احتلت القذائف حدائق دمشق وتحول "التابلت" إلى ملعب لأطفالها

احتلت القذائف حدائق دمشق وتحول "التابلت" إلى ملعب لأطفالها

مع كل إعلان للهدنة ووقف إطلاق النار في دمشق ومحيطها، تسارع آلاف العائلات للخروج للشوارع والحدائق، مستغلةً الهدوء الذي يعم أرجاء المدينة، ويعني فسحة جديدة لهم للتنزه مع أطفالهم الذين يقضون تلك الساعات في اللعب والتسلية.

فمنذ اندلاع المعارك في محيط دمشق عام 2012، تحوّلت معظم أحيائها –وخاصة القريبة من مناطق الاشتباك- إلى مسرح لتساقط قذائف الهاون والرصاص المتفجر وطلقات الرصاص العشوائية، والتي حوّلت تلك الأحياء في كثير من الأيام لسجن كبير يضطر سكانه لالتزام منازلهم خوفاً من موت أعمى يمكن أن يصيبهم أو يصيب أطفالهم في أي لحظة.

وحرم ذلك معظم أطفال المدينة لأشهر طويلة من مساحات آمنة –هي في الأساس قليلة العدد- يستطيعون فيها اللعب بالحرية التي يرغبون فيها.

كما شكّل عبئاً إضافياً على الأهالي الذين باتت خياراتهم لتسلية وترفيه أطفالهم محدودة للغاية، وتحوّلت الألعاب الالكترونية لملاذ يلجؤون إليه كلما ضاقت بهم السبل.

لتكون طفولتهم مختلفة عن تلك التي عاشها أهلهم على مختلف الصعد، وهو ما تتحدث عنه رانية سالم، ربة المنزل التي تقطن حي التجارة شرق دمشق مع زوجها وأطفالها الثلاثة.

وقد أوردت إحصائيات الأمم المتحدة في تقريرها الصادر بشأن الاحتياجات الإنسانية في سوريا للعام 2017، أن هناك2.9 مليون طفل سوري دون سن الخامسة لم يشهدوا في حياتهم سوى النزاع.

فيما يحتاج أكثر من 5.8 مليون طفل دون سن الـ18 لمساعدة إنسانية بما فيها خدمات الحماية المتخصصة.

الإدمان الإلكتروني

تقول سالم إن ألعاب الهاتف المحمول والأجهزة اللوحية وحتى أجهزة الحاسب باتت وسيلتها الوحيدة لتسلية أطفالها الذين يقضون جزءاً كبيراً من وقتهم داخل المنزل خاصة خلال فصل الصيف.

"تحوّل فصل العطلة إلى شبه سجن لأولادي الثلاثة مع استمرار المعارك في أحياء شرق العاصمة المتاخمة لمنطقتنا. لا أجرؤ على إرسالهم للعب في الحدائق أو الشوارع وقد تعرضوا عدة مرات لحوادث تساقط قذائف هاون وطلقات رصاص متفجر قريباً منهم، ويدفعني ذلك حتى لعدم إرسالهم للمدرسة في بعض الأحيان عندما تكون الاشتباكات محتدمة على مقربة منّا"، تقول لرصيف22.

وترى السيدة الأربعينية أن الألعاب الألكترونية بدأت تتحول لشبه إدمان لأطفالها، خاصة الصغير البالغ من العمر ستة أعوام.

"يفاجئني ابني أمجد بقدرته على اختيار ما يعجبه من الألعاب وتحميلها واللعب بها دون مساعدة أحد. أخشى من تأثير هذه التكنولوجيا على أطفالي بشكل سلبي، لكنها وسيلتهم الوحيدة للتسلية خاصة مع انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة مما يحرمهم من متعة مشاهدة الرسوم المتحركة عبر التلفاز".

ولا تخفي سالم لومها لنفسها في بعض الأحيان على قلة صبرها وعدم محاولتها مقاومة ذلك الإدمان، "فكثيراً ما أستسلم لبكاء الأطفال الذي يكون وسيلتهم الوحيدة للضغط عليّ كي أقبل باستمرارهم في حمل الأجهزة الالكترونية ساعات طويلة رغم معارضتي لذلك، لكن الضغوط النفسية التي نعيشها كل يوم تحد من قدرتي على مسايرتهم وابتكار حلول لإلهائهم وتسليتهم".

الألعاب الإلكترونية والهواتف الذكية ليست خيار جميع فئات المجتمع، فشراؤها مكلف وليس متاحاً لفقراء المدينة أو حتى بعض أبناء الطبقة الوسطى الذين أنهكتهم الحرب اقتصادياً.

ما يعني أن أطفالهم بلا تسلية، ويبقى التلفاز بأخباره العنيفة والشارع بخطره وفساده، هما خياراتهم الوحيدة.  

أقوال جاهزة

شارك غرد ألعاب الهاتف المحمول والأجهزة اللوحية وحتى أجهزة الحاسب باتت الوسيلة الوحيدة لتسلية الأطفال في دمشق

شارك غردشاشات وقذائف كثيرة. حدائق وطفولة قليلة.... ما مصير أطفال تلتصق عيونهم "بالتابلت"؟

حينما يبتعد الأطفال عن الإلكترونيات

ترصد سلمى –التي فضلت الحديث باسمها الأول فقط- التغيرات الإيجابية في حياة عائلتها منذ أن انتقلت إلى منزل بجانبه حديقة يلعب بها أطفالها.

"خلافات أطفالي أصبحت أقل عنفاً وتواتراً، كما أن حياتهم أصبحت أسهل وأكثر مرحاً"، تقول لرصيف22.

هذه الآثار الإيجابية التي تتحدث عنها سلمى، تؤكدها المدرّسة ومدربة الدعم النفسي والاجتماعي هبة التشة، والتي تتحدث لرصيف22 عن أهمية اللعب كحاجة ضرورية لنمو الأطفال فكرياً وجسدياً وعاطفياً، "وهو ما يحرم منه الأطفال عند غياب المساحات الآمنة كما يحدث اليوم في دمشق، فيتجهون للألعاب الألكترونية ذات الآثار السلبية الخطيرة".

وتتمثل تلك الآثار وفق المتحدثة في أضرار على صحة ذاكرة الإنسان على المدى البعيد، والعديد من حواس وأعضاء الجسم كالعينين وعضلات العنق والظهر والكتفين.

إضافة إلى كسل وخمول وإجهاد الدماغ، وذلك بسبب خصوصية تلك الألعاب والتحديق المستمر في الشاشة، إضافة للإضاءة العالية والموسيقى الصاخبة المرافقة لها.

كما تسبب هذه الألعاب انطوائية الطفل وانعزاله عن العالم الخارجي، "حيث سيفضل البقاء أمام الشاشة واللعب على أن يتعامل مع غيره، وهذا سيسبب له الاكتئاب ومع الوقت سيجد صعوبة في التواصل مع الآخرين وسيميل للعنف والعدوانية في التعامل معهم، كما سيصاب بإجهاد بدني وعقلي وعصبي".

العمل مع المراهقين

ضمن عمل المتحدثة مع فئة من المراهقين في مجال التعليم والدعم النفسي الاجتماعي داخل دمشق، تؤكد امتداد هذه الآثار لتشمل مرحلة المراهقة، وهي مرحلة تحتاج للتقويم السليم من قبل الأهل لسلوك وشعور المراهق.

إلا أن اللجوء لعالم الألعاب الألكترونية وغياب القدرة على اللعب بشكل طبيعي قد يؤدي لعدم حصول المراهق على الحوار الفعال مع الأهل ورفضه لهذا الحوار ولأي قيم متعلقة بالعائلة.

ما البديل؟

وكبديل عن تلك الألعاب التي باتت منتشرة في سوريا اليوم، والتي يفرضها كذلك تردي الوضع الأمني، تقترح المدرّبة مجموعة من الألعاب المنزلية والتي يمكن للأهل اللجوء إليها بأدوات بسيطة كوسيلة لتسلية أطفالهم عند غياب إمكانية اللعب في الشارع أو الحديقة.

ومن هذه البدائل، تذكر هبة الكتاب التفاعلي الذي يحتوي على نشاطات مجسمة تنمي المهارات، ويمكن صنعه من خامات نظيفة وقطع قماشية متوفرة في المنزل، وترى بأنه يشكّل متعة كبيرة للأطفال، خاصةً في حال صناعته بشكل تفاعلي بين الطفل ووالديه مما يزيد الألفة بينهم.

وكذلك اللوحات أو الأشكال الورقية التي يمكن للأطفال صناعتها ورسمها وتلوينها وعرضها في أنحاء المنزل أمام الكبار، إضافة للعبة الشطرنج التي تنشط عمل الدماغ وتنمّي التركيز والذاكرة ومهارات التحكم.

كما تتطرق المدرّبة إلى بعض الألعاب الحركية التي يمكن أن تشكّل بديلاً مسليّاً عن الألعاب الالكترونية، ومنها الاستغماء، والهيلاهوب، والرقص، وتحريك الكرة داخل متاهة مرسومة على الأرض، أو التحرّك ضمن خيوط صوفية يتم ربطها بين قطع أثاث المنزل.

وتساهم هذه الألعاب في زيادة الألفة بين الأهل وأطفالهم، وتنمية المهارات وتعزيز الثقة بالنفس، عدا المتعة التي لا شك يمكن أن تساهم يوماً بعد يوم في الاستغناء عن الألعاب الالكترونية.

زينة شهلا

صحافية سورية في دمشق

كلمات مفتاحية
الأطفال سوريا

التعليقات

المقال التالي