أمهات يعانين وأطفال بلا نسب... ضحايا الاغتصاب العائلي في مصر

أمهات يعانين وأطفال بلا نسب... ضحايا الاغتصاب العائلي في مصر

"المنزل الذي يُعدّ مصدراً للأمان، بات مكاناً أكثر رعباً من الشارع. هربت مرات عدة ولكني كنت أعود إليه. لا ملجأ لي سواه".

بهذه الكلمات بدأت ياسمين إسماعيل، 24 سنة، حديثها مع رصيف22، خلال إحدى جلسات الدعم النفسي لناجيات من العنف تنظمها جمعية نهوض وتنمية المرأة، وهي جمعية أهلية مصرية مستقلة.

تروي ياسمين تفاصيل اعتداء والدها عليها جنسياً وهي في سن الخامسة عشرة: "كنت أعيش في محافظة القليوبية (شرق القاهرة)، مع أبي وأمي. كان أبي يرمقني بنظرات مخيفة لم أكن أفهمها، وتحرش بي مرة، وعندما أخبرت أمي أبت أن تصدقني وضربتني، ونبهتني إلى ألا أخبر أحداً بهذا الأمر. وعندما كانت تخرج من المنزل، كان يقوم بالاعتداء عليّ ويهددني بأن يقتلني أذا قمت بفضح الأمر".

تابعت: "هربت من المنزل وذهبت إلى عمي الذي يكبر أبي وأخبرته بما حدث، فلم يصدقني هو الآخر وأعادني إلى المنزل. قام أبي يومها بضربي وربطي بالسرير والاعتداء علي في غياب أمي. قال إن هذا هو عقابي لأني أخبرت عمي".

لم تشأ الأم تصديق ما يفعله الزوج، لكن الطفل الذي بدأ ينمو في أحشاء ياسمين أجبرها على التصديق، غير أنها فضلت التعامل مع الأمر بهدوء خشية الفضيحة، وذهبت لتستنجد بكبار العائلة الذين قرروا سفر الأم وابنتها بعيداً عن الأب المغتصب، بذريعة كلام الناس والفضيحة، والتخلص من الجنين.

الرشوة من أجل تسجيل المولود

حاولت ياسمين إجهاض الطفل دون جدوى، فالأطباء رفضوا إجراء العملية لخطورتها عليها بسبب صغر سنها، لكنها حاولت كثيراً قتل الطفل قبل أن يولد. تقول: "لم أشأ أن يولد لي طفل يذكرني بأن أبي بدلاً من أن يحميني، كسرني وهتك عرضي. ولكن لم يفلح الأمر".

ولدت ابنتها وسجلت اسمها في السجل المدني باسم أب مستعار بعد أن قامت الأم برشوة الموظف المسؤول لتسهيل الأمر الذي تعلم ياسمين وأمها بأنه غير قانوني.

تسع سنوات مرّت على حادثة الاعتداء الجنسي عليها وما زالت ياسمين تتذكر جيداً التفاصيل رغم وفاة الأب المغتصب، سنوات أتمت خلالها دراستها وعملت موظفة في إحدى المؤسسات الحكومية. تشعر بالتحدي الكبير الذي يواجهها، فهي لا تعلم كيف ستربي ابنتها، ولا كيف ستخبرها عن أبيها.

الخوف من الوصم الاجتماعي

لجأت ياسمين إلى جمعية نهوض وتنمية المرأة التي سمعت عن نشاطها في مساعدة الناجيات من العنف، وحضرت أكثر من حلقة دعم نفسي لعلها تجد في إحداها حلاً لمشكلة ابنتها التي ستكبر يوماً وتسألها عن والدها، أو لعلها تجد تخفيفاً لألم الجروح التي ظلت باقية داخلها.

تقدم الجمعية، بحسب مدير برنامج تنمية المجتمع في الجمعية خالد الجزار، الحماية للسيدات المعنفات والأطفال الذين عانوا من العنف عن طريق برنامج الحد من العنف والذي يتمثل في مشروع بيت حواء، وهو أول دار إيواء تنشئها جمعية أهلية لاحتضان النساء المعنفات اللواتي لا يملكن مكاناً يذهبن إليه.

الخدمات المقدمة في البيت تشمل استشارات نفسية ومساعدة قانونية، إلى جانب لقاءات دورية لتشجيع النساء على التعبير عن أنفسهن في حلقات تعبير جماعية، وأيضاً تنمية قدراتهن ودعمهن مادياً بتوفير فرص عمل ثابته لهن.

ويصل عدد المستفيدات من برنامج الحد من العنف إلى 4800 سيدة، وشاركت في جلسات التوعية حول العنف وجلسات الاستشارات النفسية قرابة 7300 سيدة.

وأكد الجزار لرصيف22 أن فتيات كثيرات ممن يترددن على جلسات الدعم النفسي تعرّضن لتحرشات واعتداءات جنسية من قبل أحد أفراد الأسرة.

تقول ياسمين: "كثيرات تعرضن لاعتداءات من آبائهن وإخوتهن، ونجحوا في قتل الجنين قبل أن يولد. ما أتمناه الآن هو مستقبل أفضل لتلك الطفلة التي أخاف عليها من أن تتعرض لحادث كالذي تعرّضت له".

أقوال جاهزة

شارك غردنسب عالية جداً لحالات التحرش أو سفاح القربى داخل الأسر التي يعيش أبناؤها في غرفة واحدة

شارك غردتروي ياسمين تفاصيل اعتداء والدها عليها جنسياً وهي في سن الـ15 وقصة ابنتها التي تجهل كيف تربيها

ضحية من بين مئات

ياسمين ضحية من بين مئات الضحايا ولكنها كسرت حاجز الخوف من الكلام وتحدثت عن تعرّضها لاغتصاب داخل الأسرة. قصص أخرى كثيرة تقف على أبواب محاكم الأسرة المصرية، تستجدي بطلاتها من مؤسسات القانون موقفاً يشفي صدورهنّ، بمنح الطفل نسباً ما وبطاقة هوية تساعده على إكمال حياته.

يؤكد الباحث الاجتماعي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، الدكتور محمد عبد الرحمن، لرصيف22 أن الظاهرة لم تعد فردية، وليست بالجديدة فقد سجل المركز عام 1998 أولى الجرائم التي ارتكبها أب بحق ابنته وهو مخمور، في إحدى قرى جمهورية مصر، ما أدى إلى حملها سفاحاً فقام بقتلها، ثم شنق نفسه.

وكان عبد الرحمن ضمن فريق بحثي درس مدى انتشار الظاهرة، وأخذ عينات عشوائية حول البلاغات التي تمت في السنوات الثلاث الأخيرة وتوصل إلى 250 حالة اغتصاب عائلي أسفرت عن الحمل سفاحاً. ويؤكد الباحث أن "هذه الأرقام لا تعبّر عن الواقع، خاصةً أن معظم الضحايا يفضلن الصمت على الفضيحة".

وفي دراسة عن الجرائم الأسرية في المناطق العشوائية، شارك فيها عبد الرحمن، تم أخذ عيّنات من 50 أسرة في أربع مناطق عشوائية هي مساكن الإيواء بمحافظة الزقازيق، منطقة زرزارة ببورسعيد، ومساكن إسطبل عنبر، ومساكن عزبة أبو حشيش بشمال القاهرة"، وامتدت سبعة أشهر، جرى التوصل إلى أن 31% من الأسر التي يعيش أبناؤها في غرفة واحدة شهدت حالات تحرش أو سفاح قربى، فيما تنخفض النسبة إلى 20% في الأسر التي تسكن في غرفتين أو ثلاث.

ويؤكد عبد الرحمن أنه لا يمكن تعميم هذه النسب لا على المجتمع المصري ولا على الأحياء التي جرت فيها الدراسة، فكل ما هدفت إليه هو أخذ فكرة بسيطة عن الظاهرة ومدى انتشارها.

ونشرت الدراسة في الفصل السابع من كتاب دراسات وبحوث اجتماعية للدكتور محمد الجوهري بعنوان "البيئة والعنف: دراسة لبعض الدلالات البيئية لاحتمالية السلوك العنيف بالمناطق العشوائية".

ورصدت الدراسة 450 حالة موثقة لاغتصاب محارم حدثت في النصف الأخير من عام 2016.

جريمة وعدة ضحايا

shutterstock_169025426

إذا كانت المرأة هي الضحية الأولى للاغتصاب العائلي، فإن الأولاد الناتجين عن هذا الاغتصاب هم ضحايا بدورهم. وتقول أستاذة علم الاجتماع سعاد عثمان لرصيف22 إنهم يصبحون أشخاصاً غير متزنين، وبسبب تهميش ونبذ المجتمع لهم وإهمال الدولة ينقمون على مجتمعهم، ويشككون في القيم والثوابت الاجتماعية، وتظهر لديهم ميول انتحارية لأن الشعور بأنهم بذرة سيئة أتت جراء خطيئة تلاحقهم.

وتحدثت عثمان عن مصير أسوأ للأطفال الذين يجدون أنفسهم في الشارع، أهربوا إليه أو طردوا إليه، فمحاضر الشرطة تعج بأمثلة عن "قضايا مفجعة"، كقضية السيدة التي قُبض عليها وكانت تتاجر بأطفال الزنا في قرية ميت الحلوج بمحافظة الدقهلية، وتبيعهم لأثرياء يعانون من العقم، عدا حالات كثيرة تستغلهم في التسول والسرقة، أو الإتجار بأعضائهم.

سلمته أمه لدار الأيتام وهربت

بعض أطفال زنا المحارم يكون مصيرهم القتل لحظة ولادتهم أو رميهم في القمامة وكثيراً ما يتم التخلي عنهم. هذا ما فعلته والدة أحمد، 10 سنوات، حين أحضرته، وهو بعمر الثلاثة شهور، إلى دار الإيواء التابعة لوزارة التضامن الاجتماعى المصرية وتركته هناك.

وروت الاختصاصية الاجتماعية المسؤولة عن الطفل، سلوى يوسف، لرصيف22 أن والدة أحمد اغتصبها عمها الذي كان ولي أمرها بعد وفاة أبويها، فحملت منه، وهددها بالقتل إن أخبرت أحداً، وعندما ظهرت عليها علامات الحمل وفشلت محاولات الإجهاض، حبسها في المنزل وادعى أنها مريضة بمرض معدٍ ليبرر غيابها، وقال لها إنه سيقتل الطفل فور ولادته، فهربت من المنزل في غفله منه، وقررت إرسال الطفل إلى دار رعاية توفر له الحماية والتربية.

عرضت المؤسسة على الأم التي لم يكن عمرها يتعدى العشرين عاماً، توفير عمل ومأوى لها ولطفلها الرضيع، لكنها رفضت وطلبت تركه لمدة قصيرة ثم فرّت هاربة. وأصدرت الدار لأحمد شهادة ميلاد.

يعاني أحمد من حالة انطواء ويسأل عن عائلته، ويحاولون في المؤسسة تعويضه عن حرمانه منها وتوفير حياة كريمة له.

وأكدت يوسف لرصيف22، أن هناك حالات أخرى في دار الإيواء تشبه حالة أحمد: أطفال بلا هوية لا يعرفون آباءهم وأمهات لا يمتلكن المأوى والمال لحماية أبنائهن.

إحدى المشكلات التي تواجه هؤلاء هي الحصول على شهادات للميلاد تحمل اسم آبائهم وتحميهم من وصم المجتمع لهم حين يخرجون إلى المجهول فور إتمامهم السن القانونية.

ماذا فعلت الدولة من أجل هؤلاء؟

تؤكد المحامية ومديرة مركز القاهرة للتنمية وحقوق الإنسان انتصار السعيد لرصيف22، أن المُشرّع المصري عجز عن حماية حقوق أطفال زنا المحارم، بمنع استخراج شهادات الميلاد وبطاقات الرقم القومي لهم، وإلى وقت قريب لم يكن يعترف بهؤلاء الأطفال وكانوا خارج نطاق اهتمام الدولة، ثم تم تعديل المادة الثانية من قانون الضمان الاجتماعي 137 لسنة 2010 الذي يعرّف اليتيم بكونه "كل مَن مات والده أو مجهول الوالد أو الأبوين".

وهناك قصور في المادة 267 من قانون العقوبات والتي تتحدث عن عقوبة الاغتصاب، فكان من الواجب إضافة كلمة "المحارم" في الفئات التي تخص تشديد عقوبة الاغتصاب، برأي السعيد.

"الدولة لا تقوم بحماية مَن يتعرضن للاغتصاب، وبالأخص مَن يتعرضن للتحرش أو الاغتصاب من قبل الأهل أو اللواتي يحملن سفاحاً". وتتمثل هذه الحقيقة، بحسب السعيد في الإجراءات الطويلة التي تتعرض لها الأم وطفلها ضحيتا جريمة زنا المحارم، من أجل توفير دور للاستضافة تقوم بتأهيلهما نفسياً واجتماعياً.

وبالأساس، بحسب السعيد، تتردد الضحايا في اللجوء إلى الشرطة، بسبب عدم وجود شرطة نسائية مدربة على التعامل مع الضحايا، الأمر الذي يجعل عدد البلاغات التي تصل إلى الشرطة لا تتعدى 3% مما يحصل في الواقع.

لمن يُنسب أطفال زنا المحارم؟

تقول السعيد إنه في عام 2015 ألزمت محكمة القضاء الإدارى بمحافظة الإسكندرية وزارة الداخلية المصرية، ممثلة في مصلحة الأحوال المدنية، بإصدار شهادات ميلاد وبطاقات رقم قومي للأطفال المجهولي النسب وأطفال زنا المحارم، مؤكدة في حيثيات الحكم بأحقيتهم في الحصول على الشخصية القانونية.

وقضت بأنه يتم كتابة اسم ثلاثي جزافي للطفل في شهادة ميلاده على ألا يكون لأسماء أشخاص حقيقيين.

مصطفى احتضنه الشارع

"لسنوات طويلة وأنا أصرّ على معرفة هوية أبي، وكانت أمي تتهرب من الإجابة"، هكذا بدأ مصطفى، 20 سنة، حديثه لرصيف22، وتابع: "لم أكن أعلم لماذا اسمي يشبه اسم أمي، ولماذا لم يعد لنا صلة بعائلتنا ولماذا نعيش في معزل عن الناس؟".

ظلت أمه تخفي عنه أن والده هو خاله الذي سافر بعد أن فعل فعلته وهرب من المنزل، إلى أن أصر ذات يوم فاضطرت إلى أن تسرد عليه تفاصيل ما حدث لها.

بعد اغتصابها وهي في سن الحادية عشرة وحملها، أرسلتها أسرتها إلى منزل خالتها الوحيدة في القاهرة لتجنّب الفضيحة، وعاشت عندها إلى أن توفيت.

على شهادة ميلاده، كتبوا اسم جده عبد العال مصطفى، وكانت أمه تقول له إن والده مات قبل أن يولد.

كان أهلها يرسلون إليها مبالغ مالية بدون التواصل معها. بعد ذلك، اضطرت للعمل لسنوات في مصنع تعبئة حتى تعيل ابنها وأصرت على إدخاله إلى المدرسة "وكانت تريدني دائماً أن أصبح دكتوراً"، كما روى مصطفى.

عندما علم بالحقيقة، وكان عمره 13 عاماً، هرب مصطفى من المنزل وتشرّد وتعرّف على أشخاص "يشبهونني ولا يعرفون لهم نسباً ولا أهلاً"، بحسب تعبيره.

حاولت الأم مراراً إعادة مصطفى إلى المدرسة، ولكنه ظل يهرب ويعود إلى الشارع إلى أن تخلى عن الدراسة. "وفي الشارع كنت أتبرع بالدم مقابل بضعة جنيهات وطعام وعبوة عصير، كي لا أموت جوعاً"، روى.

قال مصطفى إن عصابة استدرجت بعض الأطفال الذين كانوا يتبرعون بالدم وسرقت منهم أعضاء. وأكمل قصته: "خفت كثيراً وقررت العودة إلى أمي، وتعلمت النجارة في إحدى الورش المجاورة للمنزل".

يقول مصطفى: "حياتي أصبحت مستقرة إلى حد كبير"، ويؤكد أن كثيراً ممن عايشهم في الشارع يملكون قصصاً تشبه قصته.

أمنية المالكي

صحفية مصرية مهتمة بالصحافة الإنسانية

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي