من "مرحبا يا عسل" إلى "هاتي بوسة"... ارفضي التحرش والتنمر الإلكتروني بجميع أشكاله

من "مرحبا يا عسل" إلى "هاتي بوسة"... ارفضي التحرش والتنمر الإلكتروني بجميع أشكاله

"لن أنسى أبداً هذا اليوم، كنت أشعر بوحدة شديدة وضيق لا أعرف سببه، كتبت على فيسبوك يومها أشعر بالحزن" تقول أمل (28عاماً) لرصيف22.

بعد هذا المنشور بدقائق تلقت أمل رسالة من شخص لم يكن بينهما أي كلام في السابق وقابلته فقط في إحدى دورات اللغة الإنجليزية.

أخبرها أنه مستعد للاستماع لها وأنه صديق وكان يتمنى أن يتحدث معها من قبل، شعرت ببعض الراحة بعد الكلام معه، لكن بعد ساعة تقريباً قال لها إنه يشعر بها، وإنها لو كانت بجانبه لضمها مسح دموعها.

"تصورت أنه مهتم بي قبل أن أكتشف أنه استغل إحساسي بالحزن للتحرش الجنسي بي"، تقول أمل.

التحرش الجنسي بالنساء ينتشر بكثرة في البلدان العربية، وهو لا ينحصر ضمن حيز الحياة اليومية وأرض الواقع، بل يصل إلى العالم الافتراضي.

تدرجات من الأسئلة والعبارات تسمعها النساء، قد تكون ببساطة "ممكن نتعرف؟" أو "مرحبا يا عسل" لتصل إلى وقاحة "هاتي بوسة" أو حتى "صورتك جعلتني أمارس العادة السرية".

هذه نماذج مما يمكن أن تستقبله الفتيات على صندوق الرسائل على حساباتهن على فيسبوك، وهي بلا شك تحرش جنسي.

البحث عن ضحية

وظهر بحث قامت به مؤسسة Ditch The Label أن هناك أكثر من مليون مستخدم حول العالم يتعرضون للتحرش الإلكتروني على الإنترنت يومياً.

كذلك تظهر دراسة أجراها معهد يو جوف للأبحاث بالتعاون مع فودافون، أن ما نسبته 1 من خمسة مراهقين في العالم واجهوا تحرشاً إلكترونياً.

وبحسب هذه الدراسة، فإن واحداً من خمسة أشخاص فكر في الانتحار أو إيذاء نفسه بسبب ما تعرض له من تحرش إلكتروني.

وقد صنفت خبيرة العلاقات رشا خليفة لرصيف22 المتحرشين في العالم الافتراضي إلى نوعين.

النوع الأول هو من يرسل رسائل مباشرة وصريحة للفتيات دون أن يعرفهن، ودائماً تصل هذه الرسائل إلى صندوق "طلبات الرسائل" في صندوق بريد فيسبوك.

النوع الثاني بحسب رشا هو المنتظر للحظة انقضاض على فتاة يظهر من كتاباتها أنها تمر بحالة نفسية سيئة، وفي الغالب تكون هذه الفتاة في قائمة أصدقائه أو هو مجرد متابع لها، وهذا النوع هو الأخطر لأنه الأذكى.

وينصح محمد غريب استشاري الطب النفسي الفتيات بالرد على المتحرش بجملة قصيرة فيها إهانة لفعلته قبل حظره مباشرة حتى لا يستطيع الرد بعدها.

"في الغالب هو يتوقع أن الفتاة التي سترفض التجاوب معه ستكتفي بحظره. لكن ردك لإهانته سيصدمه"، يقول غريب لرصيف22.

ويؤكد الطبيب النفسي أنه في حالة تعرض الفتاة لتحرش إلكتروني يجب أن تطلب مساعدة من شخص مقرب منها أهل لإعطاء دعم.

"لا تخجلن من التحدث مع صديق مقرب تثقن به"، يقول غريب.

وتبيّن دراسة لمعهد "يو جوف" للأبحاث و"فودافون"، أن واحداً من خمسة مراهقين على مستوى العالم يتعرض للتحرش الإلكتروني، إذ تحولت الشبكات الاجتماعية إلى أراضٍ خصبة لما بات يعرف بظاهرة "التنمر السيبراني" أو التحرش عبر الفضاء الافتراضي.

أقوال جاهزة

شارك غردأكثر من مليون مستخدم حول العالم يتعرضون للتحرش الإلكتروني على الإنترنت يومياً. فما هي أشكال هذا التحرش؟

أهلاً بك في الغردقة

على إحدى المجموعات المغلقة الخاصة بمدينة الغردقة (تبعد عن القاهرة حوالي 504 كلم) على فيسبوك، كتبت سهى أنها ترغب في السفر إلى المدينة هرباً من الزحام والضوضاء في القاهرة. وطلبت نصائح من أعضاء المجموعة عن أسعار الفنادق والشقق.

"أنا محمد صاحب مطعم في الغردقة، وعندي معلومات عن كل الأسعار" تلقت سهى هذه الرسالة من شخص لا تعرفه، قرأ منشورها على المجموعة.

تقول سهى لرصيف22 إنها كانت تمر بمشاكل عائلية في هذه الفترة، وكانت ترغب في الهرب إلى مكان بعيد.

بعد حديث ظهر منه أنه شخص محترم، أخبرها أنه يرحب بها في المطعم اذا أرادت فرصة عمل وأنه سيوفر لها إقامة مع فتيات أخريات يعملن في المطعم.

وبعد أسبوع من التعارف وإخباره بظروفها الأسرية، سافرت سهى إلى الغردقة، وقابلت محمد فأخبرها أنه ربما بعد أسبوع ستسافر فتاة وتترك العمل فتأخذ هي مكانها، وبالنسبة للإقامة قال لها "يمكنك أن تسكني معي في منزلي لتوفري النفقات".

رفضت الفتاة بعد أن تأكدت من نظراته أن هدفه من مساعدتها كان جنسياً بحتاً.

"يمكن لشخص متحرش أن يظل فترة طويلة يخطط انتظاراً للحظة التي سينقض فيها على ضحيته"، تقول رشا.

وبحسب خبيرة العلاقات، فإن التحرش الإلكتروني ليس مجرد رسائل بمحتوى جنسي تصل للفتيات، إذ بات الأمر أعمق من ذلك ويتم التخطيط له.

ويرى الطبيب النفسي محمد غريب أن الحديث مع شخص لا نعرفه في فترات ضعفنا أحياناً لا يكون هو الحل الأمثل.

ومن وجهة نظر الطبيب الشاب فإن الأفضل هو الاتصال بصديق أو قريب نعرفه ونثق به ونطلب منه أنه يستمع لنا، كما أن التواصل مع طبيب أو معالج نفسي سيكون مفيداً جداً.

تحرشوا بها... إنها مؤيدة للسيسي

على إحدى الصفحات الإعلامية التي تديرها جماعة الإخوان من خارج مصر، كتبت أمينة تعليق على خبر ضد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأنه مفبرك.

تقول: "بعدها بدقائق تلقيت سيلاً من الرسائل تتضمن شتائم جنسية، سبب لي الأمر أزمة نفسية لفترة، لم أتخيل أن مجرد التعبير عن وجهة نظري سيجعلني ضحية".

لا توجد أرقام عربية تبين نسبة التحرش بسبب الميول السياسية في عالمنا العربي، لكن دراسة أمريكية حديثة نشرها موقع صحيفة USA Today أظهرت تعرض 41% من البالغين الأمريكيين للتحرش الإلكتروني، منهم 14% تعرضوا لذلك بسبب ميولهم السياسية.

فتيات كثيرات يتعرضن لتحرش بسبب أفكارهن، تقول رشا خليفة. وكأن المتحرش يعاقبهن على أن لهن رأياً يختلف معه.

ويطلق على ذلك مصطلح "التنمر الإلكتروني" أو Cyberbullying ويعني استغلال التكنولوجيا بهدف إيذاء أشخاص آخرين بطريقة متعمدة ومتكررة وعدائية.

وبحسب غريب، فإن الاختلاف السياسي في بعض البلاد العربية جعل هناك كتائب إلكترونية تابعة لجماعات وأنظمة سياسية تقوم بهذه المهمة بشكل علمي ومدروس.

تنمر خارج حدود الإنبوكس

التحرش الإلكتروني بسبب المواقف السياسية يتجسد في لوحة أكثر قتامة من خلال قصة فتاة سورية رفعت علم النظام السوري خلال احتفال أقامته جامعة غازي عنتاب في تركيا في شهر مايو الماضي.

تصرف الفتاة جعل شاب معارض سوري يبتكر شكلاً أكثر بشاعة للتنمر الإلكتروني، حيث طالب باغتصاب الفتاة عقاباً لها على الإعلان عن رأي سياسي مخالف له.

كتب الشاب منشوراً عاماً يدعوا فيه لاغتصاب الفتاة بهدف تأديبها على حسابه الخاص على موقع فيسبوك.

بعض المعلقين على المنشور كانوا مؤيدين له ويتناقشون في طريقة الوصول للفتاة لمعاقبتها، وكتب شخص أنه استطاع الوصول لمعلومات عنها، وأنه سيقوم بحملة داخل الجامعة للمطالبة بفصلها.

ورغم أن المنشور حُذف بعد ذلك بسبب التبليغات ضده، لكن بعض الصور التي وثقت له ستبقى شاهداً على أن التنمر ممكن أن يصل إلى حد الجنون.

فيديوهات جنسية

تحكي فتيات عدة أثناء حديثهن مع رشا عما يصلهن من رسائل تحرش، بعضهن تحدثن عن فيديو لشخص ما وهو يمارس العادة السرية قائلاً إنه فعل ذلك بعد مشاهدة صورهن رغم أنها صور عادية.

وتقول رشا: "رغم أن بعض الفتيات يقمن بحظر هذا الشخص، فإن الأمر يسبب لهن توتراً نفسياً نتيجة إحساسهن بالإهانة".

تنصح رشا الفتيات بأن يقمن بحماية حساباتهن على فيسبوك وعلى باقي منصات التواصل الاجتماعي.

وتوفر أغلب وسائل التواصل الاجتماعي طرقاً لضمان الخصوصية، وتتيح هذه الطرق للجميع اختيار من يشاهد صورهم، أو حتى يصل لحساباتهم عن طريق البحث. لكن جهل البعض بهذه الطرق يجعلهم لا يستخدمونها.

واجهن التحرش

بحسب غريب، فإن هناك خطوة إيجابية ستجعل الفتيات أقوى من المتحرش، وهي محاربته.

"يمكن للفتيات الانضمام لمبادرات شبابية في مجتمعاتهن تحارب التحرش، وفي عالمنا العربي عشرات المنظمات والمؤسسات التي تعمل في هذا المجال"، يؤكد غريب.

الفكرة بحسب غريب هي أن الانخراط في محاربة هذا الأمر سيجعل الفتاة لا تشعر بالخجل أو بالإهانة.. بل ستفهم أن المشكلة كبيرة ولها أبعاد اجتماعية.

"العيب في المتحرش وليس فيك" جملة يجب أن تؤمن بها كل فتاة حتى تكمل حياتها. يقول الطبيب النفسي.

تم تغيير أسماء الفتيات بناء على طلبهن.

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

التعليقات

المقال التالي