هنا جامع البنات... حيث نداء الصلاة قد يبشّر "بلقاء العرسان"

هنا جامع البنات... حيث نداء الصلاة قد يبشّر "بلقاء العرسان"

فتاة تتسلل خفية إلى صحن مسجد الأمير فخر الدين، بينما يصلي الرجال الجمعة، أملاً بأن تعثر على زوج. لا تختاره من بين المصلين، مع أنها لا تمانع أن يكون مهم، وإنما تدعو الله بأن يرزقها "عريساً" تؤمن أنه سيأتي خلال أسابيع أو أشهر معدودات.

داخل مسجد الأمير فخر الدين، والذي أصبح اسمه جامع البنات، في منطقة باب الخلق القديمة شرق القاهرة، تتزاحم العشرات من الفتيات والنساء يومياً، خصوصاً يوم الجمعة، من أجل تحقيق أحلامهن بالزواج أو الإنجاب.

توجهت إليه أميرة (31 عاماً) وهو اسم مستعار لفتاة من منطقة دار السلام، في القاهرة، ورفعت الدعاء لتطلب أن يرزقها الله هي أيضاً زوجاً.

تقول لرصيف22 أنها انفصلت مرتين عن خطيبين قبل موعد الزفاف بأشهر قليلة، ما جعلها على يقين بأنها تعاني من مشكلة تحتاج في حلها إلى معونة الغيبيات. فـ"فك النحس"، بحسب وصفها، ليس أمراً هيّناً.

زارت المشايخ، فلم يتمكنوا من حل المشكلة، وهنا رأت قريباتها أن مشكلتها تحتاج إلى جامع البنات.

"ده مكان مبروك وكل اللي بيزروه طالبين الزواج مش بيمر عليهم كام شهر ويتجوزو"، تقول لرصيف22.

هي واحدة من آلاف الفتيات، يقصدن هذا المكان خصيصاً، دوناً عن باقي المساجد، فسمعته تسبقه: إذ تحكي الروايات أن اللاجئة إليه رغبة في أن يرزقها الله زوجاً أو طفلاً، لا تمر بضعة أسابيع أو أشهر إلا ويتحقق حلمها.

جامع_البنات_(1)

تاريخ المسجد وتحويله قبلة للزواج

يقول الكاتب حمدي أبو جليل، مؤلف كتاب "القاهرة: جوامع وحكايات" لرصيف22، أن حكاية جامع البنات بدأت منذ أن شيده الأمير المملوكي عبدالغني الفخري، حيث كان منتشراً في عصره تأخر زواج البنات في مصر. وشاع في ذلك الوقت أن من تزور هذا الجامع أثناء صلاة الجمعة تتزوج.

وأضاف أبو جليل: "يقال أن شهرة هذا المسجد سببها أن عدداً كبيراً من البنات مرّ من فوق المصلين خلال صلاة الجمعة وتزوجت غالبيتهن، وذلك بعد أن زعم أحد السحرة أيام المماليك أن اجتياز أرض الجامع كفيل بالزواج المبارك".

إلا أن قصصاً أخرى، لا تُعرف صحتها أو دقتها، تُروى عن سبب تسمية المسجد. فيقال أن في أحد أركانه دفنت بنات الأمير المملوكي، فخر الدين عبدالغني الـ7، واللواتي لم يتزوجن بسبب إصابتهن بمرض الطاعون وموتهن. لكنها تبقى قصصاً شعبية بلا توثيق أو إثبات.

Port_Said_út_-_Kobri_Al-Azhar_kereszteződés,_balra_a_Hét_Lány_mecset_(Masjid_Abdul_Ghani_El_Fakhry)._Fortepan_28319

إمام "جامع البنات" وقصص النساء

يرفض فراج حسن عبدالمعبود، إمام المسجد، القصص التي تنسجها نساء عن المكان، واعتباره "مسحوراً"، له قدرات خاصة. فهو يرى أنه كأي بيت من بيوت الله.

يقول عبدالمعبود أن المسجد بُني على قسمين، الأول كُتّاب أو مدرسة لتعليم الأطفال أمور الدين، والثاني مسجد للصلاة. وداخل المسجد بئر، تقول الحكايات أن الفتاة التي تشرب منها أو تلقي فيها قطعاً من النقود يستجيب الله لدعائها.

يعلق على هذا الأمر عبدالمعبود قائلاً لرصيف22، أن البئر مغلقة منذ مئات السنين، ولا تستعمل للشرب أو للوضوء وفسد ماؤها. ويختتم: "قد يؤدي استخدامها إلى الهلاك".

وأشار إلى أن في المسجد منصة تُسمى "دكة المبلغ"، موجودة في مساجد كثيرة، يعتليها المؤذن قديماً ليؤذّن للصلاة. تأتي الفتيات والنساء إلى "جامع البنات" للطواف حول المنصة 7 مرات ظناً منهن أن هذا سيحقق مرادهن بالزواج أو الإنجاب.

يحكي عبدالمعبود عن سيدة جاءت إلى المسجد تحمل طفلاً صغيراً، ومعها هدايا للمسجد، لأن المسجد كان سبباً في زواجها، وفق ما ترى، وكان أيضاً سبباً في إنجابها عندما تأخرت في الإنجاب.

وضح لها أن المسجد ليست له علاقة بذلك، لكنها لم تقتنع، والسيدات في المكان صدقنها. في رأيه قصة كهذه وغيرها، من أسباب انتشار حكاية المسجد والترويج بأن له بركة خاصة.

s2

مصر والأضرحة

تُرجع زينب شاهين، أستاذة علم الاجتماع في الجامعة الأميركية، الطقوس التي يتبعها كثر من المصريين في زيارة بعض المساجد والأضرحة، بغض النظر عن السبب، إلى موروثات ثقافية سببها انتشار الجهل والفقر.

ويشار في هذا السياق، إلى دراسة صادرة من المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية كشفت أنّ هناك مصريين يؤمنون بالخرافات والدجل والشعوذة وغيرها وينفقون قرابة 10 مليارات جنيه سنوياً بهدف إخراج جن أو فك سحر أو صنع "حجاب" يقي صاحبه شراً ما. وقد ساهم ذلك "في توفر 300 ألف شخص على الأقل يعملون في مجال الدجل والسحر في مصر"، بحسب ما نشرت صحيفة الشرق الأوسط عن الدراسة.

أقوال جاهزة

شارك غرد"ده مكان مبروك وكل اللي بيزوره طالبين الزواج مش بيمر عليه كام شهر ويتجوزو"... عن جامع البنات في مصر

شارك غردينفق الناس في مصر قرابة 10 مليارات جنيه سنوياً بهدف إخراج جن أو فك سحر أو صنع "حجاب"...

ويشير أبو جليل إلى أن هناك أماكن أخرى تدور حولها قصص، يختص كثير منها بأمور الزواج والإنجاب. فهناك جامع عمرو بن العاص، في منطقة مصر القديمة، وهو يحتوي على بئر جفّت مع مرور الزمن إلا من بعض المياه الراكدة التي شاع أنها تشفي المرأة العقيم بعد أن تصب على ظهرها.

كما أن هناك آثاراً فرعونية يتبرك بها المصريون، منها مثلاً منطقة في جوار هرم "سخم خت" الناقص بمنطقة سقارة، حيث توجد مومياء لطفل صغير، ويعتقد بعضهم أن رؤية هذه المومياء كفيلة بإحداث ما يُعرف في اللغة العامية المصرية بـ "الخضّة" للنساء اللواتي لا ينجبن، وهو ما يزيل أسباب منع الحمل.

يصل الأمر أيضاً إلى الكنائس، ككنيسة العذراء وشجرة مريم في منطقة المطرية غرب القاهرة، فهما مزاران للمسلمين والمسيحيين على السواء، خصوصاً الفتيات الراغبات في الزواج، والسيدات اللواتي يرغبن في الإنجاب.

جامع_البنات

13 مليون رجل وامرأة "عانس" بمصر

في آخر جمعة من شهر شعبان، زارت منى كريم (28 عاماً) الجامع.

تقول لرصيف22 أنها من إحدى قرى محافظة الجيزة، وعندما تعدت العشرين من عمرها واقتربت من الثلاثين، أصبح الأهل والجيران يتساءلون لماذا لم تتزوج، حتى أصبحت من وجهة نظرهم "عانس".

فنصحتها صديقتها بزيارة المسجد. لكن زيارة واحدة لا تكفي، فالطقس يقتضي 7 زيارات في أيام جُمع متتالية، وهو ما أخبرتها به جارتها التي كادت تقسم أن زيارات المسجد أتت بالعريس لإحدى قريباتها.

وفقاً لإحصائية حديثة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهو جهاز حكومي، فاق المصريون الذين تجاوزت أعمارهم الـ30 عاماً ولم يتزوجوا الـ13.5 مليون، منهم 2.5 مليون شاب و11 مليون فتاة.

تقول شاهين لرصيف22، أن نسبة ما يسمى "العنوسة" تزداد في المجتمع المصري نظراً إلى ما تشهده البلاد من أوضاع اقتصادية متردية.

فارتفاع الأسعار زاد الأمور تعقيداً، بخاصة أن الزواج لا بد أن يتم وفق عادات وتقاليد لا يتخلى عنها المجتمع: ولي الأمر يرغب في شقة بمواصفات معينة وأثاث يكلف الكثير، إضافه إلى حفل زفاف مكلف وسواه.

وتابعت شاهين أن هناك عاملاً آخر تسبب في زيادة نسبة العنوسة في مصر، وهو تعليم الفتيات.

"في السابق كانت الفتاة تصل إلى سن الزواج وتتزوج بأي رجل من أجل الستر والحماية، أما الآن فالوضع اختلف كثيراً فالفتاة تطلب مواصفات معينة في شريك حياتها، فلم تعد تنتظر الزواج بأي رجل للستر"، تقول شاهين.

فتجد المرأة تتعلم وتعمل وتصرف على نفسها، لذا أصبحت تحتاج إلى زوج متفهّم.

وهذا الأمر ينطبق أيضاً على الرجل، فهو لم يعد يستطيع وحده تحمل مسؤولية بيت نظراً إلى الظروف الاقتصادية، حتى غدا الانفصال عن المرأة سهلاً إذاً لم تتوافر فيها جميع احتياجاته.

كلمات مفتاحية
الزواج مصر

التعليقات

المقال التالي