من أدخل مفاهيم "الفاشنيستا" واليوغي" و"الفيمينيست" على تقاليد السعودية؟

من أدخل مفاهيم "الفاشنيستا" واليوغي" و"الفيمينيست" على تقاليد السعودية؟

إلى حد بعيد، تظل صورة السعودي في مخيلة الأجنبي كالكائن الفضائي المقطوع عن مجريات العالم.

وقد اعتاد السعوديون سماع عبارة: "واو! أنت فعلاً سعودي؟" عندما يُبدون أي نوع من التحضر أو الوعي أمام شخص أجنبي.

فهو بعين الأجنبي إما، مُضطهد لا يقدر على الدفاع عن نفسه ينتظر "منقذه الأبيض"، أو فاحش الغنى يملك مخزونات نفطية في باحة قصره، أوكاره لجميع الثقافات وعدو الإنسانية.

لكن الانغلاق في زمن وسائل التواصل الاجتماعية لم يعد مطروحاً، ولم يكتب له البقاء.

فما هي التغييرات التي طرأت على هذا المجتمع بعد مرور نحو عقد على دخول فيسبوك وتويتر ويوتيوب إليه، وهي الأدوات التي مكنت السعودي من إطلاق صوته دون رقابة مباشرة؟

أنا "فيمينيست"

لا يمكن لأي ساكن في السعودية أن ينكر التغيرات، أو حتى الثورة، الاجتماعية التي تعيشها المملكة بسبب التواصل مع "الآخر".

والآخر هنا لا يعني الأجنبي أو من هم خارج البلاد فقط، بل هم أيضاً أبناء البلد الواحد الذين لا يشبهون دائماً بعضهم البعض. بل إن هذا التواصل الداخلي هو الأكثر أهمية في هذه الثورة الاجتماعية.

يعود الفضل في ذلك بالمقام الأول إلى الثورة الرقمية التي قدمت للسعوديين منظوراً أوسع على العالم وفسحة بعيدة عن القيود المحلية.

تقول غادة عبدالله، وهي شابة سعودية تعمل في الرياض، إن وسائل التواصل الاجتماعية التي خلقت نافذة للتبادل، بدأت أولاً باطلاع السعوديين على ثقافات مختلفة وهم في مكانهم دون الحاجة إلى السفر، ومن ثم عرضهم ثقافتهم الخاصة.

العامل الآخر برأي عبدالله هو الأعداد الكبيرة للطلاب الذين سافروا في بعثات للدراسة على نفقة الدولة في الخارج.

فقد ذكرت صحيفة الحياة أن "عدد الطلبة السعوديين المبتعثين ضمن برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي يبلغ نحو 150 ألف طالب وطالبة وفقاً لإحصاءات 2013"، حوالي 110آلاف منهم في أمريكا فقط، بحسب الحياة.

"عاشر (المبتعثون) ثقافات مختلفة وتعلموا من تجاربهم ثم عادوا إلى البلاد، وهذا ما ساعد على إدخال أفكار متجددة إلى المجتمع السعودي"، تقول عبدالله لرصيف22.

قد تستغرب مثلاً وضع فتاة سعودية لاصقة "Feminist"، أي نسوية، باللغة الإنجليزية على حاسوبها المتنقل برغم الاحتمال الضئيل لوجود أي مَرجِع عن الحركات النسوية في محيطها.

فأين تعرفت الفتاة السعودية على الحركات النسوية في بيئة غير واعية بها إطلاقاً؟

"عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي"، تجيب عبدالله، وتضيف: "الجميع أصبح لديه صوت في الوقت الحاضر، بينما كان ذلك ميزة تمتاز بها القلّة من خلال وسائل الإعلام التقليدية في الماضي. وفوق ذلك، كانت تلك الوسائل التقليدية خاضعة لرقابة مشددة."

أقوال جاهزة

شارك غردالجميع لديه صوت في الوقت الحاضر في السعودية، بينما كان ذلك ميزة لقلّة من خلال وسائل الإعلام في الماضي

تجديد الثقافة المحلية والوعي الذاتي

حساب ساخر على موقع Instagram اسمه "Not Your Typical Saudi" أو "السعودي اللانمطي" يبلور صفة جوهرية ومثيرة للاهتمام لهذه النقلة الاجتماعية السعودية. ألا وهي وعي السعوديين ومعرفة ذاتهم وفرادة طباع مجتمعهم.

يقوم هذا الحساب بتوثيق الظاهرات والتغيرات الاجتماعية والثقافية التي يشهدها المجتمع السعودي، مع التعليق عليها بطريقة ساخرة لكن واعية.

كما يقوم الحساب بتجسيد ظاهرة “الشرق يقابل الغرب”، فيتحدث لشريحة كبيرة من المجتمع السعودي الشاب الذي يَجمع انتماءه للثقافة المحلية السعودية مع فهمه الدقيق لشخصيته وتبَنِّيه بعض سمات الثقافة الغربية.

أصبحت الأشياء والعادات المحلية مثار اهتمام الشباب، الذين أعادوا تصنيعها وتصديرها بشكل معاصر. وقد ظهر ذلك جلياً في محتوى قناة يوتيرن وتلفاز 11 على اليوتيوب، وفي الأزياء، مثل ماركة فيونكة للمصممة آلاء البلخي.

هذه الخاصية، إلى جانب التفكير النقدي بشكل عام، كانت أساساً لمحاولة فهم بعض وقائع الحياة في السعودية، والدافع نحو تطوير وتجديد الثقافة السعودية والمجتمع السعودي.

إعادة تقييم الموروث والاتجاه نحو الاعتدال

يدرس السعوديون في المدارس أن "الموسيقى حرام" و"التصوير حرام" و"رسم المخلوقات حرام" والقائمة تطول.

ولكن اليوم، تُسمع الموسيقى في فعاليات هيئة الترفيه، وتُشاهَد أفلام سعودية في مهرجانات الأفلام، ويتم إرسال فنانين وفنانات إلى معارض فنية في الخارج.

تقول الطالبة الجامعية مي محمد: “هنالك محاولات لإبعاد الناس عن التطرف الديني والدفع بهم نحو الاعتدال. كما أن تزايد التطرف الديني وتفشيه في جميع أنحاء العالم دفعا الناس إلى مُساءَلة وإعادة تقييم ما تم تعليمهم إياه عن الدين وأحكامه".

من الجدير بالاهتمام تزايد عدد حسابات نقد الموروث الديني على مواقع التواصل الاجتماعي في السعودية، إذ تهدف هذه الحسابات إلى نشر قراءة جديدة ودقيقة للإسلام مبنية على المصدر الأساسي: القرآن، بدلاً من كتب الدين المتوارثة.

وتُلاحِظ محمد تغيّر بعض طباع الناس السلبية بشكل عام، مشيرةً إلى تقلص "ظاهرة الحكم على الناس" إلى حد جدير بالانتباه.

تقول محمد: "عدد أكبر من السعوديين بات اليوم أكثر تقبلاً للاختلافات الموجودة في المجتمع. كما أن هنالك انخفاضاً ملحوظاً لنزعة تبني الحكم المسبق على الآخرين بسبب هذه الاختلافات".

”الفاشنيستا” و“اليوغي" حتى ”الأونترپينيور"

من ثمرات النقلة الاجتماعية، مساعدة وسائل التواصل في تمكين الشباب اقتصادياً.

فقد استغلوا طبيعة استهلاكية المجتمع السعودي.

فالسعودية، مثلاً، "تملك أكبر سوق استهلاكي لمستحضرات التجميل والعطور الفاخرة في الشرق الأوسط"، بحسب دراسة لعام 2011 نشرتها صحيفة الرياض.

واستطاع الشباب السعودي توظيف وسائل التواصل الاجتماعي لتسويق منتجاتهم الشخصية، وترويج منتجات الآخرين، متخطين شركات التسويق والطرق التقليدية للبيع والشراء.

وقد أظهرت دراسة أجرتها شركة أرامكو عام 2015، ونشرتها مجلة عرب نيوز السعودية، أن المملكة تحتل المركز السابع عالمياً من حيث عدد حسابات الأفراد على مواقع التواصل المختلفة.

ساهم ذلك في ظهور مشاهير مواقع التواصل، الذي يروجون للبضائع وللفلسفات الحياتية المختلفة.  فـ”الفاشنيستا” و “اليوغي" و”الأونترپينيور"، مهن لم تُرَ بهذه الكمية الوافرة في السعودية من قبل. ولكنها أصبحت نمطية في السنوات الخمس الماضية.

تقول عبدالله: “هنالك موجات عالمية دخلت إلى المجتمع السعودي في السنوات الماضية ووصلت إلى حد الكليشيهات في هذه الأيام، مثل جنون الهيلثي فود (الطعام الصحي) أوالفيتنس (اللياقة) أو بعض الشخصيات النمطية مثل البيوتي جوروز (خبيرات التجميل)".

وهنالك كذلك ظاهرات أخرى مثل "الستارت أپس"، أو الشركات الصغيرة، وعربات الطعام التي تنتشر في شوارع جدة، ويمتلكها ويديرها ويعمل فيها شباب سعوديون، وهذا لم يكن وارداً في تسعينيات القرن الماضي أو حتى في بداية الألفية.

اليوم، يستخدم الشبان والشابات السعوديون المنصات الاجتماعية للتعبير عن أنفسهم وعن مجريات حياتهم، ولمتابعة أساليب وفلسفات الحياة المختلفة كالـ”minimalism” وأساليب التغذية كالـ””veganism.

وأصبحت الشبكات الاجتماعية نافذتهم على عالم أكبر وأكثر تنوعاً ولمعاناً من عالمهم المقيّد.

كاتبة وصانعة أفلام سعودية

التعليقات

المقال التالي