"على السُّنة" الاسم البديل للزواج العرفي "سيء السمعة"... والضحايا فتيات قاصرات

"على السُّنة" الاسم البديل للزواج العرفي "سيء السمعة"... والضحايا فتيات قاصرات

أحبت نورهان أحمد (20 عاماً) رجلاً وهي في الخامسة عشرة فقررت أن تتزوجه.

كتب العقدَ مأذون لكنه أبقاه عرفياً دون أن يوثقه في سجلات الدولة لعدم بلوغها السن القانوني للزواج: الثامنة عشرة من عمرها.

تزوجت بلا ضمانات أو حقوق أو اعتراف قانوني. زواج لا أثر له في أي سجل رسمي في الدولة، استمر لثلاث سنوات دون توثيق، حتى أنجبت طفلها الأول.

"كانت الأمور تسير على ما يرام لم يؤرقنا في شيء تسجيل الزواج من عدمه. لكن اضطررنا إلى توثيق العقد بعد إنجاب الأطفال والتفكير كيف يدخلون المدارس دون شهادات ميلاد"، تقول أحمد لرصيف22.

بعد فترة، حدثت مشاكل ومشاجرات بين زوجها وحماتها التي أسكنتهم في بيتها، لعدم استقرار الزوج في عمل ثابت. حتى طردتهم الأم من المنزل وذهبا للعيش في غرفة صغيرة، لكن الأمر زاد سوءاً حينما نفد ما لديهم من أموال.

أخذت أحمد نفساً عميقاً وسكتت برهة ثم قالت: "لم يستطع تحمل كل هذه الأعباء... فانتحر".

مات الزوج.

كان قد وثّق زواجهما قبل أن ينتحر بشهر واحد، لولا ذلك لكانت اليوم تخوض معاركَ في المحاكم المصرية لإثبات زواجها. لكنها وقعت في مشكلة أخرى، فلا يوجد لطفليها شهادة ميلاد.

الطفلان لدى الحكومة كالعدم، أُنجبا في الفترة التي كان زواجها غير موثق.

يفرض القانون المصري السن القانونية للزواج بعد 18 سنة ميلادية كاملة، ويحظر تسجيل زواج الأطفال، لكنه لا يجرمه.

لكن زواج القاصرات استراتيجية للبقاء الاقتصادي، حيث إن الأسر الفقيرة تزوج بناتها في سن مبكرة للحد من الأعباء الاقتصادية عليها.

يحصل ذلك بعقود عرفية يكتبها مأذون تحت مسمى "زواج على السُّنة"، لا يتم تسجيله في الدولة، حتى تتم العروس السن القانونية.

فما هي نتائج هذا الارتباط؟

الفتاة وأطفالها، ليس لهم حقوق

"نادراً ما تلتزم العائلات بالقانون نظراً للعادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية الراسخة في عقول البعض اعتقاداً منهم بأن الزواج المبكر يحمي الفتيات من الاعتداءات الجنسية والعنف، وآخرون يعتبرونه وسيلة لستر الفتاة، فيما يؤثر المال على آخرين"، تقول نهال عمران المديرة التنفيذية لمركز القاهرة للتنمية وحقوق الإنسان.

وتضيف عمران لرصيف22 : "ويكون نتيجة لذلك أن تصبح الفتاة (المتزوجة) وأطفالها غير مرئيين لدى الدولة حتى يتم إثبات الزواج، ويكونوا هم والعدم سواء".

يقول محمود البدوي رئيس الجمعية المصرية لمساعدة الأحداث وحقوق الإنسان، إن بعض العائلات تلجأ إلى محامي لكتابة عقد الزواج ومن ثم يذهبوا بالعقد إلى مأذون بعد وصول الفتاة للسن القانونية ليصدق على العقد ويعطيهم وثيقة تسمح لهم بتوثيق الزواج.

أما بخصوص ترك الزوج للفتاة قبل التوثيق يقول البدوي لرصيف22، إن الفتاة يُفرض عليها الانتظار حتى إتمام 18 عاماً ومن ثم تتحرك في الإجراءات، بداية من توثيق الزواج وبعد ذلك توثيق الطفل، هذا إذا كان الزوج موجوداً، أما إذا تركها، فهي وقعت في ورطة، وسيكون أمامها إثبات العلاقة الزوجية.

ملايين الفتيات زوّجن تحت 18 سنة

بحسب دراسة صدرت عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في 2016، فإن 17% من الفتيات في مصر متزوجات قبل بلوغهن الـ18، و2% قبل بلوغهن الـ15.

حكومياً، قالت الدكتورة هالة يوسف وزيرة الدولة للسكان في مايو 2015 إن نسبة الزواج المبكر لمن دون 18 عاماً تبلغ 15%، وتزداد في المحافظات الأكثر فقراً، وهي نسبة متقاربة مع التي صدرت في المسح السكاني، الصادر من مجلس الوزراء عام 2014، التي أوضحت أن نسبة الزواج المبكر في 14 في المئة.

لكن التقرير الذي صدر من منظمة العدل والتنمية، غير الحكومية، في ديسمبر 2014 قال إن نسبة الزواج المبكر من سن 15 إلى 17 عاماً للفتاة، أي دون السن القانونية، تصل نسبته داخل الصعيد والمحافظات الحدودية إلى نحو 30%.

"على السُّنة" بديلاً للعرفي "سيء السمعة"

في المحافظات التي تنتمي إلى أعراف وتقاليد تتبنى نظرية تزويج الفتيات بداية من 15 عاماً، تكون الكلمة الأولى والأخيرة لكبير العائلة سواء الجد أو الأب. فالأولوية دائماً لتزويج الفتاة في أسرع وقت ممكن.

وينكر أهل الفتاة أهمية توثيق العقد اعتماداً على عدم وجود مأذون في العصور الإسلامية بداية من الرسول ثم الصحابة، لذلك يعتقدون بأن التوثيق ليس ضرورياً. وهم لا يسمون هذا العقد عرفياً، رغم عدم تسجيله في الدولة، بل يعتبرونه "على السنة"، إذ أن الذي يعقده مأذون.

وهذا ما تعرضت له منال عبد الحميد (اسم مستعار) 19 عاماً في محافظة بني سويف جنوب مصر. تزوجت قبل أن تكمل الـ16 عاماً وقيل لها أن عقد الزواج سيوثق بعد أن تكمل الـ18 عاماً.

أضافت: "التوثيق حدث بعد إتمامي 18 عاماً بيومين وكتب به تاريخ زواج حديث يوم التوثيق وليس يوم زواجي".

تقول عمران إن "عدم توثيق العقد من جانب المأذون يعتبر تدليساً على الناس وتزويراً في الأوراق الرسمية فيما بعد".

كيف يتم الزواج على السُّنة؟

يقول أحمد كمال، مأذون شرعي في حي حلوان، جنوب القاهرة، لرصيف22 إن خطوات عقد قران "على السُّنة" بسيطة.

يجلس العريس والعروس، أحدهما أو كلاهما دون السن القانونية، وتحدث كل إجراءات الزواج المتعارف عليها لكن بعقد زواج عرفي مدون فيه 5 شروط، أولهما قبول الطرف الأول الزواج من الطرف الثاني زواجاً شرعياً على كتاب الله وسنة رسوله بأحكام الشريعة الإسلامية، وثانيهما الاتفاق على مبلغ الصداق.

أما ثالث الشروط فينص على قبول الطرف الثاني الزواج من الطرف الأول برضا تام، رابعهما قبول الطرفان أحكام هذا العقد بما تقتضي به الشريعة الإسلامية، وأخيراً تحرير نسخة من العقد لكل طرف.

ويوقع الطرفان أسفل العقد، بالإضافة إلى توقيع الشاهدين على الزواج لكن هنا لا يوجد صورة لأطراف العقد مثل العقد الرسمي.

"بعد إتمام إجراءات هذا الزواج أمام العامة يأخذ المأذون على عائلة العروسة إيصالات أمانة بمبالغ مالية حتى لا يبلغ أو يشتكي أحد عنه لعدم صدور وثيقة زواج" يقول كمال، معتبراً أن بذلك يؤمن هذا الشخص نفسه لأنه لو أُبلغ عنه سيتعرض للمساءلة القانونية.

أقوال جاهزة

شارك غردبعد إتمام زواج القاصر يأخذ المأذون على عائلة العروس إيصالات أمانة بمبالغ مالية حتى لا يشتكي أحد عنه

شارك غرد"على السُّنة" الاسم الجديد للزواج العرفي  "سيء السمعة"، والغطاء المستخدم لتزويج القاصرات

ويتقاضى هذا الشخص مبالغ متفاوتة حسب طبيعة المنطقة ومستوى العائلة الاجتماعي، يقول كمال البعض يحصل من 500 إلى 6 آلاف جنيه أو أكثر لأنها ورقة عرفية لا يدري الناس ما كتب بها، ويستطيع أي محام إتمامها.

يقول المأذون الشرعي بضاحية حلوان، إن هذه الإجراءات يستطيع أن يؤديها أي شخص لكن الأهالي في بعض المناطق داخل مصر خاصة الصعيدية تفضل شيخاً مأذوناً حتى يكون لموضوع الزواج صبغة دينية.

الأعراف والتقاليد تجهض القانون

بعد إتمام عقد الزواج بالشكل السالف ذكره، تفقد الفتاة كل الحقوق المالية والقانونية التي توفرها لها الدولة، وتجعلها تعيش في وضع قاسٍ.

تقول عمران: "الفتاة تحت 18 عاماً بالنسبة للقانون طفلة غير مؤهلة لإتمام العلاقة الجنسية وغير قادرة على إتمام إجراءات الزواج، وتستطيع الفتاة التي تتزوج قبل السن القانونية رفع قضية على الزوج باغتصابها وانتهاك طفولتها واتهامات أخرى للزوج ووالدها".

رعونة القوانين جعلت العائلات لا تخشى عقاب تزويج بناتها مبكراً، عقوبة الحبس صغيرة ومبلغ الغرامة بخس، هذا إذا أبلغت الفتاة (المتضرر) عن الواقعة أما دون ذلك فلا عقاب عليه.

أما إذا أنجبت الطفلة فلن توثق طفلها في السجلات الرسمية إلا بعد بلوغها 18 عاماً وتوثيق زواجها، لكنها تستطيع استخراج شهادة إثبات واقعة الإنجاب فقط.

"ينص القانون 126 لسنة 2008 على أنه للأم الحق في الإبلاغ عن وليدها وقيده بسجلات المواليد، واستخراج شهادة ميلاد له مدون بها اسمها، ولا يعتد بهذه الشهادة في غير إثبات واقعة الميلاد"، تقول عمران.

زوجة ثانية أمام الناس وأولى لدى الدولة

تقول هند مصلحي (اسم مستعار) 35عاماً من مدينة المحلة الكبرى التابعة لمحافظة الغربية، إنها تزوجت تحت سن السادسة عشر، دون توثيق عقد الزواج وأنجبت طفلاً في عامها الأول، لكن شاء القدر أن مات زوجها قبل توثيق العقد في وزارة العدل من جانب المأذون.

ترتب على ذلك ضياع حقوق كثيرة لها ولطفلها.

في البداية أُرغمت على الزواج من شقيق زوجها المتوفى وأصبحت زوجة ثانية أمام الناس وأولى في السجلات الرسمية، ظناً من العائلة أن بذلك يحافظ عليها وعلى الطفل، ويحمي الميراث من الضياع.

تقول لرصيف22: "نظراً لوفاة جد ابني، وزع ميراث زوجي بين إخوته وأمه، وأخذ شقيقهم الذي تزوجني مبلغاً أكبر على أساس أنه يربي الطفل".

وتضيف عمران أنها لن تحصل على أغلب الحقوق بداية من الميراث أو النفقة أو المؤخر أو الميراث أو المعاش بالطرق القانونية، لكن يمكنها بطرق ودية.

التحايل على القانون بمباركة الدولة

تمتع قوانين الدولة المصرية الزواج المبكر لكنها لا تضع حلولاً للعائلات التي تُصر عليه، لذلك يلجأ البعض إلى حيل مثل تقديم شهادة تسنين تصدرها إدارة صحية حكومية، وفي بعض الحالات يزور بعض الموظفين في هذه الإدارات الشهادات بالاتفاق مع أسرة الفتاة.

كما يمكن أن يثبت الزواج في بعض المحافظات ويعتد به لدى تقديم شهادة من اثنين من الأقارب كما هو الحال أحيانا بين البدو وبعض القبائل في النوبة وفي الوادي الجديد والبحر الأحمر ومرسى مطروح وسيناء.

الفتاة هنا تكون محاصرة من الجميع، عائلتها التي تزج بها في حياة زوجية لا تقوى عليها جسدياً وعقلياً ونفسياً ومن ثم زوجها الذي يوافق على تعريضها للخطر بعدم توثيق زواجه منها، ثم الدولة التي ترعى وتتغافل عن توقيع عقوبة قاسية على من يجعل طفلة تنجب طفلة.

التعليقات

المقال التالي