ماذا يعني أن تكون لبنانياً يناقش احتراق مخيمات السوريين؟

ماذا يعني أن تكون لبنانياً يناقش احتراق مخيمات السوريين؟

أن تكون لبنانياً اليوم يعني أن تكون أمام خيارين.

إما أن ترى في السوري على الأرض اللبنانية إرهابياً أو مشروع إرهابي، فتبرر كل التدابير القاسية والمجحفة بحقه حتى لو تضمنت تعذيباً وقتلاً مشبوهَيْن، من دون أن يشغلك حقاً أي نقاش أخلاقي، وقد تذهب أبعد من ذلك فترى أن تلك ممارسات أخلاقية إذ ليس ثمة ما هو أسمى من "مكافحة الإرهاب".

وإما أن تقف إلى جانب السوري فتدافع عن حقه باحترام إنسانيته وظروفه وقد تذهب إلى دعمه بشكل عملي ومحاولة رفع الظلم عنه، فتجري عرقلتك وتهديدك وتُلصق بك تهمة "دعم الإرهاب"، وإن كنت محظوظاً يقتصر الأمر على وصفك بـ"الساذج" و"العاطفي" الجاهل بأمور الحرب والسيادة والوطنية و"قدسية البزة العسكرية".

بين طرفي النقيض ذاك، لم يعد ثمة من يصدّق صاحب رأي يجرّب الموازنة بين أحقية "مكافحة الإرهاب" وبين ضرورة الحفاظ على أخلاقية وإنسانية تلك المكافحة.

بالنسبة لطرفي الانقسام الحاد، فذاك رأي شاعري يجهل أن "الحروب على الإرهاب تفرض ضريبة إنسانية لا بدّ من دفعها"، وهكذا أصبح الرأي الثالث يتنافى مع السائد حالياً وفق معيار من ليس معنا فهو ضدنا.

الشخصية الوطنية

قبل الحرب السورية، كان إيجاد إجماع على موقف أخلاقي من قضية حساسة تهز الشارع اللبناني ربما أقل صعوبة، لم يعد الحال كذلك الآن.

يبدو أن المجتمع بات مرهقاً من المواقف التي تحتاج لجرأة تخالف التيار الغرائزي المتصاعد، فقرّر أن يستسلم لهذا التيار، إما بالتطبيع معه أو الصمت عنه.

لم يعد من الممكن توقع عكس ذلك، ففي أوضاع المنطقة المشتعلة والثمن الذي دفعه لبنان فيها في ظل ظروفه الضاغطة، يصبح لمفهوم الوطنية بعد آخر يبرّر القتل بحجة الأمن، ويستكين للمؤسسة العسكرية باعتبارها "آخر خطوط الدفاع" ويشيطن حكماً كل من توحي المؤسسة أنه ضد الوطن وضدها.

وبما أن التعاطف بات متعِباً نتيجة طول الحرب ودمويتها وتشابكها السياسي والأمني مع لبنان، وفي ظل تقصير الدولة اللبنانية وتصوير هذا التقصير على أنه "عبء سوري"، باتت "الشخصية الوطنية" اللبنانية عصية على المساءلة، إذ تدرج النقد الذي يطال مقاربتها لملف اللاجئين السوريين في لبنان في خانة الخيانة.

قد يبدو هذا التمهيد شديد التبسيط للمشهد اللبناني، وهذا صحيح، لكنه يعكس جواً سائداً لا ينفك يزداد تعقيداً وشحناً بالنفوس لدرجة أصبحت شديدة الخطورة.

وفي إطار الشحن، لا يمكن تجاهل الدور السلبي الذي لعبه بعض "المدافعين الشرسين" من السوريين واللبنانيين عن اللاجئين، والذي وصل درجة المبالغة في تصوير الظلم وفبركة أخباره وشيطنة اللبناني "العنصري" دون تفكيك الظروف الذي قادته لتبني موقف عدائي، فأتى كل ذلك على حساب اللاجئ في نهاية المطاف.

أقوال جاهزة

شارك غردفي منطقة مشتعلة، أصبح لمفهوم الوطنية اللبنانية بعد آخر يبرر القتل بحجة الأمن ويقدس البزة العسكرية

شارك غردأن تجد من يتلذذ باحتراق مخيمين للاجئين السوريين هذا الصيف لم يعد أمراً مستغرباً في لبنان...

استنسابية الحرائق

أن تجد مثلاً من يتلذذ باحتراق مخيمين للاجئين السوريين في لبنان في موسم الصيف لم يعد أمراً مستغرباً، كما أن تجد من يدافع عن تعذيب من يعتقل منهم، فبات أمراً شائعاً بحجة أن ذلك يحمي لبنان، وإن كانت تجربة أمريكا ودول أخرى في "مكافحة الإرهاب" لم تزد ولو مدماكاً واحداً في سور الدفاع عن الوطن، لا بل أسهمت في خلخلة الأساسات الموجودة.

في مطلع الشهر الحالي، احترق مخيمان في منطقتي قب الياس وبر الياس البقاعيتين. الفارق الزمني بين الحريقين كان يومين لا أكثر، بينما أتى الأول على ما يقارب المئة خيمة والثاني على العشرين خيمة. الأول حصل نهارا بينما الآخر وقع في منتصف الليل.

شبه تزامن الحريقين مع بعضهما، واتساقهما مع الجو المشحون السائد حيث الأخبار عن تنسيق بين الدولة اللبنانية والنظام السوري لإعادة اللاجئين إلى المناطق الآمنة في سوريا، كل ذلك، جعل الحديث عن احتراق مخيمات السوريين يأخذ بعداً آخر، مهما كانت نتائج التحقيق التي تفصل بين حريق طبيعي أو متعمّد.

مفتعل أو غير مفتعل؟

منذ ست سنوات، لا يكاد يخلو صيف لبناني من احتراق مخيم سوري أو أكثر، كما يمكن أن يشهد الشتاء بعض الحرائق.

يتحدث أحمد (اسم مستعار)، أحد العاملين في منظمة إنسانية دولية، لرصيف22 عن تجربته في توعية السوريين في المخيمات إلى الأسباب المؤدية للحريق وكيفية الوقاية منها.

يقول إن أسباب اندلاع الحرائق متعددة، فالمخيم في تركيبته هو عرضة لوقوع حوادث أكبر، بدءاً من نوعية الخيم سريعة الاشتعال، إلى كابلات الكهرباء العشوائية.

يخبر أحمد عن حريق وقع ليتبيّن لاحقاً أنه نتيجة "ماس" كهربائي تسبب فيه أحد الأشخاص الذي كان يحاول تسخين المياه بوضع الأسلاك الكهربائية مباشرة فيها. كما يحذر من إطارات الكاوتشوك التي توضع شتاء على أسطح الخيم لتثبيتها من العواصف ثم تترك هناك فيأتي الصيف بطقسه الملتهب ليجعل خطر تسببها باشتعال الخيمة مرتفعاً، كما يشير إلى أن بعض المخيمات تقع في أراضي زراعية تزرع بالقمح وغيره صيفاً، ويكفي رمي أعقاب السجائر فيها أو مرآة صغيرة لتسبب حريقاً هائلاً يطال المخيم.

هذه التفاصيل يؤكد عليها كذلك أحد العاملين في المنظمات الإنسانية المحلية، وهو سوري الجنسية، فيشير لرصيف22 إلى أن جميع التحقيقات الأولية في حريق قب الياس الذي شرد حوالي 700 لاجئ من مئة وخيمتين، تشير إلى أنه وقع جراء خطأ فردي، ونظرية أنه مفتعل تبدو بعيدة.

في المقابل، لم يتبين بعد السبب وراء احتراق مخيم بر الياس، الذي حصل منتصف الليل، وما زالت التحقيقات جارية حول الأمر.

يفضل الشاب السوري عدم الكشف عن اسمه فهو ككثر من أمثاله الذين يعملون في المجال الإنساني، باتوا يخافون من أن تلحقهم موجة الاعتقالات والإهانات. يشرح كيف أصبح يشعر بالتهديد من كل شيء، فـ"مكافحة الإرهاب" تبرّر كل الانتهاكات التي قد تحصل بحقه وحق غيره، وليس ثمة من يحميه وغيره من تهمة ملفقة أو من ترحيل دون وجه حق.

يسرد الشاب الكثير من الحوادث التي باتت تشكل تهديداً على حياة السوري في لبنان، كاعتقال صديق له يعمل في مساعدة اللاجئين في المخيمات بتهمة "التعاطي في الشأن السوري"، وترحيل آخر… لكنه يرى أن الحديث عن إحراق المخيمات وكأنها كلها نتيجة حوادث مفتعلة يعقّد المشهد أكثر.

ويشير إلى أن التعاون الحاصل بين أصحاب الأرض والبلديات تتيح للأول الحصول على إذن بطرد السوريين من أرضه، فضلاً عن القرارات الأخيرة التي قضت بإبعاد المخيمات لحدود 6 كيلومترات أقله عن النقاط والحواجز الأمنية. من هنا، لا داعي للإحراق كي يُطرد السوري من موقع ما، وإن كان الحريق المتعمد قد وقع في بعض الأحيان.

من الأمثلة على ذلك، ما حصل في بلدة قصرنبا البقاعية قبل أربعة أعوام، حيث أتى الحريق على عشرات الخيم وتولى سكان البلدة تفكيك المتبقي منها لطرد قاطنيها. حينها انتشر الخبر عن اغتصاب سوريين من المخيم لفتى معوّق من قصرنبا، فهبّ الأهل لطرد "الغريب" الذي يهدد منطقتهم.

تبيّن لاحقاً بحسب تقرير الطبيب الشرعي أن الفتى لم يتعرض للاغتصاب، وانتشرت الأخبار عن تلفيق ذلك الاتهام من قبل أحد أقارب الفتى الذي أراد إخلاء الأرض لاستثمارها، ولعدم رغبته بوجود هذا العدد الكبير من السوريين في بلدته.

بين مفتعل وغير مفتعل، يصبح النقاش اللبناني كمن يسير على خط مواز لا يلتقي مع ما يدور على أرض الواقع، لا داعي لانتظار تحقيق أو التأني في إطلاق موقف، فالثقة شبه معدومة بين الأطراف وعجلة العنصرية والعدائية ممن يعادي اللاجئ أو يناصره لا تعرف منطقاً أو عقلانية.

"أسميه أو لا أسميه عن حذر"

يحذر شاب سوري يعمل في لبنان مع اللاجئين السوريين في حديثه مع رصيف22 من مغبة المبالغة في تصوير الأمور. يحكي عن احتراق أحد المخيمات الضخمة بكامله قبل عامين والتي قيل الكثير أنها مفتعلة لتبيّن التحقيقات أنه نتيجة حادث فردي، إذ كانت إحدى نساء المخيم تطهو الطعام داخل الخيمة في يوم صيفي يهب فيه الهواء، فاشتعلت خيمة وتبعها الجميع قبل وصول فوج الإطفاء.

هذه المبالغة تجعل الناس تشكك في أخبار الظلم الحقيقي، وتُفقد المظلوم مصداقيته شيئاً فشيئاً. هي كما تلك "الصور المفبركة" التي تنتشر ويهب البعض بين الفينة والأخرى لكشف زيفها واستغلالها ضد فكرة "الضحية".

يقول الشاب "إذا قلنا إن الحريق غير مفتعل لا يعني أن أهل المخيم لا يتعرضون يومياً لمضايقات من هنا وهناك، ولا يعني أن بإمكان المجتمع المضيف أن يطردهم في أي لحظة، وهو قادر على ذلك. وإذا قلنا لا تنشروا صوراً مفبركة، فلا يعني ذلك أننا نريد التغطية على الجريمة، بل لأن الظلم واقع حقاً والقتل كذلك، فلماذا تمييع القضية وفتح المجال للمشككين؟".

على هامش آخر، ليست جديدة نغمة التداعيات اللبنانية التي يحاول البعض إلصاقها بالسوريين، ولكن الظرف السياسي الحالي يبدو مؤاتياً ليزيدها حريقاً، إذ يستنهض الخطاب السياسي الشارع طائفياً وعنصرياً. أما أسبابه فمتعددة، إما استجداء أموال ومساعدات إضافية، أو التهرب من المساءلة بلصق الفشل الداخلي بسبب خارجي، أو البحث عن شد عصب وطني قبل الانتخابات النيابية الموعودة…

هذا الخطاب السياسي العنصري وما يشبه رفعه الغطاء عن النازحين لا ينبئ بخير قادم. وخير من يعبر عن الحال "قصيدة من بيروت" للشاعر العراقي مظفر النواب،يقول في خاتمتها: "ونفحص أنفسنا / ونفحص الناس / نفحص كل الحروب / فإن اختلاط الضحايا مع القاتلين مصاب / أنا واقف في الخراب / أسميه أو لا أسميه عن حذر".

 

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي