الفنان عندما يصبح سياسياً... من نجدة أنزور إلى محمد عبد الوهاب

الفنان عندما يصبح سياسياً... من نجدة أنزور إلى محمد عبد الوهاب

كان لشيخ القبيلة ابن الوهاج ثلاثة أبناء هم الباشق وأسامة وعقاب، وابنة واحدة هي العنقاء. تقول القصة إن ابن الوهاج كان من أنبل شيوخ العرب إلى أن أتى رجل حاقد عليه وأقنع حكيم القبيلة أن يختبر قدرات أبناء ابن الوهاج خارج قبيلة والدهم.

وهكذا كان. جرى إرسال أبناء ابن الوهاج إلى جهات مجهولة ليعيشوا كالجوارح في أرض غريبة. خلق كل واحد منهم لنفسه عالماً، ظهر غرور أحدهم وسيطر الطغيان على آخر وقرر مهاجمة قبائل أخرى بعدما درّب أبناء القبيلة التي كان فيها.

بعدما أنهك ابن الوهاج المرض قرر الذهاب للبحث عن أبنائه. وجد أحدهم ثم بحثا معاً فوجدا شقيقاً آخر، في حين أن الشقيق الثالث لم يرتد عندما وصلوا إليه، وقد أصبح أكثر إخوته قسوة وبطشاً، فاضطر ابن الوهاج لقتله.

هي قصة مسلسل "الجوارح" الذي عُرض مطلع العام 1995، بتوقيع المخرج السوري نجدة اسماعيل أنزور. وهو المخرج الذي حملت اسمه مسلسلات سورية عدة، كـ "البواسل" و"الكواسر" و"إخوة التراب"، ومعظمها أعمال تاريخية ووطنية. حازت أعماله على شهرة واسعة وتابعها الجميع بشغف لا نظير له.

ولكن كما عنوان مسلسله الشهير "نهاية رجل شجاع"، رأى العديد من متابعي أنزور أنه وبعد العام 2011 انتهى به الحال لصناعة مسلسلات لا تخدم سوى الرواية الرسمية السائدة للنظام، ثم تحركت "الرمال" (حمل فيلم لأنزور انتقد فيه الملكية السعودية اسم "ملك الرمال"/ 2012) بأنزور إلى عالم السياسة، ليصبح في العام الماضي نائب رئيس مجلس الشعب السوري.

"فانية وتتبدد"، أسمى أنزور فيلمه عن "داعش" في العام 2015، لكن لا يبدو أن "جوارح سوريا"، دون استثناء، يقتربون من المصير الذي استقرأه أنزور لتنظيم الدولة الإسلامية، إذ لا يبدو أنها ستتوقف قريباً عن النهش في كل من حولها.

آخر فصول المسلسل إصدار مجلس الشعب قراراً يقضي بإعفاء هدية عباس من منصبها كرئيسة للمجلس وذلك بالأغلبية المطلقة لعدد أعضاء المجلس.

والحجة كانت، بحسب بيان المجلس، هي "تجاهل (عباس) كل قواعد الديموقراطية ومخالفة القانون" بعدما منعت عباس الأعضاء من تقديم مداخلاتهم و"تجاوزت رأي غالبية الأعضاء بالرغبة في نقاش بعض المواد بحسب مسؤولياتهم الدستورية، وأعلنت فجأة الانتهاء من نقاش مواد النظام الداخلي قبل الانتهاء منه فعلياً".

وعليه أصبح أنزور رئيساً بالإنابة حسب النظام الداخلي ويتولى كافة الصلاحيات إلى حين انتخاب المجلس لرئيس جديد.

شهدت السنوات الماضية تشرذماً عائلياً لدى الفنانين السوريين بين "مؤيد" و"معارض". غادر كثيرون سوريا دون إمكانية العودة قريباً بسبب تصريحات معارضة للنظام، وزار البعض مراكز التحقيق مراراً وتلقوا تهديدات. كما قرر جزء الوقوف بجانب النظام بكل جوارحه حفاظاً على امتيازات فنية في زمن إنتاجي صعب يعيشه فنانو سوريا، أو اقتناعاً وجدوا له أسباباً. وبعض هؤلاء قرّر خوض غمار السياسة.

فنانو سوريا ليسوا استثناء في ذلك، فالتاريخ حافل بحكايا مشابهة.

أقوال جاهزة

شارك غرد"الفنان إذا لم يكن فنانا فمن الممكن جدا أن يكون سياسيا"، الموسيقار محمد عبد الوهاب الذي عمل في السياسة

شارك غردزهير رمضان، صباح فخري، محمود المليجي، أمينة رزق وغيرهم تسلموا مناصب سياسية. لماذا؟

ممثل ومخرج... ونائب

خلال العام الماضي، أجرى مجلس الشعب السوري انتخاباته، بينما حجز القطاع الفني لنفسه أربعة مقاعد حصل عليها إلى جانب أنزور عن محافظة حلب، كل من الممثلين:

1- زهير رمضان عن محافظة اللاذقية، وهو نقيب الفنانين السوريين منذ العام 2014. ومنذ ذلك الوقت، أثار جدلاً واسعاً في مناسبات عدة، بدءاW من ملاحقة تصريحات الممثلين السوريين وصفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي وتهديده بفصل ممثلين من النقابة وإحالتهم إلى المجلس التأديبي، وصولاً إلى مشكلته مع الممثلة اللبنانية سيرين عبد النور التي منعها من دخول سوريا على خلفية زيارتها لمخيمات اللاجئين في لبنان قائلاً إن عليها الاعتذار فـ"كل ممثل لديه استحقاقات عليه أن يدفعها، وكل من يخطئ بحق سوريا عليه أن يعتذر".

وتحدث كثر عن تحول "النقيب" إلى "جلاد"، مستعيدين دوره في شخصية "أبو جودت" في باب الحارة، الذي ينقلب على أبناء بلاده لمصالحه الخاصة، خاصة بعد قوله إن "كل شخص لم يدل بأي تصريح يحرض على سوريا سنضمن عودته بكل الوسائل الممكنة… ولكن كل شخص أساء لرموز السيادة في سوريا ستشمله القائمة، أي كل شخص أساء للعلم السوري والجيش والنشيد الوطني وشخص رئيس الجمهورية".

2- عارف الطويل عن محافظة ريف دمشق، وهو كان قد انتسب لنقابة الفنانين في العام 1986، واستلم رئاسة "مكتب الدراما" في النقابة لسنوات، وكان قد شارك في مسلسلات سورية عديدة، قبل أن يغادر سوريا ويبدأ رحلة إخراج مسلسلات خليجية. لكنه في السنوات الماضية كرس مجهوده "لخدمة الوطن الذي يحتاج أبناءه"، حسب ما قال.

3- المخرج توفيق اسكندر عن حمص، وكان قد شارك في العديد من المسرحيات والمسلسلات السورية، تمثيلاً وإخراجاً. وبعد الحرب انتشرت له صور بالبدلة العسكرية وسلاح الكلاشنكوف، واتهمه البعض بالتحول إلى قناص.

في حين فسر هو ذلك، بعد فوزه بالانتخابات، بالقول "إيماني بالجيش العربي السوري الذي انخرطت في صفوفه طيلة السنوات الخمس من زمن الحرب وهمومه والحفاظ عليه كمؤسسة هي الأقوى لاستمرار وجوده وبالتالي لاستمرار عزة ومناعة الوطن هو الهدف والغاية في المرحلة القادمة".

عموماً، كان للفائزين الأربعة رؤى تشابهت في طروحاتهم الانتخابية بين الدفاع عن أرض الوطن في وجه "الإرهاب" الذي يضربها، وبين تحسين ظروف الفنانين السوريين من خلال التشريعات وتسليط الضوء على مشاكلهم.

ليسوا الوحيدين

قبل هؤلاء، كان الفنان السوري صباح عبيد، الذي استلم بدوره رئاسة نقابة الفنانين، قد دخل إلى مجلس الشعب وسلك مساره السياسي، إلى أن توفي في العام 2013.

عبيد، الذي ذاع صيته في الثمانينات واشتهر كذلك بلعب دور البطولة في "الجوارح"، عرف بـ"غضنفر الشاشة العربية" بالنسبة لقوة بنيته وأدواره في المسلسلات التاريخية.

في إحدى لوحات "بقعة ضوء" التي شارك فيها عبيد، لعب دور نائب في البرلمان. كان قبل دخوله إليه يعرف بصوت قوي جداً ومزعج، ولكنه ما أن يصبح تحت القبة يختفي صوته تماماً.

عندما نجح عبيد في أن يصبح نائباً فعلاً، في دورتي 2008 و2012، استعاد منتقدوه تلك اللوحة ليعايروه باختفاء صوته في البرلمان بشأن مشاكل الدراما السورية والمشاكل السورية عموما.

أقيل عبيد من منصبه بعدما صرح بأنه نادم على دخول البرلمان، وخسر انتخابات مجلس الشعب لاحقاً رغم تأييده العلني الشديد للنظام السوري. وعن تجربته في نقابة الفنانين، التي تولاها خلال فترته النيابية، فهي الأخرى كانت مثيرة للجدل، إذ أعلن مرة عن منع هيفاء وهبة وإليسا وروبي من الدخول إلى سوريا لأنهن "يشوهن ذائقة الجمهور".

ومن الفنانين الذين أصبحوا نواباً كان صباح فخري، وذلك إثر انتخابه في دورة العام 1998، والذي جاء حسب ما قيل حينها "استكمالاً لدوره الريادي الفني والقومي"، لكن فترته لم تكن تشهد الانقسام السوري الحاد المعلن ولم تكن وسائل التواصل والأخبار منتشرة بهذا الشكل، وبالتالي لم يكن الفنانون السياسيون تحت المجهر كما اليوم.

"رائد الشورى"،"الفرعون" و"أقدم برلمانية"

الفن إذ يغادر الشاشة والمسارح ليلاقي الجمهور الأكبر، يجد في السياسة وسيلة مثالية للوصول، سواء بالتصريح والاصطفاف في أيام الأزمات تحديداً، وسواء بلعب أدوار أكبر يسهلها الزواج التقليدي الذي يجمع الفن بالسياسة وعلاقات الصداقة والمصلحة التي تنشأ بينهما عادة.

عبّر فنانون عن ندمهم على التجربة السياسية، دفع آخرون ثمناً لها، وتمسك البعض الآخر بها وكافح من أجلها

مصر كانت ساحة غنية لمشاركة فنانين كثر في الحياة السياسية، ويُعرف الفنان محمود المليجي بأنه "رائد فناني مجلس الشورى"، إذ معه كانت البداية لمسار طويل من استلام فنانين مناصب رسمية.

عندما قرر الرئيس أنور السادات إنشاء مجلس الشورى (علماً أن صلاحياته محدودة) ارتأى مستشاروه تعيين بعض رموز الفن فيه لـ"تزيينه". وتم اختيار المليجي، أحد رموز السينما المصرية، في العام 1980 ليكون عضو مجلس شورى، في مفاجأة تحدثت عنها الأوساط الفنية طويلاً.

بعد ذلك كرت السبحة فدخل عبد الوهاب، صديق السادات ومسؤولين آخرين خلفاً للمليجي، وظهر بالزي العسكري يقود معزوفة السلام الوطني بعد توقيع معاهدة "كامب ديفيد" في السنة ذاتها. وعندما توفي أمر الرئيس المخلوع حسني مبارع بتشييع جنازته بشكل عسكري تقديراً لجهوده الفنية.

وخلفت الممثلة أمينة رزق "موسيقار الأجيال" في "الشورى"، ومنحها الرئيس عبد الناصر وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى تقديراً لجهودها الوطنية، ثم دخلت إلى المجلس بعدها مديحة يسري.

وفي مجلس الشعب كان لفناني مصر تواجدهم، من حسين صدقي إلى فايدة كامل التي دخلت نائبة عن "الحزب الوطني" واستطاعت الاحتفاظ بالكرسي لأكثر من ثلاثين عاماً، لتصبح أقدم برلمانية، وصولاً إلى حمدي أحمد الذي قال عن تجربته "أهم إنجاز شخصي حققته هو أنني عندما دخلت مجلس الشعب سياسياً خرجت منه ممثلاً لأنه مجلس تمثيل، والذي يدخل التاريخ فقط هو الفرعون وهذا ما تعودنا عليه كمصريين. فالشعب المصري دائما ما يصنع المعجزات ويخطوها الفرعون باسمه على جدران المعابد".

وعبّر البعض عن ندمانه على الإقدام على التجربة كحسين صدقي الذي اتهم المسؤولين بتجاهل اقتراحاته، فيما البعض الآخر عاشها وتمسك بها.

ترامب وشوارزنغر وبرلسكوني كذلك

قبل أن يصل ترامب إلى البيت الأبيض، كان وجهه مألوفا ليس فقط كرجل أعمال بل كممثل ظهر غالباً بشخصيته الحقيقية كضيف شرف في أفلام كـHome Alone وSex and The City.

بدوره، انتقل آرنولد شوارزنغر من عالم الرياضة إلى عالم التمثيل وجذب أنظار منتجي أفلام الحركة فكان أشهر أدواره "الرجل الآلي" في فيلم "The Terminator". وفي العام 2003، انتقل من التمثيل إلى السياسة ونال منصب حاكم ولاية كاليفورنيا لولايتين متتاليتين في العام 2003 والعام 2006. ثم قرر العودة إلى السينما.

وربما لا يعرف كثر أن برلسكوني قبل وصوله إلى رئاسة الحكومة في إيطاليا، عاش فترة من حياته فناناً استعراضياً مغموراً.

هكذا يبدو أن جملة الموسيقار محمد عبد الوهاب الشهيرة بأن "الفنان إذا لم يكن فناناً فمن الممكن جداً أن يكون سياسياً" تنطبق في حالات عدة، أما الحديث عن صحتها وأخلاقيتها، لا سيما في أوقات الأزمات والمحطات المفصلية، فله مساحة نقاش أخرى، شديدة التعقيد.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

كلمات مفتاحية
السياسة الفن

التعليقات

المقال التالي