عطوة أبو حماد آخر صانعي الأعواد الموسيقية في غزة

عطوة أبو حماد آخر صانعي الأعواد الموسيقية في غزة

تغطي منزلَ عطوة أبو حماد (60 عاماً) في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة ألواحُ الزينكو ومعدات النجارة ومختلف أنواع الأخشاب. بيته هو أيضاً ورشته الصغيرة، وأبو حمادة هو آخر صانع لآلة العود في غزة.

"لا يوجد فيها من يصنع العود"، يقول أبو حمادة لرصيف22.

فقد بات الحصول على آلة العود أمراً صعباً في غزة. السبب الأول أن صانعي الآلة بدأوا بتغيير عملهم، فهي مهنة تصارع للبقاء، بحسب وصف أبو حمادة، بعد ظهور الآلات الموسيقية الالكترونية. أما السبب الثاني فهو الحصار الذي يخنق المدينة، إذ تمنع إسرائيل إدخال الكثير من المواد التي تسُستخدم في البناء إلى قطاع غزة منذ أكثر من عشرة أعوام، من بينها الخشب، إذ ترى أنها تُستخدم في بناء الأنفاق.

البداية

يقول أبو حماد إنه عانى صعوبات كثيرة جعلت استمراره في مهنته تحدياً كبيراً. لكن التحدي الأكبر كان في عدم وجود نوع الخشب الذي يمكنه من انتاج عود بمواصفات عالمية معروفة. "مما اضطرني لاستخدام الأخشاب المتوفرة محلياً كخشب الزان الأحمر والماغوني"، يقول أبو حماد.

وأضاف: "بعد محاولات عدة استمرت لأكثر من أربعة شهور، تمكنت من صنع أول آلة عود حتى وصل ما صنعته من الأعواد إلى أكثر من خمسين".

يحاول ألو حماد أن يطور عمله ويكتسب خبرات إضافية عبر قنوات اليوتيوب المختصة بتصنيع هذه الآلة التي لا يجيد العزف عليها، لكنه يستمتع بصناعتها وسماع ألحان العازفين عليها، وهم يعزفون لفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب.

"أحاول الآن أن أرد هذه الصناعة لرونقها لأكون أول فلسطيني يفعل ذلك"، يضيف.

مراحل صناعة العود

"آلة العود أصلها مصري، ثم انتقلت إلى أوروبا في القرن الخامس عشر، ومن ثم تولى الأتراك والشاميون صناعتها"، يقول.

وتمر صناعة الآلة، بحسب أبو حماد، بمراحل عدة، تبدأ بتقطيع الالواح الخشبية بمقاسات مختلفة ومن ثم طيها باستخدام الماء والحرارة العالية. ثم يتم إلصاق الألواح بعضها ببعض باستخدام مادة الغراء، وهي مادة كيماوية لاصقة، بالإضافة إلى المسامير المعدنية الصغيرة.

وتختتم عملية التصنيع بالزخرفة حسب التصاميم التي يرسمها.

أقوال جاهزة

شارك غردآخر صانع عود في غزة... هل تنقرض مهنته في القطاع الذي يخنقه الحصار؟

يقول: "تستغرق صناعة آلة العود الواحدة من أسبوع إلى عشرة أيام، أما العود الذي يتضمن زخارف ومواصفات إضافية فقد تصل مدة تصنيعه لعدة شهور، وتبلغ تكلفته 200 دولار أميركي".

الموسيقى تعاني

دخلت آلة العود إلى غزة عن طريق الأنفاق على الحدود المصرية في الماضي. ولكن إغراق وتدمير السلطات المصرية للأنفاق التي تصلها بغزة أدى إلى غياب هذه الآلة داخل قطاع غزة حيث كان يقدر سعرها آنذاك بأكثر من 500 دولار أمريكي للعود الواحد.

"علماً أن معاناة الآلة لا تنفصل عن معاناة القطاع الذي باتت الموسيقى فيه مهددة.

يقول أحد أقدم عازفي العود في قطاع غزة، الفنان خالد الشرافي(68عاماً) لرصيف22 إن الموسيقي في قطاع غزة تصارع من أجل البقاء بسبب الظروف التي يعيشها المواطنون تحت الحصار والحروب التي تقتل كل شيء.

ويضيف: "ناهيك بالعراقيل والصعوبات الاجتماعية والإعلامية والاقتصادية التي تواجه الموسيقيين في غزة وعدم وجود دعم للفنان المحلي".

أما العود تحديداً فقد بات اقتناؤه رفاهية لا يقدر عليها عدد كبير من الفنانين بسبب ارتفاع سعره، وضعف إمكاناتهم المادية.

برأيه فإن معاناة غزة هي الأكبر، فالوضع في الضفة الغربية مختلف بعض الشيء بسبب اهتمام المؤسسات والشركات الفنية بالفن وبالعود، إذ لديهم امكانات لتطويره في ظل وجود مؤسسات تدعم وتساعد الفنان المبدع.

أما في غزة، فقد بات تأمين حياة كريمة أمراً في غاية الصعوبة، ما يجعل السكان منكبين بحثاً عن لقمة العيش، فلا يلتفتون للفن والموسيقى.

على سبيل المثال، يعاني في المخيم الذي يسكنه أبو حماد مع ما يقارب من الـ68,000 لاجئ، من البطالة الحادة ونقص المساكن وصعوبة الوصول إلى مياه الشرب والكهرباء، بحسب وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، الأونروا.

الذي يريد أن يعزف أو يتعلم الموسيقى من خلال الخبرة والتدريب الشخصي، لمن يتعلمها؟ وأين سيؤديها ويعزفها؟ فالحياة داخل القطاع معدومة والأمور لا تحتمل عزف الموسيقي"، يقول الشرافي.

عزلة تامة

"الوضع الاجتماعي الفلسطيني في قطاع غزة يعيش في عزلة تامة عن المجتمعات العربية الأخرى"، يقول الدكتور يونس صافي، أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة بوليتكنك فلسطين.

فالحرب ومن ثم الحصار الاقتصادي غيرا الطبيعة النفسية والعلاقات الاجتماعية، وتفاصيل الحياة المدنية بين سكان القطاع.

وقد كان لذلك أثر بالغ على الأنشطة التي يقوم بها السكان، وعلى المواهب وحتى الأحلام.

يقول صافي إن عدد عازفي الموسيقى في القطاع قليل جداً، على الرغم من أن الموسيقى جزء أساسي من ثقافة أي مجتمع.

وإن وجد موسيقيون فإن غالبيتهم هواة، لا يرون عزفهم عملاً أو مساراً مهنياً، بل طريقة للتسلية واللهو.

يقول صافي:"بينت الدراسات القديمة أن الموسيقى ضرورية للإنسان في حالات الدراسة والتعلم وتخفيف الآلام العضوية والنفسية وهي تدخل أيضاً في برامج العلاج والتأهيل الطبي، وتساهم في تطوير دماغ الأطفال لجعلهم أكثر ذكاءً وتميزاً عن غيرهم".

وقد كانت فلسطين تعد قديماً ساحة للتفاعل الموسيقي وتعلم وإنتاج الموسيقى الشرقية على مستوى المنطقة، بحسب صافي، وكان هناك عدد من المراكز والمسارح الموسيقية، إلا أنها أصيبت بنكبة ثقافية وهاجر عدد كبير من الفنانين إلى الدول العربية المجاورة.

الأمنية الأخيرة

يتمنى أبو حماد أن تلقى آلة العود اهتماماً كبيراً من قبل سكان القطاع وأن يتم السماح له بتصدير الآلات التي يصنعها للخارج ليستطيع تأمين متطلباته اليومية ليتمكن من الاستمرار في العيش، فهذه المهنة هي مصدر دخله الوحيد.

ويختم: "رغم ضعف الإقبال على شراء العود، فأنا مصر على مواصلة صناعة هذه الآلة التي أحبها كثيراً، ولو لم أتمكن من بيع أعداد كبيرة منها".

كلمات مفتاحية
الموسيقى غزة

التعليقات

المقال التالي