ماذا لو كنا منجذبين لامرأة ورجل في الوقت نفسه؟

ماذا لو كنا منجذبين لامرأة ورجل في الوقت نفسه؟

يستيقظ هاني بعد منتصف الليل، ينظر في عيني زوجته التي يعشق ليتأكد أنها نائمة، ثم في شاشة هاتفه للتحدث إلى حبيبه الذي يقيم علاقة سريّة معه منذ فترة. يخاف هاني أن تكشف زوجته علاقته تلك، ليس خشية وسم الخيانة وحسب، بل لأنه سوف يتهم بأنه مثلي الجنس، وسيخسر حبّ زوجته واحترام المجتمع، وربما العلاقة مع حبيبه أيضاً.

لذلك هو يعيش حياة عاطفية جنسية مزدوجة، يقسم قلبه بين امرأة اختارها زوجة وأماً لأولاده وعشيق يجذبه إليه شغف مجنون يجعله يسرق من يومه ساعة أو أكثر كلما استطاع ليغرقا معاً في التعبير عن حبهما بعيداً عن عيون الناس وأحكامهم.

لطالما لاقت مسألة "ازدواج الميول الجنسية" أو Bisexuality جدلاً كبيراً. منهم من يعتبر أنهم أشخاص مضطربو الهوية الجنسية ويجب مساعدتهم على الاختيار بين الانجذاب للجنس الآخر أو للجنس نفسه. ومنهم من يضعهم في خانة مثليي الجنس، على أساس أن انجذابهم للجنسين معاً هو نقطة عبور بين السوية والمثلية الجنسية، وأنهم، إن أعطوا حرية الاختيار بعيداً عن الخوف من أحكام المجتمع لاعترفوا أنهم مثليّو الجنس.

ما مدى صحة تلك المعتقدات؟ هل يستطيع المرء أن يحبّ شخصين من جنس مختلف؟ وما مدى فعالية العلاجات النفسية في العالم العربي التي تهدف إلى تغيير هويتهم الجنسية وجعلهم "أسوياء"؟

أسئلة كثيرة وهوية ضائعة

إلى من ينجذب الأشخاص المزدوجو الهوية الجنسية أكثر؟ الرجال أم النساء؟ هل يتزوجون عن حب أم لأنهم خائفون من أن يكشف سرّهم؟ هل هم مرضى؟ مثليون؟ ماذا عن الشريك أو الشريكة إن اكتشف/ت ذلك؟ نموذج ضئيل من أسئلة كثيرة يطرحها المجتمع عنهم ولكن ليس المجتمع فقط.

هم أيضاً يسألون ويتساءلون. صحيح أن الهوية الجنسية للفرد تتحدد منذ الصغر، وصحيح أيضاً أن مؤثرات عدّة تساهم في تحديدها مثل التركيبة الفيزيولوجية والنفسية والتربوية لاحقاً. فيكتشف الشخص ميله الجنسي في أولى سنين المراهقة أو بعدها بقليل ويتقرر ميله سواء للجنس الآخر أو لأبناء جنسه.

أما لدى الأشخاص مزدوجي الميول الجنسية، فالفرق بين الهوية الجنسية والهوية الفردية والانجذاب الجنسي يبقى مبهماً في البدء، لأنهم يحاولون تصنيف أنفسهم في خانة ما، إرضاءً للطبيعة والمجتمع وليستطعوا الثبات في علاقة مع شخص واحد. فالأمر أصعب حين يكون الانجذاب الجنسي مزدوجاً.

أكون مع رجل أو امرأة، أو الاثنين معاً؟ سؤال عنونته دراسات عدّة متضاربة، منها من ألقى اللّوم على غياب الأبحاث العلمية التي توضح الأسباب الكامنة خلف الخيار الجنسي للأشخاص المزدوجي الميول الجنسية، ومنها دراسة اعتبرت أن الأهواء الجنسية للشخص أكثر تعقيداً من أن تصنّف في خانة محددة. فلكل شخص خصوصية ميوله ورغباته وخيالاته الجنسية المتعددة، والتي قد تظهر للعلن أو تبقى مكبوتة.

أقوال جاهزة

شارك غردعدد قليل قادر على إقامة علاقات في الفترة نفسها مع الجنسين، معظم ثنائيي الجنس يتنقلون بين الأولى والثانية

شارك غردالأهواء الجنسية أكثر تعقيداً من أن تصنّف في خانة محددة. فلكل شخص خصوصية ميوله وخيالاته الجنسية المتعددة

دراسة أخرى مختلفة التوجه اعتبرت أن على الأشخاص المزدوجي التوجه الجنسي أن يتخذوا قراراً، وإن اختاروا أن يبنوا علاقة مع شخص من جنس معيّن، فعليهم أن يتسمكوا بقرارهم، ولا يمشون خلف رغباتهم التي إن خضعوا لها عقّدت حياتهم. ونصحت الدراسة القراء المعنيين أن يحضّوا هؤلاء الأشخاص على اعتماد وجهة جنسية واحدة والتمسك بها.

لكن هل الأمر في هذه السهولة أن يعيش المرء في ازدواجية دائمة وضياع بين ما يحب وما يجب. بين امرأة ورجل. بين إخلاصه لشريكه وانجذابه للجنس الآخر؟

كيف يحدد الإنسان توجهه؟ وهل يضحي بلذة الارتباط لعيش حياة مزدوجة أو يعيش متخفياً؟

INSIDE_Bisexulaity2

"أحبهما بالقدر نفسه"

"لا أنجذب للشخص حسب جنسه. عاطفته لي هي التي تجذبني"، يقول ماهر، الذي يبحث عن الحب من أي جهة أتى، من امرأة أو رجل.

يضيف ماهر: "أنجذب جنسياً للرجل كما للمرأة. لكنني حين أشعر بالاهتمام والحب أنجرف عاطفياً مع أي كان، مهما كانت هويته الجنسية".

"ارتبطت بزوجي عن حب والآن أنا حامل منه. لكنّني منذ أن رأيتها في محلّ لبيع ثياب الأطفال لم أعد أستطيع احتواء مشاعري. أصبحنا نقضي معظم أوقاتنا معاً. يعتقد زوجي أننا مجرد صديقتين. لكن علاقتنا أعمق بكثير"، تقول ياسمين، معتبرةً أن علاقتها المستجدة مع صديقتها تساعدها على تحمل أعباء زواجها، رغم حبّها واحترامها لزوجها. وترى أنها محظوظة، ولا تعتقد أن هناك ضرورة للاختيار بينه وبينها، لأن الوضعين يشعرانها بالسعادة والاكتفاء.

اللافت أن ياسمين أكدت أن حياتها الجنسية ليست مزدوجة، بمعنى أنها بالرغم من إقامتها علاقة مع شخصين من جنسين مختلفين، فهي تخلص جنسياً لشخص واحد. وذلك أمر أشارت إليه دراسة تدحض فكرة الازدواجية الجنسية، معتبرةً أن عدداً قليلاً جداً قادر على إقامة علاقات جنسية في الفترة نفسها مع الجنسين، وأن معظم الأشخاص المزدوجي التوجه الجنسي يتنقلون بين العلاقة الأولى والثانية، ما يشكل عليهم ضغط الانكشاف في مجتمع هم فيهم أقلية، ليس فقط مقارنة بالأشخاص الأسوياء جنسياً بل بالنسبة للمثليين أيضاً.

إذ ذاك يستيقظ لديهم شعور الوحدة والانعزال لأن الآخر غير قادر على فهم حاجاتهم ولا هم قادرون على التعبير عن أنفسهم خوفاً من أن يرجموا.

هل يمكن "إصلاح" الأشخاص المزدوجي التوجه الجنسي؟

INSIDE_Bisexulaity

يلجأ العديد من الأشخاص المزدوجي الميول الجنسية في العالم العربي إلى العيادات النفسية أو الشيوخ، إما يصطحبهم الأهل لتغيير ميلهم الجنسي وجعلهم أسوياء، وإما لمحاولة اكتشاف ميلهم الجنسي. وتتعدد العيادات الهادفة إلى معالجة تلك الحالة على أنها مرض.

وقد اعترف بضعة أشخاص بأنهم لجأوا لهذا النوع من العلاجات، الذي لم يفدهم بشيء، بل زاد من ضياعهم وخوفهم لأنهم باتوا متأكدين أنهم مرضى، ومحكومون أن يعيشوا حياتهم وهم يخونون. بينما يلجأ أشخاص آخرون إلى العيادات النفسية التي تعمل على إعادة ثقتهم بالذات المفقودة، نتيجة اعتقادهم أنهم قد يكونون مرضى، ولمساعدتهم على التعامل مع مخاوفهم واكتشاف هويتهم، أي للتصالح مع ثنائيتهم الجنسية والتعامل معها بسلام من دون الانجراف خلف التزامات اجتماعية عن غير قناعة تزيد من خوفهم واضطرابهم.

علماً أن هدف الإنسان الأول مهما كانت ميوله هو الشعور بالسعادة، التي تتحقق فقط عندما يكون هناك تجانس بين الرغبات والسلوك جنسياً أو اجتماعياً. خطوة أولى لمساعدة هؤلاء الأشخاص على تقبّل أنفسهم والعيش بسلام، هي احترام الاختلاف في كل الأمور، منها الممارسات والرغبات والميول الجنسية وترك لهم حرية الاختيار، فإما أن يتعايشوا مع ميولهم ويرتبطوا بشخص قادر على تجسيد دور مزدوج، وإما أن يرتبطوا بشريك أو شريكة يتقبل هويتهم الجنسية، ويترك لهم حرية الممارسة الجنسية خارج العلاقة، خياران من بين خيارات أخرى عديدة...

يبقى أن الأساس هو في الابتعاد عن التصنيف الذي لا يفيد أحداً بل يزيد من ميل مزدوجي الميل الجنسي إلى الاضطراب النفسي.

ستيفاني غانم

أخصائية في علم النفس العيادي والتحليل النفسي. تقدم فقرة أسبوعية ضمن برنامج “ببيروت” على قناة LBCI الفضائية.

التعليقات

المقال التالي