إعلانات المؤسسات الخيرية... تخويف الناس للحصول على تبرعاتهم

إعلانات المؤسسات الخيرية... تخويف الناس للحصول على تبرعاتهم

إطلاق مدفع الإفطار هو صفارة بدء السباق بين الجمعيات والمؤسسات الخيرية، لجذب انتباه المواطنين المصريين عبر شاشات التلفزة في شهر رمضان.

إلا أن "السحر انقلب على الساحر"، كما يُقال، فانطلقت دعوات لمقاطعة هذه المؤسسات، ووصل الأمر إلى إيقاف بعضها، وتقديم طلبات إحاطة وبيانات عاجلة من نواب مصريين لتشديد الرقابة عليها والسيطرة على "فوضى التبرعات" التي تهدر الملايين على الدعاية بدلاً من استغلالها لمساعدة الناس.

عاملون في مؤسسات خيرية: "إحنا نستاهل التبرع"

"رمضان هو الموسم بتاعنا". هكذا وصف ك. م.، أحد العاملين السابقين في قسم التسويق بجمعية الأورمان التي تدير مستشفى لعلاج السرطان في الصعيد، سياسة المؤسسات لنيل التبرعات.

وقال لرصيف22: "الشركة تخصص نسبة كبيرة من الأموال للدعاية في شهر رمضان، خصوصاً أن لدى الناس استعداداً أكبر للتبرع خلال هذا الشهر باعتباره شهر الثواب، ومضاعفة الثواب".

وكشف أن الجمعية خصصت مليوني جنيه لحملة إعلانية عبر مواقع التواصل الاجتماعي خلال عام 2017، 70% منها للدعاية خلال شهر رمضان فقط، واتفقت مع إحدى شركات الدعاية للقيام بذلك.

لم يتابع ك. م. ما استجد بعد ذلك، فقد ترك عمله قبل إبرام الاتفاق بشكل نهائي، "بسبب تغيرات واسعة طالت قسم التسويق".

"إحنا كمان نستاهل التبرع والله". هذا ما قالته ن. ر.، عاملة بجمعية "مصر الخير" تشغل وظيفة التواصل مع المواطنين لإقناعهم بالتبرع للجمعية، اعتراضاً على ظروف العمل.

"وضعنا صعب جداً في المؤسسة ونعمل بمرتب لا يتجاوز 1200 جنيه شهرياً"، قالت.

وأضافت: "بعضنا يضطر إلى ترك العمل، بسبب الضغوط، فكل شخص لديه قائمة كبيرة من المتبرعين عليه التواصل معهم يومياً، لإقناعهم بالتبرع، وهو ما يستغرق في أحيان كثيرة فترة عمل أكثر من 8 ساعات يومية، لأن المطلوب من كل عامل تحقيق هدف (تارغيت) يومي"، رفضت الإفصاح عن قيمته.

إشكال إعلان دلال عبد العزيز

مع الأيام الأولى من شهر رمضان، انهالت على المواطنين عشرات الإعلانات التي بثتها الجمعيات والمؤسسات الخيرية لإقناعهم بالتبرع لها، وبعضها أثار جدلاً واسعاً داخل الشارع المصري.

أبرز الإعلانات التي أثارت الجدل إعلان "بيت الزكاة" الخاضع لإدارة مؤسسة الأزهر الشريف، وقامت به الفنانة دلال عبد العزيز. يصوّر الإعلان عبد العزيز وهي تزور بيتاً فقيراً بالصعيد وتلتقي سيدة فقيرة تدعى "عفاف"، ترتدي ملابس بالية سوداء اللون، وحولها بناتها الشاكيات من عدم وجود مياه يشربون منها، فتضطر عفاف إلى حمل الزجاجات الفارغة إلى النهر الذي يبعد عنهن مسافة ليست قصيرة، وتعود حاملة على رأسها مياهاً عكرة ملوثة، فتقول عبد العزيز لعفاف: "الله يكون في عونك كل شيء هيتحل".

وبعد ساعات من بث الإعلان عبر القنوات الفضائية، انتابت مواقع التواصل الاجتماعي والجهات الرسمية بمصر، حالة من الغضب، بسبب الصورة التي ظهرت عليها قرى الصعيد.

واعتبر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أن الرسالة التي يحملها الإعلان أساءت إلى الدولة في جهودها المستمرة لتحسين مياه الشرب، وبالتالي لم ينقل الرسالة المطلوبة بل أظهر أن المصريين يشربون مياهاً ملوثة وهو ما يخالف الواقع، بحسب المجلس.

ولكن البعض اعتبر أن السلطة امتعضت لأن الإعلان يفضح حقيقة تقصيرها، في وقت تركز دعاتها السياسية على أنها صاحبة إنجازات.

وفي المحصلة، اضطر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب إلى إصدار قرار بوقف الإعلان وأمر بفسخ التعاقد مع الشركة المنتجة.

أقوال جاهزة

شارك غردفوضى إعلانات التبرع في رمضان... إهدار الملايين للحصول على أموال الناس

شارك غردأمك، بنتك، مراتك، أختك، خالتك، جدتك.. يا ترى الدور على مين فيهم؟ إعلان لمستشفى يعالج سرطان الثدي في مصر!

"ذهب الليل وطلع الفجر"

الإعلان الثاني المثير للجدل هو لـ"مستشفى أهل مصر لعلاج الحروق بالمجان" الذي استخدم لحن أغنية "ذهب الليل" للفنان الراحل محمد فوزي.

ويقول الإعلان: "بنتي حبيبتي ونور عنيا اسمها جميلة، هي حياتي وقلبي وروحي، ونورت العيلة، كانت لما بتضحك تلقي الدنيا فرحانة، شاطرة وكل صحابها يحبوا يلعبوا معاها، وفي يوم جيت أقلي لها بطاطس عشان أبسطها، وقع الزيت على وشها حرقه ودمرت حياتها".

وأثار إعلان "بنتي جميلة" جدلاً بسبب حالة الذعر التي انتابت الأطفال في البيوت من دخول المطبخ حتى لا يتعرضوا للحرق، كما انتقد البعض استخدام أغنية "ذهب الليل" وتشويهها، رغم ارتباطها بطفولة الكثيرين.

الهجوم الشديد الذي تعرض له البرنامج، والذي وصل حد الدعوة إلى مقاطعة التبرع للمستشفى، دفع هبة السويدي، مؤسسة ورئيسة مؤسسة أهل مصر إلى محاولة الدفاع عن المستشفى، بقولها عبر فيسبوك: "مين فينا يقدر يوقف قدام خير ويطلق على مسؤوليته دعوة لمقاطعة الخير علشان خاطر أغنية مش عجباه؟".

وأضافت: "يا ريت كل لي شتم، كل ما يسمع ذهب الليل يفتكر جميلة وآلاف زي جميلة بيتشوهوا ويموتوا كل يوم علشان مش لاقيين مكان يعالجهم".

سرطان الثدي... تبرع قبل أن يأتي دورك

"أمك، بنتك، مراتك، أختك، بنت أختك، خالتك، جدتك، حفيدتك... الإحصائيات بتقول إن واحدة من كل ثمان ستات معرضة للإصابة بسرطان الثدي، يا ترى الدور على مين فيهم؟"، كلمات أثارت الذعر بين المواطنين، وأتت في إعلان لمستشفى بهية لعلاج سرطان الثدي بالمجان.

حاول الإعلان إطلاق حملة توعية بضرورة الكشف المبكر عن سرطان الثدي، والتبرع للمستشفى، إلا أن القائمين على المستشفى فوجئوا بأن الرياح اتجهت بما لا تشتهي السفنُ، بعد نفور الكثيرين، خصوصاً السيدات، من الإعلان.

وقد دفع ذلك إدارة مستشفى بهية لاستبدال الإعلان بنسخة أخرى، وقالت إيمان فتحى، رئيسة قطاع التسويق وتنمية الموارد بالمستشفى في تصريحات صحافية: "لم يكن هدفنا التخويف أو الترهيب، فالهدف من الإعلان كان إشعار المشاهد بأن الحالات المصابة قريبة له، وحثه على التبرع".

200 مليون جنيه إعلانات

فوضى إعلانات التبرعات تثير غضب الدكتور صفوت العالم، أستاذ الرأي العام والإعلام في كلية الإعلام بجامعة القاهرة. وقال لرصيف22: "أغلب هذه الإعلانات تستغل غرائز ومشاعر المواطنين، لإجبارهم على التبرع، إما بالتخويف كما حدث في إعلان مستشفى بهية والذي ولّد لدى كل أمراة هاجساً من إصابتها بالمرض، أو من خلال استغلال الأطفال كما حدث في مستشفى أهل مصر لعلاج الحروق بالمجان بإعلان "بنتي جميلة".

وأضاف العالم: "المصيبة أن بعض الجمعيات التي تسعى إلى جمع التبرعات تنفق الملايين خلال حملاتها التلفزيونية، فعلى سبيل المثال بلغت ميزانية الحملة الإعلانية لمستشفى 75375، في عام 2014، 200 مليون جنيه، وهذا الرقم تضخم الآن مع ارتفاع الدولار وكثافة الحملات الإعلانية للمستشفى والاستعانة بممثلين يتقاضون الملايين".

سعي للسيطرة على فوضى إعلانات التبرعات

علامات الاستفهام الكثيرة التي تحيط بحجم التبرعات التي تتلقاها هذه الجمعيات والمستشفيات الخيرية، جعلت مجلس النواب يدخل في السجال، فقررت لجنتا التضامن الاجتماعي وحقوق الإنسان بالبرلمان، فتح هذا الملف، ووضع ضوابط بشأن التبرعات، وتشديد الرقابة عليها.

وتستدعي لجنة حقوق الإنسان، يوم الثلاثاء المقبل، ممثلي وزارتي "الصحة والتضامن" لتسألهم عن عدم قبول مستشفى 75375 لبعض حالات الأطفال الخطيرة، رغم أنها قائمة على تبرعات المواطنين.

وقال النائب علاء عابد لرصيف22 "إن هذه المستشفيات تخالف الدستور، وتخدع المواطنين بعدم قبول حالات مصرية لحساب أطفال أجانب بمقابل مادي، ويجب على البرلمان ممارسة دوره الرقابي في هذا الشأن".

أما النائب يسري الأسيوطي، فقد قرر التقدم بطلب إحاطة للدكتورة غادة والي، وزيرة التضامن الاجتماعي، بشأن فوضى إعلانات التبرعات وكيفية تنظيم الأموال التي يتم جمعها من المواطنين. وقال لرصيف22 إنه يطالب الجهات التي تجمع التبرعات بضرورة إعلان ميزانية المؤسسات الخيرية.

وهذا ما أيدته الدكتورة هبة هجرس، عضو لجنة التضامن بالبرلمان وقالت لرصيف22: "بعض إعلانات التبرعات تخدع المواطن بغرض الحصول على أمواله فقط، خصوصاً في ظل حالة العشوائية التي تسيطر عليه، مع غياب الرقابة، وهو ما يستدعي تدخل وزارة التضامن لإحكام السيطرة على هذه التبرعات والرقابة عليها لضمان إنفاقها في المكان الصحيح".


كلمات مفتاحية
رمضان مصر

التعليقات

المقال التالي