في القاهرة تقاس درجة الرجولة أحياناً "بالأشباح والسندال"....

في القاهرة تقاس درجة الرجولة أحياناً "بالأشباح والسندال"....

تعزوتغيرت القاهرة.

أصبح وجهها يحتمل الكثير من الألوان، وتستقبل أفكاراً وأشكالاً مختلفة حتى صار لأغلب الأشياء أسماء جديدة.

زالت قيم وحلت مكانها قيم أخرى، ودرجت مصطلحات جديدة فأصبح التجول بين مناطق مدينة المعز يحتاج إلى ترجمة فورية للألفاظ والأوصاف الجديدة للسكان.

الشبح والسندال هي أحد هذه المصطلحات الجديدة. فما هو معناها؟

اسأل نفسك، هل أنت شاب مصري يستمع لأغاني المهرجانات، ويحفظ كلماتها ويرقص على أنغامها رقصة "تقسيم"؟

هل تسكن في أحد الأحياء العشوائية أو المتوسطة فى القاهرة وترتدي البنطال الضيق، والذي يسمى بالليغنغ نسبة إلى الـLegging؟

صبغت شعرك بألوان الأحمر والبرتقالي؟

لو انطبقت عليك ثلاث من هذه الصفات أو أكثر فأنت تضع نفسك تحت بند التصنيف بين الشبح والسندال.

فأيهم تريد أن تكون؟

الشبح هو الطيف، أو الكائن الوهمي السريع الحركة، كما يرد تعريف الكلمة ومشتقاتها فى معجم المعاني.

في الشارع المصري، يُطلق الوصف على الشاب "الشقي" السريع الحركة.

أما السندال فتعني وفقاً للمعجم أيضاً الطاولة المعدنية التى يستخدمها الحداد فى دق وتشكيل قطع الحديد، وهي تدل إلى الصلابة والقدرة على التحمل.

الأشباح والسندال كلمتان جديدتان على المجتمع المصري تحملان صفات لها علاقة بدرجة "الرجولة" وتترجم سلوكيات متعددة، ظهرت مع الانتشار الجامح لموسيقى المهرجانات الشهيرة التي خرجت من قلب حي مدينة السلام الواقع على أطراف القاهرة، مع بدايات ثورة 25 يناير 2011.

إذ يحاول الشباب تبني أسلوب كلام وأزياء فناني المهرجانات، وصفاتهم أيضاً، فيكون الشاب إما شبحاً أو سندالاً.

هذه الصفات أو المصطلحات انعاكس لتغيرات ديموغرافية واقتصادية تعيشها القاهرة.

أقوال جاهزة

شارك غردالأشباح والسندال كلمتان جديدتان في مصر تحملان صفات الرجولة وتعكسان تغيرات اقتصادية واجتماعية كثيرة

شارك غردالشهم أصبح سندال والمحتال أصبح شبح... هكذا تتغير أوصاف الرجال في القاهرة

عالم من المصطلحات الجديدة

SAM_3651

تحمل أغاني المهرجانات مزيجاً بين موسيقى الهيب هوب والراب ولمسة مصرية جديدة فى الكلمات، كونتها عوامل العيش في أحياء عشوائية فقيرة جمعت أصحاب الأصول القاهرية والمغتربين من الدلتا وأقاصي الصعيد.

هذه التركيبة وجدت في الثورة فرصة لتعبر عن نفسها وإخراج ما في مكنونها إلى عالم العاصمة الصاخبة.

وقد بدأت المهرجانات فى الظهور كمعبّر عن مرحلة من التحرر من القوالب الجامدة فى كل المجالات، وفقاً لما يقول أحد مؤسسي هذا الفن، سادات.

تعاني البيئة الحاضنة للغة المهرجانات من الفقر وتراجع نسبة التعليم، وهما انعكاس لحال مصر في الأعوام الأخيرة. فوفقًا لتقارير حكومية نشرها الموقع المصري اليوم السابع العام الماضي، ارتفعت نسب الفقر خلال عام 2015 لتشمل نحو 27.8% من اجمالي السكان.

يأتي هذا فى ظل تراجع الدخل خلال العام الذي تلا الإحصاء، إذ تم تعويم الجنيه وارتفعت نسبة التضخم إلى 32.9% خلال شهر أبريل 2017، بحسب إحصائيات نشرها موقع اليوم السابع، نقلاً عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

ألقاب العشوائيات

تقول الدكتورة هالة منصور، أستاذة علم الاجتماع بجامعة بنها بوسط مصر، أن لغة العشوائيات موجودة منذ سنوات، ولكن الإعلام سلط الضوء عليها أخيراً.

ويضيف الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية بالقاهرة لرصيف22 إن ظهور الألقاب واللغة الخاصة بالعشوائيات ظهر جلياً في فيلم "حين ميسرة"، للمخرج خالد يوسف عام 2007، لكنها لم تكن كما هي الآن.

برأيه، ساعد الزحف الكبير من أهالي الأقاليم إلى العاصمة وحدودها في تكوين اللغة الجديدة بمناطق العشوائيات، ثم في انتشارها في القاهرة الكبرى وأطرافها، فأصبحت تلك المناطق مكمناً للثقافة الذكورية المحافظة التي يحملها أهل الريف في العموم، والتي تحطم المرأة وتقلل من شأنها وتعظم الرجال.

ثم جاءت الحالة الفوضوية التي أعقبت الثورات، ودفعت إلى تنامي فن المهرجانات، الذي نشر بدوره قائمة من التصنيفات والألفاظ، أصبحت تحكم فئات ليست بالقليلة في المجتمع.

وتعزو منصور سبب ظهور تلك الأوصاف للضغط النفسي والاقتصادي على المواطنين، الذين يجدون المتنفس الوحيد للتعبير عن أنفسهم وغضبهم المكبوت في ابتكار اللغة والأوصاف والتصنيفات الخاصة.

أيهما تفضل، الشبح أم السندال؟

سادات مغني المهرجانات الأشهر فى مصر، وأحد الذين بدأوا هذا الفن، يقول لرصيف22 إن انطلاق موسيقى المهرجانات وتنوع كلماتها أفرز مصطلحات تعبر عن فئات جديدة ظهرت فى المجتمع بسلوكيات وعادات مرتبطة بمحبي ذلك النوع من الموسيقى.

يرى سادات أن لقبي شبح وسندال يطلقان على فئات معينة من جمهور المهرجانات تعبيراً عن طبيعة الرجولة ورؤيتهم لها، لكنهما درجتان مختلفتان.

فمثلاً الشخص الذي يطلق عليه سندال هو سند لصديقه ولمن حوله ويتميز بالوفاء وما وصفه بالرجولة الحقيقية ويضرب به المثل فى الالتزام الأخلاقي وقدرته على السيطرة على نفسه أمام بعض المغريات والممنوعات.

أما الشبح، وإن كان يتمتع بالوفاء لصديقه، فهو يرتكب الكثير من الأخطاء.

"ممكن يعاكس بنت أو يعمل حاجة مش صح وما يعتمدش عليه أوي، لكن السندال رجولة على حق".

من جهته، يحمل صادق تفسيراً اقتصادياً لظهور وصف السندال.

برأيه، جاء الوصف من أجل إبراز الرجولة في ظل ظروف معيشية صعبة، حيث يظهر الشخص الملقب بالسندال نفسه بصورة عنيفة لفشله مادياً في احتواء عائلته.

وهي الظروف التي أدت لظهور لقب الشبح، كتبرير لسلوكيات قاسية، دوافعها في آخر الأمر ترتبط بالاقتصاد.

أما عبد الله نبيل، الصحفي النشط فى متابعة فرق الأندرجرواند والمهرجانات الموسيقية، فيربط بين هذه الألقاب واستهلاك الموسيقى بين الطبقات المختلفة بشكل مباشر أكثر.

فالسندال برأيه هو وصف يُطلق على محبي المهرجانات والمتشبهين بشكل نجومها المعروفين في المظهر من أبناء الطبقتين الوسطى والراقية. بينما الأشباح هم أبناء الطبقات الفقيرة والشعبية المتأثرون بموسيقي المهرجانات وأجوائها الصاخبة.

ويشير نبيل إلى أن هناك أكثر من معنى متداول للفظين، لكن هذه المعاني لا تخرج عن مراتب الرجولة من وجهة نظر مستخدمي تلك اللغة، وهم يميلون إلى الذكورية بطبيعة المجتمع، خاصة أن الساحة الفنية لم ترَ سيدات يؤدين فن المهرجانات بعد.

السندال أفضل؟

عمرو_تيتو-2

يقول كارم محمد، أحد المتأثرين بأغاني المهرجانات والمتابعين لنجومها باستمرار، أنه يرفض أن يطلق عليه وصف شبح ولو من باب المزاح.

ويرى أن ذلك الوصف يقلل من شأنه رغم حبه للمهرجانات وإعجابه بنجومها، لكنه يحبذ وصفه بالسندال كون هذا اللقب يضيف لصاحبه الهيبة وسط محيطه الاجتماعي، خاصة إذا كان هذا المحيط من مطربي المهرجانات أو محبيها والمتحدثين بلغتها.

في هذه الحال، يمنحه لقب السندال وممارسة السلوكيات المعتدلة المغايرة لسلوكيات من يطلق عليهم لقب الأشباح، ثقة فى النفس ومكانة.

السندال في أغاني المهرجانات

أصبح السندال موضوعاً لبعض أغاني مطربي المهرجانات إذ بات هذا اللقب هو الرمز الجديد للتعبير عن الرجولة والثبات على الموقف.

لكن الطرح في الأغاني اختلف، فالسندال لم يعد فيها الصلب الذي يتحكم بنفسه، بحسب وصف سادات، بل هو شخص غيرته تجارة المخدرات والسجن وجعلته صلباً، وسط تفاخر بمهنته غير المشروعة، في مهرجان سندال وعروسة الذي يغنيه حمو بيكا وحماصة، وألفه الشاعر المُلقب بالـ"فاجر".

التعليقات

المقال التالي