شارك غردبيجامات الكستور... عندما أحب الشعب المصري شيئاً واحداً واتفق عليه من فقيرة إلى رئيسه

شارك غردالبيجاما المُقلمة والمصنوعة من قماش الكستور القطني الثقيل هي زي وحد أهل مصر في أيام البرد

القطن في مصر يعاني

تقلص حجم الأراضي التي تزرعه منذ ثمانينات القرن الماضي بنحو 80%، كما رفعت الحكومة المصرية دعمها عن زراعة القطن عام 2015.

حينها، نقل موقع صحيفة الشرق الأوسط عن وزير الزراعة عادل البلتاجي قوله إن "زراعة القطن المصري وخاصة طويل التيلة مكلفة جداً ولم يعد هناك إقبال عليه في الأسواق الدولية أو المحلية".

وقال إن المصانع التي تنتج الملابس في مصر لم تعد تعتمد على شراء القطن المحلي "رغم ضغوط الدولة"، وباتت تُفضل الأقطان المستوردة.

الضربة الأولى لزراعة القطن بحسب موقع صحيفة الغارديان كانت حينما سمحت الحكومية المصرية في تسعينات القرن الماضي لأسعار القطن بأن ترتبط بالأسواق العالمية.

يقول البرهمتوشي أن التدهور في صناعة الغزل والنسيج بدأ حينها، وتحديداً عام 1994 حين أعلنت الدولة عن رفع سعر القطن من 60 إلى 130 جنيه.

ثم جاء رفع الدعم كضربة قاضية للزراعة التي لم تنقرض، لكنها تقلصت بعدما شعر الكثير من الفلاحين أنها ليست الاستثمار الأفضل لأراضيهم الزراعية، فيما وصلت ديون قطاع الغزل والنسيج بحسب البرهمتوشي إلى 50 مليار جنيه في عام 2016.

محال تفصيل الكستور

يمتلك أحمد سعد واحد من محلات تفصيل الملابس القديمة القليلة التي بقيت حتى اليوم في منطقة وسط البلد في القاهرة حيث سكن أثرياء مجتمع العاصمة في ستينات القرن الماضي.

اعلان لبيجامة الكستور اعلان لبيجامة الكستور

يعمل في مهنة تفصيل البدلات والفساتين وبيجامات المنزل المصنوعة من الحرير والكستور، والتي ورثها عن والده، منذ ما يقرب من الـ10 أعوام.

في الماضي، كان عمل والده لا يتوقف، وفصَّل بحسب سعد، ملابس وبيجامات لأثرياء المنطقة وفقرائها الذين أعطتهم الحكومة القماش ضمن حصة التموين.

اليوم، ورغم ضعف حركة البيع والشراء، مازال هناك عائلات تعرفه وتطلب منه تفصيل الجلباب المصري المصنوع من الكستور وقبعته.

غالبيتهم من كبار السن، الذين ما زالوا يحافظون على عاداتهم القديمة ويقدرون المنتجات المصنوعة من الكستور.

البحث عن أيام الراحة والاستقرار

ارتبط الكستور في أذهان المصريين بفترات الراحة والاستقرار، ففي 2012 انتشرت مقولة "الكستور قبل الدستور" و "الكستور أولاً".

وقد بدأ المصريون بترديدها معبرين عن رفضهم لإعادة كتابة الدستور وقتها، ومطالبين الرئيس المصري حينها محمد مرسي، بالاهتمام بالفقراء قبل إعادة صياغة الدستور المصري.

ويبدو أن وزارة التضامن الاجتماعي المصرية تحاول إعادة شهرة قماش الكستور مؤخراً، فأعلنت عن توزيع الأقمشة للحالات المستحقة من الفقراء والأرامل والأيتام في مختلف المحافظات. ومن المتوقع أن يصل عددهم إلى 700 ألف أسرة مصرية قبل نهاية العام الحالي.

ما يعني أنه ما زال هناك من يلبس هذه البيجامات.

هم في الغالب الفقراء الذين يأخذون المعونات، والكبار الذين يتعلقون بعادات الماضي. أي أن رداء النوم الذي وحد أبناء الطبقات في أحد الأيام، أصبح شاهداً ودليلاً على الفروقات الطبقية.

أمنية المالكي

صحفية مصرية مهتمة بالصحافة الإنسانية

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي