هل تشبه نساء الدراما المصرية هذا العام السيدات في مصر؟

هل تشبه نساء الدراما المصرية هذا العام السيدات في مصر؟

تزخر الدراما الرمضانية المصرية لهذا العام بالشخصيات النسائية الجديرة بالتوقف أمامها طويلاً بالنقد والتحليل في محاولة للوقوف على ملامحها واختلافات وما تمرره من قيم إنسانية ومجتمعية في سياقاتها المختلفة.

فهل تشبه هذه الشخصيات السيدات المجتمع المصري؟

"كاثرين" ليست كل النساء

18449477_1904752376409530_2575690715106428076_o

من بين أكثر الأعمال الدرامية المصرية التي أثارت الجدل في رمضاننا هذا هو مسلسل واحة الغروب المأخوذ عن رواية تحمل نفس الاسم للروائي المصري بهاء طاهر.

المسلسل الذي أخرجته المصرية كاملة أبو ذكري يقدم للمشاهد "بورتريه" مقتبساً من أحداث تاريخية واقعية شهدتها مصر في نهايات القرن التاسع عشر، وهي فترة لم تحظ بما يكفي من التوثيق، فسقطت منها الكثير من المواقف الإنسانية والوجدانية الجمعية والفردية للمصريين.

يرصد العمل الرحلة الشخصية لمحمود عبد الظاهر، ضابط الشرطة المصري، والمساحة الخاصة بينه وبين حبيبته وزوجته الأيرلندية كاثرين.

وعلى الرغم من محورية محمود في سرد الأحداث وتحريكها والانفعال بها، فإن الشخصيات النسائية في العمل، حتى الهامشي منها، تطل برؤوسها مؤثرة وفاعلة.

على رأس نساء العمل نجد شخصية "كاثرين" التي تجسدها الممثلة المصرية منة شلبي، وقد تلونت عيناها بشيء ما بين الزرقة والرمادية وانسدل شعرها متوهج الحُمرة.

هي أرملة شابة وافدة من أيرلندا لتشبع تعطشها لمزيد من التعرف على أرض الفراعنة الواقعة في براثن أعداء بلادها، الإنجليز.

تملأ كاثرين، التي تقع بكل ثوريتها وجموحها وتحرريتها في غرام ضابط مصري، معظم فراغات الكادر الدرامي في "واحة الغروب".

فهي فضلاً عن كونها الشخصية النسائية المحورية، تتسم بملامح شخصية تؤهلها لأن تملأ عيون المشاهدين وتداعب جنوحهم للثورة والتحرر.

امرأة خارج القوالب المألوفة، تتمسك بحقها في أن تحتفظ بدهشة الطفلة بداخلها، ومرافقة زوجها الذي انكسرت روحه بانكسار الحركة الوطنية ممثلة في الثورة العرابية في مصر، وانكسرت من جديد بندوب خلّفها عشقه لجاريته الهاربة "نعمة".

كاثرين المرأة التي تجمع بين نزق المراهقات والنضوج الأنثوي الذي تورثه التجربة، تقدم نفسها على الشاشة كامرأة من طراز خاص. تُظهر كل كبرياء واعتزاز بنفسها بوصفها ابنة ثائرة للقومية الأيرلندية في مواجهة الغاصب الإنجليزي، لكنها تبدي في علاقتها بحبيبها انكساراً لا تبديه إلا عاشقة.

وهي التي لم تُخلّفه وراءها في قلب عواصف الغضب بعد أن علمت أنه يتردد على "البيوت التلفانة" لممارسة الدعارة في أحضان الرخيصات، وهي التي لم تُخلفه وراءها ثانية إذ استشعرت طيف جاريته حائلاً بينه وبين الإخلاص في حبها.

وهي التي لم تخلّفه وراءها للمرة الثالثة إذ علمت أنه يلملم شجاعته وذكرياته وانكساراته الشخصية والوطنية ليغادر حياة المدن المترفة مجبراً، بعد أن صدر أمر "تكديري" بنقله للخدمة في واحة نائية محفوفة بالمخاطر الطبيعية والأمنية.

نجد أيضاً نموذجاً آخر يزاحم حضورها النسائي بقوة على الرغم من تقلص المساحة الدرامية المفردة له وهو نموذج "نعمة".

من-هي-«نعمة»-التي-جذبت-الإنتباه-في-مسلسل-«واحة-الغروب» نعمة

نعمة، "المرأة الطيف" في وجدان الضابط المصري الوسيم، جاريته المعشوقة سراً، والتي نفهم من السياق أن رجولته تفتحت بين ذراعيها وأنها إحدى خساراته وانكساراته على الطريق.

وهي الجارية ذات البشرة الداكنة، والشعر المتماوج الكثيف، تؤدي دور "نيجاتيف" لكاثرين بصورة أو بأخرى.

فهي نقيض صورتها، ومزاحمتها ومعادلتها النسائية الشرقية، وهي صورة المرأة "المملوكة" بغرض الامتاع لا المشاركة، الصورة التي يمكن الزعم بأنها تمثل المرأة المنشودة بشكل كامن في وجدان الرجل الشرقي عموماً.

أقوال جاهزة

شارك غردكاثرين التي وقعت بكل ثوريتها وتحرريتها وكراهيتها لمحتل بلادها في غرام ضابط مصري.. هل تشبه فتيات مصر؟

شارك غردنعمة، المرأة "المملوكة" بغرض الامتاع، الصورة التي تمثل المرأة المنشودة بشكل كامن في وجدان الرجل الشرقي

لهذا فقد كان صادماً ومحيّراً أن تتمرد هذه "المملوكة" الوديعة على سيّدها في لحظة ثورة نسائية وإنسانية أيضاً وأن تهرب، بعد حوار مقتضب دار بينها وبين مالكها،  الضابط محمود، سألته خلاله في لحظة غرام إن كان "يحبها" فزجرها مذكراً إياها بحقيقة وضعها كجارية.

وعلى الرغم من بداهة ما ذكر به محمود جاريته، وعلى الرغم من أن المشاهد يتصور أن الأمر مستقر بين الجارية وسيدها على هذه الصورة دون الحاجة إلى حديث، فإن ردة فعل الجارية على الحوار شكلت زلزالاً وجدانياً لدى المشاهد، ونحت بالشخصية في دروب أخرى بخلاف المرسومة سلفاً في وعي المتلقي.

فنعمة، الجارية المملوكة والعاشقة لسيدها والمالكة لقلبه بالتدليل والحكي والتسرية، تتخذ قراراً في لحظة كبرياء بأن تنسحب من حياته قبل شروق الشمس على حوارهما، لتعلن له في صمت أنها لم تكن تهبه نفسها كالتزام تلقائي منها تمليه عليها مؤسسة الاسترقاق، بل لأنها أحبته بحرية منحته نفسها على طريقتها دون الرجوع للمجتمع ولا للسيّد المالك.

والثابت تاريخياً أن العبيد ظلوا لقرون يُجلبون إلى مصر من إثيوبيا وجنوب السودان، وكانوا يصنفون طبقاً لألوانهم ومناطق جلبهم، ولكل لون ثمن مختلف والعبيد يخدمون في بيوت الأعيان.

والنساء منهن كن يتخذن محظيات لأغنياء القوم وذوي النفوذ والسلطة.

وقد ظل الوضع على هذه الصورة حتى تولى الخديو إسماعيل حكم مصر و أصدر أمراً إلى حكمدار السودان عام ‏1863‏ بتعقب تجار الرقيق ومنعهم بالقوة من ممارسة تجارتهم المحرمة.

الواضح أن لكل من المرأتين في العمل أزمتها، التي كان محورها في الحالتين رجلٌ، لكن خلفية كل منهما الاجتماعية والمعرفية كانت المحدد لتعاملها مع أزمتها.

فبينما تمسكت "كاثرين" بموقعها كجندي مقاتل وقد استقت قدراً كبيراً من كبريائها من خلفيتها القومية وصراع وطنها مع الغاصب الإنجليزي، نجد "نعمة" وقد انتصرت لكبريائها أيضاً ولكن على طريقتها وبما يتناسب مع معطيات وضعها الاجتماعي كجارية لا تملك إلا أن تطيع سيدها وتعمل على إرضائه، فإن لم يكن فالانسحاب الكامل من المشهد هو البديل.

بنت البلد القوية في مواجهة الطبقية

3bea8ae439

في أحد رمضانات عقد التسعينيات، وفي حلقات مسلسل "ليالي الحلمية" قدمت سهير المرشدي دور "العالمة سماسم" الراقصة الشعبية بنت البلد التي تقرر في أحد منعطفات حياتها أن "تتوب" تاركة وراءها إرثها من الرقص الشعبي لتتحول إلى "راقصة تائبة" وربة بيت.

وتعيش الأزمة الرئيسية للشخصية والمتمثلة في إرثها غير المُشرّف، والذي لا يكاد مجتمعها يغفره لها.

في رمضان هذا العام، تعيد الممثلة الشابة حنان مطاوع، ابنة سهير المرشدي إنتاج شخصية بنت البلد  في مسلسل "هذا المساء".

تعيش بنت البلد في 2017، واسمها عبلة، أزمة لا تخلو من عبء الماضي، لكنه ماض مختلف، تمخّض عن حاضر مختلف بأزمة ذات طبيعة طبقية.

فالثقل في ماضي "عبلة" يتمثل في الزوج الصعيدي، ضاحي، الذي لم تستطع "عبلته" الشابة الحسناء أن تنجب له طفلاً، والذي يعنفها بدنياً حتى يفقدها بصفعة طائشة قدرة إحدى أذنيها على السمع، فتقرر أن تلجأ إلى القضاء لخلعه.

يطارد  الزوج المحب خالعته مردداً "أنا ما طلقتش"، هو الذي لا يحتمل مفهوم الخلع ولا يتقبله بسبب كبريائه كرجل جنوبي يحتفظ لنفسه بالحق في تعنيف زوجته، وتسريحها متى أراد هو دون أن يعترف لشريكته بالحق في أن تفسخ هذا العقد.

مسلسل-هذا-المساء عبلة

في وسط معركتها مع الزوج "الشبحي" الذي يظهر لها في كل مكان، مصاحباً معه بائعة هوى تارة، ومأذوناً وشاهدي عقد تارة أخرى على أمل إثارة غيرتها أو ردها لعصمته، يظهر في حياتها رجل آخر خالقاً لـ "عبلة" أزمة درامية جديدة.

ولكنها أزمة ذات طبيعة طبقية هذه المرة.

فصاحبة المسمط (المطعم الشعبي) التي تقدّم أطعمة شعبية رخيصة تسوق لها أقدارها وعلى أحد مقاعد مطعمها الرخيص شاباً وسيماً من أبناء الطبقة الراقية "أكرم" لتبدأ أقدارهما في التقاطع وغزل قصة حب غير متجانسة طبقياً.

ولأن "عبلة" شخصية قوية بإرثها الشعبي الذي تعتز به، ولأنها بنت بلد لا رصيد لها في الحياة سوى كبريائها، فإننا نرصد معها انجذاب "أكرم" لعالمها الزاخر بزيارات المقابر وأضرحة الأولياء، وهو المتزوج من سيدة مجتمع تتحدث اللغات وتعيش متنقلة بين مصر و"بلاد برة"، فتصبح الأزمة الطبقية أزمة "أكرم" أكثر منها أزمة "عبلة".

يبدو أن "عبلة" كنموذج نسائي ذي مذاق شعبي خاص يتسم بالفتوة والعفوية، يحشد مكونات طبقته في مواجهة الطبقة الأرستقراطية مكرّساً حالة من التعاطي الحاد بين طبقتين اجتماعيتين شديدتي التفاوت ومثيراً الكثير من الأسئلة عن وعي المرأة المصرية بانتمائها الطبقي وحركتها في الدوائر الاجتماعية المختلفة.

ويأتي الطرقُ على قضية الخُلع في مسلسل "هذا المساء" في توقيت ذي حساسية، إذ لم يمض شهور قليلة على الزوبعة التي أثارتها تصريحات السيد شوقي علام مفتي الديار المصرية والتي ربط فيها بين الارتفاع الصادم في معدلات الطلاق التي يشهدها المجتمع المصري في السنوات الأخيرة، وبين إنفاذ قانون الخُلع الذي أدخل حيز التنفيذ في عام 2002.

وبمجرد إطلاق تلك التصريحات، هبّ عدد من نساء الحركة النسائية المصرية يدافعن عن قانون الخلع، مؤكدات على براءة القانون الذي يُعد المخرج الآمن الوحيد  للمرأة خارج مؤسسة الزواج المأزومة عموماً في مصر، والمهرب من أيدي رجال تتمثل في الكثير منهم كل أمراض المجتمع المصري الحديث الاجتماعية والنفسية، من المسؤولية عن تفسخ الأسرة المصرية.

وقد اعتمدت الناشطات اللاتي دعون مفتي الديار إلى إعادة النظر في تصريحاته على إحصاءات أكدت أن من بين قضايا الأحوال الشخصية المنظورة في ساحات القضاء المصري، لا تتعدى نسب قضايا الخلع %3 من إجمالي القضايا المنظورة.

في "لا تطفئ الشمس"...فيفي نبت لها شارب

SUORAW_4

في مسلسل "لا تطفئ الشمس" المأخوذ عن رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب المصري الراحل إحسان عبد القدوس، نجد عددا من الشخصيات النسائية التي تنسج أحداثاً عائلية في محيط عائلي محدده هو الانتماء للطبقة الأرستقراطية. ربة العائلة هي أرملة تجسد شخصيتها الفنانة المصرية "ميرفت أمين" التي تدير بمفردها تحديات أسرتها المكونة من ابنين وثلاث بنات.

slack-imgs.com

بمتابعة الفتيات الثلاث، وعلى الرغم من كونهن شقيقات تربين في نفس البيت، نجد مساحة كبيرة من الاختلاف الأصيل بينهن في كيفية تعاطي كل منهن مع قضايا الحياة، وعلى رأسها قضايا الأنوثة والاكتمال بالحب.

من بين الفتيات، تبرز شخصية "فيفي" التي تجسدها الممثلة المصرية "ريهام عبد الغفور"  بأزمتها الشخصية ذات العلاقة بوعيها بنفسها وحضورها كأنثى...فالمرأة الشابة التي تتسم بقدر كبير من الجدية والتي تختار الترقي في المسلك الأكاديمي، تجد نفسها مرمية بـ "الذكورة" في محيطها العائلي ثم في الجامعة حيث تقوم بالتدريس، وتصل الأزمة إلى ذروة تجليها إذ تسخر من مظهرها الصارم والمغالي في الجدية إحدى طالباتها برسم أستاذتها كامرأة نبت لها شارب.

لا يطلعنا العمل الدرامي على الكثير من حوار "فيفي" الذاتي حول أزمتها، وإن كان يطلعنا بجلاء على نفور عائلتها ومجتمعها من تكوينها النفسي الذي لا نقف كثيراً على تاريخه. لكننا ندرك مع تطور الشخصية أننا إزاء امرأة شابة تعيش أزمة مع حضورها الأنثوي، وتتبرأ منه متصورةً أنه حائل بينها وبين قدرتها على تحصيل العلم والترقي الأكاديمي وبالتالي الاحترام المجتمعي.

ومن حوار "فيفي" مع نساء عائلتها، أمها وشقيقتيها اللتين تتمتعان بقدر كبير من التوهج الأنثوي واللتين تخوض كل منهما تجربة العشق بعيداً عن أعين الرقباء، ندرك أنها تعرف أنها "منقوصة" بمعايير دائرتها النسائية لعدم اكتمال نضوجها الأنثوي متمثلاً في رفضها لمظاهر هذه الأنوثة والتبرؤ منها.

فيفي

وبهذا فإن المشاهد يجد نفسه مع "فيفي" إزاء شخصية مأزومة دون أن تتضح له أسباب هذه الأزمة، لكن ربما يسد تكرار هذا النموذج خاصة بين فتيات الطبقة الوسطى في المجتمع المصري، هذه الثُغرة التي يُخلفها وراءه العمل.

فالحقيقة التي تعيها الكثير من الفتيات المصريات إجمالاً أن أنوثتهن قد تقف أحياناً حائلا بينهن وبين أن تمنحهن عائلاتهن مساحة من حرية الحركة تكفي لأن تتحقق فردياً، وبالتالي فإن المظهر الجدي والاحتشام يكون من مكونات "التفاوض" المجتمعي بين الفتاة وعائلتها، وكأنه القربان الذي تقدمه للعائلة نظير التمتع بمساحة أكبر من الثقة والحرية، وبالتالي التحقق الذاتي وإحراز النجاحات العملية والأكاديمية.

 

سلمى أنور

كاتبة صحافية وروائية ومحاضرة في العلوم السياسية. حاصلة على ماجيستير في العلوم السياسية من جامعة القاهرة وماجيستير في حقوق الإنسان من جامعة مالطة ولها عدد من الكتب المطبوعة و المنشورة في القاهرة.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي