ماذا يعني أن تكون/ي ابن/ة فيروز وصباح فخري وعمالقة آخرين؟

ماذا يعني أن تكون/ي ابن/ة فيروز وصباح فخري وعمالقة آخرين؟

أن يكون لك أب وأم وأخ ليسوا كالجميع. أن تكون والدتك السيدة فيروز ووالدك عاصي الرحباني وشقيقك زياد الرحباني وعمك منصور الرحباني وأن تكون خالتك هدى حداد وأن تخسر ليال، شقيقتك و"قدوتك"، في الحرب وأن وأن…

يعني أن تكون ريما الرحباني بكل ثقل تجربة العيش بين "أساطير" (كل من هؤلاء أصبح ظاهرة و"أسطورة" على طريقته)، ويعني أن تحمل في داخلك تناقضات تجعل منك شخصية إشكالية، وفي معظم الحالات - كما في حالة ريما - يطغى فيها السلبي على الإيجابي في أذهان الناس.

ريما... "لمين"؟

بعد انقطاع سبع سنوات، نزل خبر تحضير السيدة فيروز ألبوماً جديداً بعنوان "ببالي" (المزمع إطلاقه في 22 سبتمبر المقبل) "برداً وسلاماً" على المدّ الهائل من محبيها حول العالم.

كانت ابنتها ريما قد بدأت قبل أيام بنشر فيديوهات على صفحة الفنانة الرسمية تظهر "السيدة" وهي منهمكة بالتسجيل. لم تطل حال الترقب حتى خرج صوت فيروز طازجاً قوياً كسابق عهده في أغنية "سينغل" بعنوان "لمين" في الـ21 من الشهر الحالي، تزامناً مع ذكرى رحيل زوجها عاصي في اليوم نفسه من العام 1986.

ولكن الأغنية المنتظرة، والتي ترجمتها ريما عن أغنية "لمن تسهر النجمة"                                          Pour qui veille l’étoile للفنان الفرنسي جيلبير بيكو والشاعر بيار دولانوي، أثارت ضجة كبيرة بين من رحب بعودة "السيدة" وصوتها المعتق الذي لم يُخدش رغم تخطيها الثمانين وبين من خاب أمله  بأغنية "لا طعم لها ولا لون" ولا ترقى لمصاف ما قدمته فيروز.

كالعادة، حظيت ريما بالحصة الأكبر من النقد "لمحاولتها الظهور على حساب أمها"، على اعتبار أنها "تستفيد من خلاف الوالدة مع ابنها زياد الرحباني" الذي رافقها في مشوار غنائي مميز كان آخره ألبوم "إيه في أمل" (2010). وعادت الاتهامات القديمة لريما لتشتكي من "احتكارها لفيروز" و"تخبيصها" ونعوت كثيرة أخرى لا مجال لذكرها هنا.

"حندقّة" أو "مش حندقّة"؟

تحولت أغنية "يلا تنام" التي غنتها فيروز لابنتها ريما في فيلم "بنت الحارس" إلى ما يشبه التعويذة التي تلجأ إليها الأمهات لضمان نوم أولادهن بسلام.

"ريما ريما الحندقة" هاجمها كثر على أغنية "لمين"، فبدا وكأن فيروز مسيّرة لا مخيرة في قرارها تأدية أغنية ترجمتها ريما بهذا الشكل.

وهكذا، مرة أخرى، بدا كأن "الحندقّة" لم تعد حندقّة، و"يلا تنام ريما" أصبحت دعوة معاكسة تستخدمها فئة من الجمهور طالبة كف يد ريما عن فيروز التي يعتقد كل محب امتلاكه حصة منها.

في رد لها على الضجة التي أُثيرت، تقول ريما "طوال عمرها كانت فيروز تحبّ  الأغاني المترجمة"، مضيفة "هو مشروع أرادت تنفيذه منذ وقت طويل وربّما كان تقصيراً منّي أنّني لم أهتم بالموضوع لأنّ الحياة ركض بركض وكل الأعباء عليّ".

تضيف "اللي بدو يهجم يهجم بعمرو ما حدا عجبو العجب، ولا مرّة من أوّل لحظة كان الكل مع... كان الكل مع يعني في شي غلط"، في حين تبقى جملتها "ليس سهلاً أن تكوني ابنة فيروز" الأكثر صدقاً ربما في التعبير عن الموقف.

أقوال جاهزة

شارك غردتشكل ريما الرحباني مثالاً فاقعاً عن حجم الضغط الذي يُلقى على عاتق أبناء المشاهير و"العظماء"... فيروز #لمين

شارك غردماذا يعني أن تكون أمي أو أبي لي ولكل الناس في الوقت عينه؟ سؤال طرحه مشاهير كثر...

أولاد المشاهير وعلم النفس

قد تشكل ريما مثالاً فاقعاً عن حجم الضغط الذي يُلقى على عاتق أبناء المشاهير و"العظماء"، ضغط غاص فيه علماء النفس بحثاً ودراسة وحمّلوا فيه الكثير من المسؤولية للأهل والجمهور والشهرة.

عند التعمق في تفاصيل حياة فتاة عاشت في كنف عائلة مماثلة، وفي الأبعاد النفسية والإنسانية لتلك الحياة، يبدو تحميل ريما كل تلك المسؤولية نوعاً من المبالغة الظالمة.

1- مسؤولية الشهرة والأهل

يناقش تقرير في مجلة "هوليوود لايف" الأثر النفسي لشهرة الآباء على أطفالهم فيقول إنهم من أكثر فئات الأطفال تعرضاً للإصابة بالاكتئاب، لأن العلاقة التي تجمعهم بذويهم تكون مرتبكة، إذ أن اهتمام الأهل الفائض بأنفسهم وبعملهم وشهرتهم يأتي على حساب الأولاد ولو عن غير قصد.

كما تشرح المجلة أن مرحلة المراهقة هي المرحلة التي يحاول فيها الشخص بناء هويته وتأكيد تمايزه عن محيطه المباشر، ولكن في حالة شهرة الأهل يصبح رسم خطوط هذا التمايز أمراً شاقاً ويؤدي إلى مزيد من الإرباك. وفي هذه المرحلة الحساسة من بناء الشخصية يجد الشخص نفسه وسط مفاهيم كبرى كالشهرة والهالة والعظمة التي لا يتشاركها عموماً مع من هم في سنه من الأولاد العاديين.

وفي حين تُعتبر "ملكية" الأبناء للأهل فكرة بديهية غالباً، يختلف في المقابل تعامل أبناء العظماء معها، وإن بدرجات متباينة. ماذا يعني أن تكون أمي أو أبي لي ولكل الناس في الوقت عينه؟ سؤال طرحه كثر في مرحلة ما، كابنة إلفيس بريسلي وابن جون لينون وابن فرانك سيناترا... كذلك ابنة فيروز ووديع الصافي وغيرهم.

2- مسؤولية الجمهور

عندما يتحول الفنان لظاهرة وأسطورة كما في حالة السيدة فيروز، يرى كل محب فيه قطعة منه. يستعيره في صباحاته ومناماته، يعتقد أنه يغني له وحده، ويعرفه أكثر مما يعرف نفسه.

بعد سيل الانتقادات تبقى جملة ريما "ليس سهلاً أن تكوني ابنة فيروز" الأكثر صدقاً ربما في التعبير عن الموقف

تصاعدت شكاوى متكررة من إحكام ريما، التي تدير أعمال فيروز وتقوم بتصويرها، قبضتها على والدتها، و"تسويرها" بحاجز يبعدها عن الصحافيين والعالم الخارجي، ومن تقنينها في نشر الصور والحفلات. شكاوى مبررة لطيب نوايا مطلقيها الذين يدفعهم الحب الجارف لـ"فيروزتهم".

ولكن مرة أخرى، تظهر فيروز وكأنها مسيّرة، وتظهر ريما كهدف سهل للشيطنة وتحميل المسؤولية. لا يعني ذلك أنها تمارس مهامها على أكمل وجه أو تقوم بالأمور بشكل صحيح.

ولكن من يمتلك حق رسم علاقة بين ابنة ووالدتها حتى لو كانت بحجم فيروز؟ وإن امتلك أحدهم هذا الحق، فهل يمكن إهمال الضغوط النفسية التي تصحب شخصاً بموقع ووظائف ريما؟

ما كتبته ريما هنا يشرح بعض تلك الضغوط:


أما ما قالته في إحدى مقابلاتها في العام 2008، فيفسر الكثير.

تقول ضاحكة "أصبحتُ ريما الممنوع"،  فهي تعلم أن مجابهة الناس بنعم أحياناً وبلا في أحيان كثيرة (جداً)، في ما يتعلق بشخص تهفو إليه القلوب والعواطف مثل فيروز، تكون من تبعاته أن تتحمل أحياناً كره "المحبين" ممن كان الصد من نصيبهم.

تتولى وحدها اليوم مسؤولية والدتها، ولا تعرف "أي نعت أو صفة تنطبق على كل ما أقوم به"، فهي تواكب كل ما يعني أمها بالمعنى الحرفي، وتتابع شؤون المنزل وشؤون أخيها المُقعَد هلي.

تعرف أن الناس تتهمها بأنها "لا تطيق أن يقترب أحد من فيروز غيرها"، لكنها تقول "أين كنت أنا حين كان كل هذا يحصل؟ أنا وعيت على هذه الدنيا وفيروز هكذا... بالعكس، أحس أنني عملت شيئاً إيجابياً في نقطة من هذه النقاط: أي تصوير فيروز ومسرحياتها وأعمالها. بالأول، لم يكونوا يصورون شيئاً!".

تعترف كذلك "كنت أفضل أن أعمل شيئاً أريد أن أقوم به. وبعد إنجازه، أقوم بما علي إلى جانب فيروز... بملء اختياري، لو قمت بذلك لكنت مرتاحة مع نفسي. لكني الآن، لا لست مرتاحة"، وعند سؤالها "هل يعذّب هذا الإحساس أمك؟ هل عوّضت العلاقة على كبر ما فاتكما في الصغر؟" تجيب "لم أحك لها عن هذا الأمر. واللي راح راح. هناك وقت وعمر لكل شي".

"فينومينولوجيا الشهرة": أنس فخري وجورج الصافي وآخرون

في بحث مطول لكل من دونا روكويل وديفيد جيلز، نشرته مجلة Journal of Phenomenological Psychology، يناقش أستاذا علم النفس "فينومينولوجيا الشهرة"، ويتعمقان في بحث تأثير الشهرة على عائلات المشاهير.

يعاني أبناء المشاهير من مشاعر متناقضة. في مرحلة الطفولة قد يعتقدون، في حال حاول الوالدان إبقاءهم في الظل بعيداً عن الأضواء، أن أهلهم لا يرغبون بهم، وتنتابهم مشاعر غضب وإحساس بالذنب.

وفي حال وضعهم الأهل في دائرة الضوء قد يلامسون مرحلة فقدان الهدف الواضح في الحياة، فالشهرة والشعور بالإنجاز المبكرين يسهمان في ذلك.

تلقت ريما الرحباني كل اللوم على أغنية #فيروز الجديدة #لمين ولكن لنؤنسن الأمر قليلاً.. هل تتخيلون ما يعنيه أن تكون والدتكم فيروز؟

في مرحلة متقدمة، يرافق أولاد المشاهير سؤال عما إذا كانوا يريدون التشبه بأبيهم أو أمهم المشهورين، وفي حال كانت إنجازات هؤلاء عظيمة يصبح الأمر تحدياً لا واعياً في ذهن الأبناء، إما ليكونوا على قدر من المسؤولية وإما ليثبتوا أنفسهم خارج إطار عائلتهم، وفي مطلق الأحوال يترك هذا الأمر ضغوطاً نفسية جمة.

وبحسب الباحثين، تترافق الشهرة مع تجربة الثراء والإمكانيات غير المحدودة والفرص، إلى جانب انعدام الخصوصية وارتفاع سقف التوقعات الخيالية وانعدام الثقة بالعالم الخارجي… ولكل ذلك أثره على العائلات.

ابنة مايكل جاكسون، الذي توفي والدها وهي على أبواب مراهقتها، وجدت نفسها في دائرة ضوء غير متناهية، وفي خضم مشاكل قانونية وعائلية حول إرث جاكسون الفني والمادي، وإشاعات لا تنتهي وملاحقة "البابارازي" الشرهة، فهل يمكن لومها على محاولة الانتحار التي كادت تودي بحياتها؟

على هامش آخر، تبرز على سبيل المثال الانتقادات اللاذعة التي طالت أنس أبو قوس، نجل الفنان الكبير صباح فخري (صباح أبو قوس).

كلما أطل الوالد في هذا العمر والوضع الصحي ليغني بينما يبدو منهكاً لا يشبه صاحب "القد المياس" الذي تمايل وأبدع وأطرب على المسرح منذ عقود، يخرج الجمهور ليطالب عائلة فخري، وتحديداً ابنه، بالحفاظ على صورته بكامل رونقها وتجنيب "عملاق الطرب" الحصول على شفقة الناس بدل سلطنتهم.

يبدو الأمر منطقياً، لا بل شديد المنطقية، ففخري أصبح ملكاً لكل من "اجتمع على عقيقه" وليس لابنه وحده، الذي يُتهم بالتسلق على مجد أبيه لمآرب فنية وتجارية.

هنا أيضاً، ثمة ولكن. في إحدى ردوده على اتهامات الصحافة قال أنس قبل سنتين "أنا أتصرف بمنتهى التضحية، وإن كانوا يحبون صباح فخري فلا يجب أن يهاجموني". ثم توجه إلى "الحاقدين" قائلاً "لا أسمح لأحد بأن يزايد علي بمحبة أبي، فأنا ووالدتي عانينا كثيراً بمرضه والمقربون منا يعلمون ذلك".

ولمن يطالبون والده بالاعتزال، أوضح الابن أن "الفريق الطبي نصح بضرورة استمرار حياته على ما هي عليه والامتناع عن حرمانه المسرح والناس".

ولم ينج كثر من أبناء الفنانين، وإن بدرجات متفاوتة، كابن وديع الصافي وابن ملحم بركات وابنة صباح، من التعليقات التي ترى أنهم استغلوا موقعهم الفني لشهرة أكبر أو مصلحة ما.

تتحول نظرة البعض إلى ما يشبه التقديس للفنان، فيتناسون أنه إنسان له احتياجاته ومشكلاته، ثم تتحول لأبنائه الذين يصبحون في مرحلة ما أصحاب سلطة على عمله أو إرثه فيراهم البعض آلات ينبغي لها أن تنفذ ما يريده الجمهور.

صحيح أن الفن يتفوق أحياناً على الحياة الشخصية والحفاظ على البهاء مسؤولية حتمية مطلوبة من الفنانين وعائلاتهم. ولكن لنؤنسن الأمر قليلاً. الأبناء يبقون أبناء، في حلاوة علاقتهم بذويهم وفي مرارتها. يمكن مطالبتهم بالكثير لكن المبالغة في ذمهم أو تحميلهم ما لا يُطاق فيه كثير من المبالغة، إن لم نقل الظلم.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي