"متى سنفرح بك؟"...

"متى سنفرح بك؟"...

"وقتاش نفرحو بيك؟".. المعذرة من القارئ العربي الذي لا يفهم اللهجة التونسية.

لكن بمجرد تحويل السؤال إلى العربية الفصحى فسيفهم معظم القراء المعنى، وقد ترتسم البسمة على شفاهكم.

"متى سنفرح بك؟"، السؤال الذي توجهه معظم المجتمعات العربية لفتياتهن، ويعني: متى ستعثرين على رجل وتتزوجينه؟

قد يوجه السؤال للشباب أحياناً، لكنه حتماً السؤال الأبرز في حياة الفتاة العزباء.

تخيلوا معنا، يأتي شخص ما (شاباً كان أم شابة)، مستغلاً أي مناسبة، أو حتى بلا مناسبة، يسأل الفتاة عن موعد "فرحتها" ملمحاً لارتباط سعادته هو وبالتالي المجتمع، بزواجها.

وكأن الجواب موجود في مفكرة المرأة، تخرجها من حقيبتها وتعطي الإجابة مباشرةً، أو تنظر إلى ساعتها وتحدد وقتاً وتجيب مثلاً: عند الساعة التاسعة و10 دقائق بإذن الله.

كونوا أنتم سعداء.. ودعكم من فرحي

يحدث هذا في تونس كثيراً، وكذلك في كامل أرجاء الوطن العربي.

فنقاش إشكال ما يسمى بالعنوسة في العالم العربي ليس متعلقاً بالظاهرة في حد ذاتها، بالرغم من أن العنوسة "هاجس" لا يسكن تقريباً سوى أفئدة العرب.

لكن الأزمة تكمن في أن السؤال عن الزواج يبدأ في التداول منذ أن تبلغ الفتاة الثامنة عشرة، وأحياناً قبل تلك السن. فشهادة المرحلة الثانوية لدى بعض المجتمعات لا يمكن أن تعتبر ظفراً ذا قيمة إذا لم ترافق بخطيب على الأقل.

وإذا أصرت الفتاة على مواصلة الدراسة دون التفكير في الزواج، فإن رقعة السؤال تبدأ في الاتساع، ليصبح لصديقة الأم والجارة وأستاذة الأخت الكبرى ووصيفة عروس بنت الجيران الحق في التدخل في الحياة الشخصية باسم المجتمع وسلطة "السّتر"، الأمر الذي يبرر مكر السؤال المختبئ وراء صيغة "الفرح" ليتضمن في باطنه نوعاً من الترهيب والضغط للتسريع في الزواج.

تقول إحدى المدونات التونسيات، بنت طراد، على صفحتها الخاصة بفيسبوك في ما يشبه نصيحة للفتيات اللاتي يتعرضن لهذا الصنف من الأسئلة دائماً "ردي على السؤال بسؤال معاكس: هل أنت سعيد(ة) بالزواج؟"

وربما قد يكشف هذا الرد أن بعض المتزوجين لا يفرحون سوى برؤية العزباء متزوجة، أو بتوريطها فيه وفق الصيغة التي تورط فيها طارح السؤال.

الأرقام تتحدث عن سن الزواج

تقول لغة الأرقام ، بحسب موقع إحصائيات تونس، إن نسبة ما يسمى بالعنوسة بلغت 60% في تونس بعد أن كانت 50% عام 2008.

فقد ارتفع عدد السيدات العازبات اللاتي تخطين سن الزواج إلى مليونين و250 ألفاً من نحو 5 ملايين إمرأة بعد أن كان عددهن لا يتجاوز الـ990 ألف سنة 1994 حسب إحصاءات الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري وهو مؤسسة رسمية تونسية.

كما أشارت إحصاءات الديوان إلى أن نسبة العزوبة المرتفعة قد شملت الرجال أيضاً، إذ بلغت نسبة غير المتزوجين بين سن الـ25 والـ29 عاماً 81.1% سنة 2016 مقارنة بـ71% سنة 1994.

أما على المستوى العربي، فقد بلغت نسبة "العنوسة" في لبنان 85 بالمئة وسوريا 70 بالمئة ومصر 40 بالمئة والجزائر 51 بالمئة والإمارات 75 بالمئة، وذلك وفق دراسة صدرت عن إذاعة هولندا العالمية.

والاستنتاج هنا هو أنه بمرور السنين تتأخر نسبة كبيرة من الشباب والشابات في الزواج، بل يعزف بعضهم عن ذلك كلياً لأسباب عديدة، لعل أهمها القدرة المادية على الزواج.

وليس في نقاش تلك الأسباب إيجاد تبرير "للعنوسة" أو العزوبة بالقدر الذي يبرز فيه التراجع الاقتصادي أزمة تصاحب استفاقة ما في صفوف الشباب (خاصة الفتيات) بضرورة أن يكون الزواج خياراً شخصياً وحراً ومستقلاً عن سلطة العائلة والمجتمع والنسق الأبوي الذي يعيش فيه التونسيون والعرب عموماً.

وقد بدأ الأمر فعلاً في التغير من ناحية تعبير كلا الجنسين عن القلق الذي يسببه السؤال عن الزواج.

أقوال جاهزة

شارك غرد"متى سنفرح بك؟" السؤال المزعج الذي يوجهه المجتمع وأفراده للفتاة، ويعني: متى ستعثرين على رجل وتتزوجينه؟

شارك غردالتراجع الاقتصادي يصاحب استفاقة في صفوف الشباب بضرورة أن يكون الزواج خياراً مستقلاً عن سلطة العائلة والمجتمع

الثورة الأصعب تكمن في المجتمع

يقول منير السعيداني الباحث التونسي في علم الاجتماع لرصيف22 إن مفهوم العنوسة أو العزوبة مفهوم غامض وغير محدد، متسائلاً عن المقياس الذي يستخدم للبت في أمر فتاة أو فتى إن كانت هي عانساً أو كان هو أعزباً.

فكثيراً ما يكون هذا المقياس اعتباطياً ومختلفاً من مجتمع لآخر، أحياناً داخل البلد الواحد، وهو عموماً في غير مصلحة الفتاة بالتحديد. إذا يروج أنها إذا بلغت عمراً معيناً فعليها أن تلعب الدور الاجتماعي المناط بعهدتها وهو المنزل.

"رغم الاختلافات بين المجتمعات العربية فإنه يخضع لقاعدة موحدة وهي كلما كان زواجها أبكر كان الأمر أفضل. أما الفتيان فالأمر أهون عليهم لأن النظرة الاجتماعية تقول إنه وجب عليه أن يكون جاهزاً للزواج وفق نظرة المجتمع لدوره طبعاً وهو دور العائل"، يقول السعيداني.

وعن أثر الثورة التونسية التي بلغ عمرها حوالي الست سنوات، أكد الباحث في علم الاجتماع أنه من المعتاد أن يكون فعل الثورات حتى الناجحة منها بطيئاً زمنياً في اتجاه تغيير ما يسمى عادة بالعقليات، ويحتاج الأمر طبعاً إلى فصل تلك العادات والتقاليد عن الجذور الاجتماعية والتاريخية التي تشكلها.

ويضيف: "تلك الجذور تمثل اليوم الأساس القوي والمنيع ضد تغيير نظرة المجتمع للزواج، وخاصة العانس، لأن المجتمع يحتفظ بموقف صلب تجاه الأدوار الاجتماعية المناطة بعهدة كل من الرجل والمرأة. وبالتالي فإن تحريك الأوضاع اليوم بات أمراً مهماً كي ندرك طبيعة الصعوبات في التغيير".

ما هو أثر التطور الاقتصادي؟

هذه المماحكة بين ما هو سائد اليوم من كثافة الرقابة الاجتماعية على واحد من أخطر القرارات الحياتية وهو الزواج، وبين ما يجب أن يكون من حرية في تقرير مصير الحياة يفتح أبواباً أخرى حول أثر التطور الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي على بنية الشخصية العربية بشكل عام وذهنية التونسيين بشكل خاص.

فبالرغم من بقاء ظواهر سلبية مثل التحرش والخطاب المزدوج بين السلوك التحرري مع الآخرين في الظاهر والمحافظة والتزمت كقناعة، فإن الأمر قد بدأ في التغير شيئاً فشيئاً تحت تأثير الضغط البديل في وسائل التواصل الاجتماعي وقدرة هذه الوسائل على إيصال صوت المقموعين اجتماعياً.

وهنالك أيضاً بعض الحرية التي كسبتها وسائل الإعلام في طرح مواضيع قد تكون "جريئة" وملامسة للكم الضخم من الموروثات والتقاليد التي إذا بقيت فلن تمكن أي طرف له مصلحة في التحرر من أن يستمتع بعزوبة ـ عنوسة مطولة له كامل الحرية في تقرير إنهائها من عدمه.

سيف الدين العامري

صحافي وباحث في أنثروبولوجيا السياسة بالجامعة الإيطالية. متخصص في الأزمات الإنسانية بحوض البحر الأبيض المتوسط. عمل في القسم الفكري لصحيفة العرب اللندنية ومراسلاً لعدد من وسائل الإعلام من بينها موقع Orientxxi فرنسي/عربي، وصحيفة الأخبار اللبنانية.

كلمات مفتاحية
الزواج المرأة

التعليقات

المقال التالي