مصر لا ترحب بمرضى الإيدز الأجانب على أراضيها بعد اليوم...

مصر لا ترحب بمرضى الإيدز الأجانب على أراضيها بعد اليوم...

على عكس دول العالم المتقدم التي تتعامل مع المرضى المتعايشين مع فيروس HIV (فيروس العوز المناعي البشري) باعتبارهم مصابين بمرض مزمن يمكن التحكم فيه عن طريق علاجات مخصصة، تتعامل الدول العربية مع المرضى أنفسهم باعتبارهم خطراً يسير على قدمين.

فبينما تمنع دول الخليج دخول الحاملين للفيروس من غير مواطنيها إلى أراضيها من الأساس، دخلت مصر على الخط بقرار جديد ستقوم على إثره الجهات المختصة بترحيل أي مواطن غير مصري تثبت التحاليل إصابته بالفيروس.

علمياً هناك فرق بين المصاب بفيروس HIV وبين المصاب بمرض الإيدز، حيث يمكن للمتعايش مع الفيروس أن يعيش حياة طبيعية ما دام يحصل على علاجه، وبالتالي قد لا ينتقل لمرحلة الإيدز التي تعد المرحلة الأخيرة للمصابين بالفيروس.

لكن أغلب الدول العربية، ومنها مصر، تطلق على المصابين بالفيروس لقب "مرضى الإيدز".

ومؤخراً أكد عمرو قنديل، رئيس قطاع الطب الوقائى بوزارة الصحة والسكان، في تصريح رسمي لوسائل إعلام مصرية أنه سيتم ترحيل أي أجنبي فور إثبات إصابته بفيروس HIV من مصر.

وفي اتصال هاتفي مع رصيف22 أكد قنديل الخبر قائلاً: "نعم سنقوم بذلك فوراً".

وتشترط القاهرة على أي أجنبى يتقدم بإقامة أو عمل أو دراسة فى مصر أن يقدم للجهات المختصة أوراقاً من ضمنها تحليل فيروس HIV، وإذا ثبت إصابته بالمرض سيتم ترحيله إلى البلد القادم منها.

لا يمكن أن أعود إلى بلدي...

يقول عادل وهو شاب سوداني يعيش في القاهرة وفضل عدم ذكر اسمه كاملاً إنه كان يحصل على علاجه رغم أنه أجنبي، لكن بعد هذا القرار لن يذهب لوزارة الصحة خوفاً من القبض عليه ومن ثم ترحيله.

"لا يمكن أن أعود إلى بلدي حيث الحروب الأهلية وعدم الاهتمام بالمرضى المتعايشين مع فيروس HIV، أعمل في مصر منذ سنوات، وهنا يعيش أهلي".

لكن مصدر بالبرنامج القومي لمكافحة الإيدز بمصر قال لرصيف22 أن البرنامج لن يقوم بالإبلاغ عن أي مريض، لكن في نفس الوقت قد لا يمكن صرف علاجات لهم.

ويقول الطبيب المصري عمرو جوهر المختص بعلاج المتعايشين مع فيروس HIV في مصر أن توقف المريض عن تناول علاجه يسبب خطر على حياته.

وأضاف "مرضى HIV باتوا أقرب لمرضى أي مرض مزمن آخر مثل الضغط والسكر، يجب أن يتناولوا علاجهم بشكل مستمر مدى الحياة".

وتوفر وزارة الصحة العلاج مجاناً للمتعايشين مع الفيروس، ويقومون بصرفه شهرياً من منافذ عدة، منها مستشفى حميات العباسية.

لكن بعض المرضى اختاروا أن يحصلوا على علاجات أحدث من منظمة أمريكية ترسلها لهم كل ثلاثة أشهر مجاناً، لكنهم يتحملون مصاريف الشحن، وكثيراً ما يواجهون مضايقات من قبل الجمارك المصرية.

ويرى جوهر أن قرار ترحيل الأجانب المعلن قد لا يكون بالضرورة تمييزاً أو وصماً ضد المرضى، لكنه قد يكون بسبب عدم قدرة الحكومة المصرية على توفير موارد مالية كافية لإعطاء أعداد كبيرة من المصابين العلاجات مجاناً.

انتهاك لحق المرضى

يقول المحامي والحقوقي المصري أحمد أبو المجد إن قرار الحكومة المصرية بترحيل الأجانب المصابين بالفيروس يعد انتهاكاً لحق من حقوق الإنسان وهو حق الانتقال والسفر.

كما أن إلزامهم بإجراء التحاليل انتهاك آخر لحقهم في الخصوصية، وأن إجبارهم على إجراء تحاليل يتعارض مع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

وبحسب أبو المجد، فإن حرمان المتعايشين من العمل يعتبر مخالفة لاتفاقيات منظمة العمل الدولية التي وقعت عليها مصر.

"ملاحقة الأشخاص المتعايشين مع الفيروس بهذه الطريقة المهينة لا تساعد على حصار الفيروس، بل على العكس ستساعد على انتشاره بسبب محاولة المتعايشين التخفي من الملاحقة، وهو ما سيؤدي لانتشار المرض أكثر"، يقول أبو المجد.

ويطالب المحامي والحقوقي بتوفير الدعم المادي والمعنوي والعلاج للجميع دون وصم لحصار الفيروس. مشيراً إلى أن تجارب الدول الأوربية التي انتهجت حماية ومساندة المتعايشين كانت سبباً فى تراجع نسب الإصابة.

"المتعايش مع فيروس نقص المناعة المكتسب إنسان مريض مثل أى مريض آخر يحتاج العناية والدعم وليس الملاحقة والمطاردة"، يؤكد أبو المجد

ويختم "المرض ليس جريمة تستحق العقاب، ومعاقبة المرضى يعد جريمة ضد الإنسانية وأمراً يتضمن إساءة لسمعة مصر كدولة وشعب".

أقوال جاهزة

شارك غرد"لا يمكن أن أعود إلى بلدي حيث الحروب الأهلية ولا اهتمام بالمتعايشين مع فيروس HIV، أعمل في مصر منذ سنوات، وهنا يعيش أهلي"

شارك غردأكد عمرو قنديل أنه سيتم ترحيل أي أجنبي مصاب بفيروس HIV من مصر وقال لرصيف22: "نعم سنقوم بذلك فوراً"

نداء إلى السيسي

يتمنى عادل أن تتراجع الدولة المصرية عن قرارها، ويطالب الرئيس المصري بأن يتدخل لإنقاذ أعداد كبيرة من الأجانب المتعايشين في مصر.

"أنا مجرد مريض ولست خطراً على الشعب المصري"، يقول عادل بحزن.

ومشاكل أخرى يواجهها المتعايشين في مصر

ففي أغسطس من العام الماضي التقى رصيف22 بشهاب (لم يرغب بذكر اسمه كاملاً) الذي قال إنه شعر برعب وخوف حين علم بإصابته بفيروس HIV قبل أن يتقبل الفكرة ويكتشف أن المرض بات مثل أي مرض مزمن آخر.

"أتعايش مع الفيروس منذ سنتين. تضحكني الصورة الذهنية السخيفة المرسومة عن حامل الفيروس، إذ يتوقع الناس أن يكون نحيلاً جداً، أو يلفظ أنفاسه الأخيرة"، يقول لرصيف22.

يضيف الشاب مبتسماً: "لا تظهر علي أي أعراض من أي نوع، لست خطراً عليك، ولن تراني وأنا أبكي وأحدثك عن ندمي وأعطي نصائح للناس كيف يقتربون من الله وإلخ إلخ... أنا بخير، وسعيد، وحياتي عادية جداً، وأحب الاستماع إلى أغاني محمد منير".

اكتشف شهاب أنّه يحمل فيروس نقص المناعة المكتسبة HIV في العام 2014، بعدما زار مقر "خدمة المشورة والفحص الطوعي الخاص بالإيدز"، التابع لـ"البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز" (حكومي).

كان المقر يقع في المعامل المركزية في وسط القاهرة حينها، قبل أن ينتقل إلى مستشفى الحميات في العباسية.

يقول شهاب إن المشكلة الأكبر التي يواجهها في مصر ليست مع المرض نفسه، بل مع نظرة الناس له، ومع تعنت حكومي يجبره على دفع مبالغ مالية مقابل الإفراج عن شحنات علاجه الذي يصله مجاناً كل ثلاثة أشهر.

الهروب من علاج وزارة الصحة

توفر وزارة الصحة علاج الإيدز مجاناً للمرضى المصريين، ويستلمونه شهرياً من عدة منافذ تابعة لوزارة الصحة في القاهرة والمحافظات. لكن شهاب يتجنّب الذهاب إلى مقر الوزارة، حيث يطلبون هويته الشخصية، وهو يفضل الحفاظ على خصوصيته.

علماً أن فرصة أن يقابل شخصاً يعرفه أثناء دخوله أو خروجه من المبنى واردة، وهذا بالنسبة له كابوس. "هناك وصمة عار حقيقية وعدم فهم للمرض، هذا سري ولا أريد لأي إنسان أن يعلم به".

بحث شهاب عن طبيب خاص ليعالجه، فنصحه باللجوء إلى منظمة خيرية أمريكية تدعى Aid For AIDS International توفر علاجاً حديثاً للمتعايشين مع الفيروس مجاناً.

تواصل شهاب مع المنظمة الأمريكية التي طلبت منه تقارير طبية وشهادات من الطبيب المعالج، وعدة تحاليل للدم والكبد والكلى.

وبعدما جهّز كل الوثائق المطلوبة، وافقت المنظمة أن ترسل له كل ثلاثة أشهر ثلاث عبوات من علاج Stribild، وهو علاج حديث، يتناول منه المريض يومياً قرصاً واحداً.

وصلت أول شحنة من الدواء لشهاب في العام 2015، عن طريق شركة شحن شهيرة.

يتكفل المريض فقط بمصاريف الشحن، لكن حين وصلت الشحنة الثالثة اكتشف شهاب أن وزارة الصحة المصرية أصدرت قراراً برفع قيمة ما يطلق عليه "رسوم صيدلة" على أي علاج يأتي من الخارج.

فبعدما كانت تلك الرسوم تبلغ 10 جنيه فقط، أي أقل من دولار واحد، أصبحت 900 جنيه، أيّ قرابة 100 دولار. ولا يسمح بخروج علاج شهاب المجاني من الجمارك المصرية في مطار القاهرة قبل أن يسدد تلك الرسوم.

قدم شهاب تقارير تؤكد أن العلاج مجاني من الأساس، وبالتالي يجب ألا يدفع أي مصاريف، لكنّ إدارة الجمارك رفضت، وأصرت على الدفع لتسليمه العلاج.

في مصر متعايشون كثر مع فيروس نقص المناعة المكتسبة، يلجأون إلى المنظمة الأمريكية ذاتها التي يتعاون معها شهاب. معظمهم يواجه الأزمة نفسها، ومنهم عادل (34 عاماً) الذي يعمل بائعاً في أحد معارض بيع الأثاث، والذي لم يستطع دفع الزيادات التي أقرتها وزارة الصحة، وتوقف عن استلام علاجه.

ورافق رصيف22 رحلة شهاب لحل أزمته مع وزارة الصحة، وتسلم علاجه من الجمارك في المطار.

يحلم شهاب وغيره ممن يحصلون على علاجهم عبر المنظمة الأمريكية، أن تتراجع الوزارة عن قرار زيادة الرسوم المالية على الدواء المجاني أيضاً.

فوضى الأرقام

من الصعب الحصول على أرقام دقيقة حول المتعايشين مع الإيدز في مصر. تؤكد بعض جمعيات المجتمع المدني أن هناك عشرات آلاف الحالات، في حين تقول وزارة الصحة إن العدد لا يزيد عن سبعة آلاف.

لا تصدر الوزارة إحصاءات رسمية بشكل دوري. وقبل سنتين، بيّن تقرير "للجمعية المصرية لمكافحة مرض الإيدز" (غير حكومية) أن عدد المتعايشين وصل إلى 8800 عام 2014، يحصل 2147 منهم على علاج مجاني من وزارة الصحة. ويقول أحمد صفوت مدير المعامل المركزية إنه تمّ اكتشاف 1163 حالة في العام 2015 فقط، إضافة إلى مئات الحالات التي اكتشفتها المعامل المركزية هذا العام.

ويقول الدكتور إيهاب الخراط، مدير برنامج الحرية من الإدمان والإيدز، إن حالات الإصابة المكتشفة في مصر تراوح بين 1 و2% من الحالات الفعلية.

ويقول الدكتور وليد كمال مدير برنامج المكافحة إن المصابين في مصر يمكن تقسيمهم إلى 82% من الرجال، و18% من السيدات، وإن من بين هذه الحالات 19% حالة انتقل إليها المرض عن طريق العلاقات الجنسية المثلية، و39% عن طريق تعاطي المخدرات، و40% بطرق أخرى، و2% من أمهات لأطفال.

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

التعليقات

المقال التالي