لِمَ يحكم علينا الناس بحق السماء؟

لِمَ يحكم علينا الناس بحق السماء؟

كم من صداقات تنتهي ومن علاقات تفشل بسبب أحكام قاسية وآراء جارحة؟ رغم محاولاتنا "السير في حذاء الآخرين" وعدم الحكم على تصرفاتهم وآرائهم بالسوء والسخرية، فإن رغبة دفينة فينا تجعلنا نهب سريعاً ودون تفكير، فنرى أنفسنا نحلل ونحرّم على الآخر أفعاله.

لمَ لا نقبل الآخر على اختلافه دون الحاجة إلى إلباسه قناعاً؟ هل الآخر متضرر من ذلك الحكم فقط أم أننا لا نرحم أنفسنا أيضاً من الأحكام؟ كيف نتوقف عن محاكمة الذات؟

لماذا نحكم على الآخر؟

51MfVDOlEkL

يجيب الكاتب المكسيكي دون ميغل روز في كتابه " المعاهدات الأربع": "نفترض أن كل شخص يرى الحياة كما نراها. يفكر كما نفكر، يحاسب كما نحاسب، ويغضب كما نغضب. تلك أكبر افتراضية يقوم بها الإنسان. لذلك نخاف أن نكون ذاتنا أمام الآخرين، لأننا نعتقد أن الكل سيحاسبنا ويحاكمنا ويغضب من اختلافنا. فقبل أن يرفضنا الآخر، نمارس الرفض على ذاتنا".

إن ممارسة الأحكام حلقة مفرغة يدور فيها الشخص من دون أن يسلم هو، أو يرحم الآخرين. يحكم على نفسه برفضهم ويحكم عليهم معتقداً أنهم لمجرد اختلافهم يرفضونه.

إليكم المثال الآتي: ذهبتم مع صديق لكم إلى معرض لوحات فنية، خرجتم بعدها لمناقشة نظرتكم للمعرض. فقال صديقكم: "يا لها من لوحات رائعة، إنه عمل مدهش"، بينما أنتم تظنون أن لا شيء مدهش وأن التجربة كانت مملّة. هل أنتم على خطأ أو أن نظرة صديقكم الفنية سيئة؟ من منكم على حق؟

أقوال جاهزة

شارك غردردة فعل نابعة من ضعف ثقة بالنفس تترجم عبر الهجوم على الآخر لمحاولة إقناع نفسنا ومحيطنا أن أفكارنا صحيحة

شارك غردإن ممارسة الأحكام حلقة مفرغة يدور فيها الشخص من دون أن يسلم هو، أو يرحم الآخرين

بالطبع مهما أسهب صديقكم في الشرح عن جمالية المعرض الفني فلن يقنعكم والعكس صحيح. الحقيقة أننا نخلط دائماً بين نظرتنا للأمور وبين الواقع. فنظن أن كل ما يخالف وجهة نظرنا غير منطقي ويجب إصلاحه ليشبهنا أكثر. وعوض أن نحاول توسيع نظرتنا للأشياء التي تحيط بنا، ونستغل اختلافنا في وجهات النظر للمزيد من الخلق والتميّز، نختصر الطريق بالأحكام المسبقة، التي في كثير من الأحيان تكون بأساليب جارحة، وفيها محاولة لإلغاء الآخر فقط لأنه مختلف.

يفسر علماء النفس ردّة الفعل تلك بحاجة في اللّاوعي الإنساني لحماية الذات من "التهديد" الآتي من الآخر عبر أفكاره المختلفة، وهذه ردة الفعل نابعة من ضعف ثقة بالنفس، تترجم عبر الهجوم على الآخر، لمحاولة إقناع نفسنا ومحيطنا أن أفكارنا هي الصحيحة وكل من يخالف ذلك غير منطقي.

خوف يجعلنا لا نتحاور ولا نتقبل الاختلاف، بل نصدر الحكم مباشرة على الآخر بأن ما يفعله أو يفكر به خطأ جسيم، فنشعر بالأمان لمجرد السيطرة على أفكاره. لكن السؤال البديهي الذي عليكم التفكير فيه، كيف ستتوقفون عن ممارسة تلك الآفة إن لم ترحموا أنفسكم أولاً؟

هل تسلم ذاتنا من الأحكام؟

هل تعلمون أنه بمجرد أن يشعر الآخر أنكم ممن يحكمون على أنفسهم بالسوء، إما بكلمة منكم كعبارة "كم أنا أحمق"، أو بتصرف يشير إلى أنكم تنظرون لأنفسكم بدونية أو قلة احترام لعمل قمتم به عن غير قناعة، تكونون قد منحتموه أول بطاقة خضراء سوف تعطيه الحق بأن يحكم عليكم أيضاً.

تدخلون حينها لعبة الحكم والحكم المقابل، وتخلقون بينكم وبين الآخر شرخاً كبيراً في التواصل، إلى حد تنتهي فيه كل مناقشاتكم، المهمة منها والبسيطة، بسوء فهم أو ربما بخلاف. السر الأول لإقامة علاقة صحية مع الآخر هو تقبّل اختلافه دون محاكمته ورفضه، وقبل ذلك أن نرحم ذاتنا من الأحكام القاسية.

إليكم 7 نصائح تساعدكم على تقبل ذاتكم والآخر وعدم محاكمته:

1- لا تلوموا أنفسكم

via GIPHY

أمر طبيعي أن تخافوا من الآخر وأفكاره إن تربيتم على أن كل اختلاف في وجهات النظر يشكل تهديداً لكم. وأنكم بالحكم القاسي عليه تحاولون حماية نفسكم فقط. فكل ما أنتم عليه هو نتيجة الأفكار والمعتقدات التي تربيتم عليها، والتي حوّلتكم إلى أشخاص غير متقبّلين للآخر المختلف.

بمجرد أن تدركوا ذلك، تكونون قد وفّرتم على نفسكم الذنب والحكم وتكونون قد ضمنتم علاقة صحية مع الآخر رغم اختلافكم.

2- ابحثوا عن أرضية مشتركة

via GIPHY

صحيح أنكم والآخر مختلفون، لكنكم بلا شك ستجدون معه قواسم مشتركة كثيرة. فإن اختلفتم على رأي سياسي أو فيلم أو مواصفات الشريك المثالي، فستتفقون على أمور أخرى. فقط أعطوا نفسكم الفرصة للبحث عن التشابه وستجدونه حتماً.

3- عاملوا الآخرين كما تعاملون أنفسكم

via GIPHY

إن عاملتم أنفسكم بالسوء فكيف ستعاملون الآخرين؟ إن حاكمتم نفسكم عند كل فشل لن يرحمكم الآخر ولن ترحموه أنتم، ببساطة لأن هذا ما تعوّدتم عليه. ما يعني أن كل محاولة للتقرب من الآخر أو قبوله على اختلافه، يبدأ بقبول الذات أولاً.

4- لا تمنعوا نفسكم من التعبير عن آرائكم

via GIPHY

أن تتقبلوا الآخر لا يعني أن تمثّلوا دور المتقبل لآرائه. عبّروا عما تفكرون فيه، ولا تخافوا من ردة الفعل، فإن ذبتم بالآخر خوفاً من أن ترفضوه أو يرفضكم أصبحت العلاقة أحادية مملّة، وسرعان ما ستفشل. الصدق والشفافية والصراحة ركائز أساسية في أي تواصل ناجح. أن تقولوا "لدي رأي مختلف" هو غنى وليس اختلافاً.

5- العبرة في الأسلوب

via GIPHY

كيف تعرفون إن كان نقدكم جارحاً؟ فقط في الانتباه لأسلوبكم. فهناك فرق كبير بين القول "لم يعجبني خيارك" وبين "أنت فاشل في الاختيار". الأولى تعبّر عن اختلاف في الذوق، أما الثانية ففيها تجريح مباشر ومحاولة إسقاط وإلغاء للآخر. الأولى تعمّق علاقتكم بالآخر والثانية تساهم في تهديمها.

6- تذكروا أن لكل شخص تجاربه

via GIPHY

يحدث أن تظنوا أن اختلاف الآخر آتٍ ضدكم، أو أن المقصود منه إهانتكم. لا يتربى شخص كأي شخص آخر، وجميعنا مختلفون بطبعنا. أن تدركوا ذلك مهم جداً لأنه سيجعل ردة فعلكم هادئة غير انفعالية، وستعلمون أن اختلافه نابع عن تجربة شخصية فقط.

7- استغلّوا اختلافكم

أنتم أمام خيارين: تتمترسون خلف آرائكم، أو تحاولون تخطي الحاجز بينكم وبين الآخر لتسمحوا لنفسكم الدخول إلى عالمه. ومن يدري؟ ربما تقتنعون أن لكل قصة وجهتَيْ نظر أو أكثر، ما يعني أن آفاقكم ستتوسع ومعها قدرتكم على التكيف مع الآخرين، وهذا يضمن لكم علاقات اجتماعية ثابتة وناجحة.

ستيفاني غانم

أخصائية في علم النفس العيادي والتحليل النفسي. تقدم فقرة أسبوعية ضمن برنامج “ببيروت” على قناة LBCI الفضائية.

كلمات مفتاحية
علم النفس محاكمة

التعليقات

المقال التالي