الموصل: شاركونا أمسية رمضانية بدون داعش

الموصل: شاركونا أمسية رمضانية بدون داعش

هذا هو أول رمضان يمر على أهل الموصل بعد أن انقشعت غمامة داعش التي خنقت أنفاسهم منذ أكثر من عامين. عامان كانا كافيين ليتغلغل الخوف في النفوس، وتغادر المتعة القلوب، وتلزم النساء البيوت، وتعقد الألسن وتنطوي القلوب على ما يجيش بها من قلق وترقب.

يقول الصحفي أ.أ من الموصل والذي فضل عدم ذكر اسمه أن أيام رمضان تحت حكم داعش كانت تنقضي بين جدران المنزل "الذي بدأ يخنقنا كعلبة كبريت، خصوصاً حين كنت أبحث عن مكان لأخفي فيه شريحة هاتفي خوفاً من تفتيش مفاجئ".

ويضيف الصحفي الموصلي "كنت أقضي يومي مستعجلاً الوقت ليمضي حتى أخلد إلى النوم وأبتعد بفكري عن القلق الذي سيداهمني مجدداً حين أصحو. خوف لم يكن من الأيام القادمة فقط بل من الساعات القادمة. هجروا المسيحيين وسلبوا أملاكهم، وسبوا اليزيديين ودمروا آثار الموصل ومراقدها. تغيرت مدينتي حتى لكأني لا أعرفها".

هكذا عاش الموصليون أيامهم، ورمضانهم الذي يعد أهم شهور السنة في الحركة التجارية والتواصل الاجتماعي، منكفئين على أنفسهم بأنفاس محسوبة ورمضان باهت غادرته متعة اللقاء وأمسيات الأهل والأصدقاء.

ساد الصمت والخوف في أرجاء المدينة التي كانت تعج بالحركة خصوصا بعد الافطار.

في أول رمضان يمر على المدينة عادت الحياة إلى شوارعها ومقاهيها ومحلاتها. بدأ الناس بالخروج والاستمتاع بالترف البسيط وهو أن لا أحد يراقب ما يقولونه، ولا أحد يلاحق نساءهم ليضعن الحجاب أو النقاب الشرعي حسب مفهوم سلطة الخوف الداعشية.

بدأت المقاهي تشهد رواداً يدخنون الأرجيلة بعد طول انقطاع بسبب تحريم داعش لها. وبدأ الرجال حليقو الذقون يظهرون بكثرة. ولكن أكثر ما يلفت الأنظار هو أن النساء تشجعن على كسر العزلة المنزلية وبدأن بالخروج مع صديقاتهن وقريباتهن للتبضع والبقاء في الأسواق إلى ساعات متأخرة من الليل.

000_PJ0GU-2

في إجابتها عن سؤال رصيف22 حول أول رمضان تقضيه في الموصل بعد داعش قالت أم إبراهيم: "كنت اخشى أن يسمعوني من وراء الباب أو من خلف الستار فيكون بالنسبة إليهم صوتي عورة أو كلماتي كفراً، وكل كفر ينتهي بالقتل أمام أعينهم البشعة التي لا تعرف الرحمة".

أقوال جاهزة

شارك غرديسمي أهل الموصل اليوم الشارع الجديد الذي قام بفتحه داعش وأسماه شارع الخلافة بشارع الخرافة

شارك غرد"الآن أصبح عندي فهم أعمق بكثير لمعنى كلمة حرية" جملة لا تبدو ككليشيه عندما يقولها شخص خرج من سلطة داعش

وتضيف: "أكثر ما كنت أحمد الله عليه هو أنني لم أكن اضطر للخروج من المنزل إلا للضرورة القصوى، فالخروج من المنزل يعني قراراً لمواجهة الذل أو ربما إقامة الحد وقد ينتهي الأمر أن لا تعود للمنزل أبداً".

تصف أم إبراهيم المنزل حينها بـ"الجنة الكبرى"، وتقول: "عامان ونصف العام خلقت فجوة في حياتنا كأنها كابوس ظلام كلما استذكرناه أو مر أمامنا، نشك أننا قد عشناه، فليس هناك من يحتمل العيش تحت مخالب أعتى الوحوش... هم ببساطة لم يكونوا بشراً".

أم إبراهيم، وهي أم وزوجة لرجل أعمال موصلي، قالت لرصيف إنها كتبت هذه الجواب على سؤال رصيف بعد عودتها من جولة تسوق ليلية مع قريباتها، بعد أن كانت قد فرضت إقامة جبرية على نفسها في المنزل إثر تعرض أفراد من داعش لها سابقاً بحجة أن حجابها لا يطابق مواصفاتهم.

تضيف أم إبراهيم في نهاية جوابها أنها تشعر بعد التحرير "بطاقة إيجابية لم أعرفها من قبل فقد أصبحنا أحراراً الآن. صحيح أن الوضع الآن ليس هو ما أرجوه ولكن أصبح عندي أمل وعرفت باليقين أنه بدون الأمل لا حياة وبدون المجازفة لن أستطيع التغلب على خوفي".

أضاف زوجها أبو إبراهيم أنه كان يشعر في الأيام الأولى لخروج زوجته للتسوق بخوف من أن تتعرض لمضايقات ولكنه كان يكبت مخاوفه لأنه كان يرى ويحس بكم الفرحة والانطلاق الذي تشعر به زوجته بعد تلاشي داعش.

000_PJ0GP

عمر فهد صاحب مقهى في الجانب الأيسر من الموصل قال لرصيف إن معاناته العملية بدأت حين منع داعش الأرجيلة ولعب الورق في المقهى، بل وحتى منع مشاهدة "البشير شو"، وهو النسخة العراقية من برنامج "البرنامج" لباسم يوسف، تمهيداً لمنع الفضائيات فيما بعد بشكل كامل، مما جعل الناس يهجرون المقاهي.

بعد ذلك قام عمر باستئجار منظومة انترنت لتعويض الكساد في عمله ولكنه لم ينجح، إذ أن أغلب رواده كانوا من الدواعش الأجانب الذين كانوا يستعملون الانترنت للاتصال بعوائلهم. ويضيف عمر "اكتشفت من أحاديثهم أن أغلبهم جاء من أجل المغامرة وليس من أجل الدين كما يقولون".

أما عن الحال الآن فيقول: "كل شيء مسموح الآن. الشباب يلعبون الورق ويدخنون الأرجيلة ويشاهدون ما يشاؤون. تبخر الخوف الذي كان يلف حياتنا ولم يعد يشغلني سوى تطوير عملي لأسدد ديوني فقط".

لا يزال أمام أهالي الموصل الكثير من العمل لتعود الحياة طبيعية، ولكن الأهم أن السجون التي أنشأها داعش في داخل كل فرد منهم قد زالت

أما السيدة سجى رأفت فتقول إنها كانت عندما تذهب إلى السوق تتلفت دائماً وراءها خوفاً من أن يأتي أحدهم ليحاسبها على ملبسها، رغم التزامها بالنقاب الذي فرضه داعش. أما الآن فهي تقود سيارتها إلى السوق، وتضيف "الآن أصبح عندي فهم أعمق بكثير لمعنى كلمة حرية".

أما السيدة أم حسن، ربة بيت، فقد قالت إن صدرها قد انشرح حين سمعت الجوامع تعود لعادتها التقليدية في الموصل بالإعلان عن الإمساك بعبارة "احترام أمة محمد"، والتي منعها داعش بحجة أنها بدعة. كما منع قراءة القرآن قبل الآذان أو أيام الجمع بحجة أن كل هذه بدع.

لا يزال أمام الموصل وأهلها الكثير من العمل لتعود الحياة طبيعية في جميع النواحي. ولكن النقطة الأساسية لتحقيق هذا قد تحققت بزوال السجون التي أنشأها داعش في داخل كل فرد من أهالي المدينة.

يبدو مجرد الذهاب إلى السوق والتبضع أو التجول فقط برفقة العائلة أو الأصدقاء مكسباً الآن لا يقدره إلا من ذاق مرارة سلب الحرية والتلظي بنار الخوف والقلق تحت حكم داعش.

يسمي أهل الموصل اليوم الشارع الجديد الذي قام بفتحه داعش وأسماه شارع الخلافة بشارع الخرافة، كما أن سائقي التاكسي بدأوا يطلقون ألسنتهم بذم داعش وأيامه.

لقد كان الخوف هو السلاح الأقوى الذي استعمله داعش في السيطرة على كل المدن التي احتلها حيثما ذهب. وحين انتهى الخوف، تلاشى وهم الخلافة المزعومة وتهاوت مملكة الرعب.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

كلمات مفتاحية
العراق داعش رمضان

التعليقات

المقال التالي