"إصحى يا نايم وحد الدايم" بأصوات نسائية... عن مسحرات مصر

"إصحى يا نايم وحد الدايم" بأصوات نسائية... عن مسحرات مصر

المسحراتي أو عمل التسحير، هو تقليد موسمي أوشك على الاندثار. معروف أنه مسؤولية الرجال، لكنه تطور اليوم ليصبح في المجتمعات المصرية مسحراتية نسائية.

دلال عبد القادر في القاهرة، زينات محمد في قوص في قنا، منى محمد إسماعيل والحاجة بطة في المنيا، نوال عبد العليم في الفيوم، هن بعض مسحراتيات مصر، فرضن وجودهن على ساحة رجالية لتصدح أصواتهن في الشارع قبيل الفجر وتنادين: "إصحى يا نايم وحد الدايم".

تعرفوا على دلال

الم

دلال عبد القادر (46 عاماً)، إحدى أشهر المسحراتية في مصر،عملها الأساسي مكوجية توصيل للمنازل. ورثت التقليد عن شقيقها الذي عمل 21 عاماً على إيقاظ أهل الحي الذي سكنته العائلة في منطقة المعادي.

"عاهدت نفسي أمام الله أن أكمل الأشياء التي كان يفعلها بعد وفاته"، تقول لرصيف22 خلال اتصال هاتفي. 

التسحير هو عمل الخير الذي اختارت دلال مزاولته خلال شهر رمضان، فهي لا تقدر على الإنفاق والتبرع لضيق الحال، لكنها في الوقت ذاته تود المساهمة في خدمة الناس في حارتها.

"هناك من يساعد في إعداد الموائد الرمضانية، وبما أنه لا يوجد لدي أموال حتى أعطيها للمحتاج، ولا أعرف عمل شيء سوى الكي، فهل يعقل أن أقوم بكي ملابس الناس مجاناً في شهر رمضان؟"، تقول دلال.

ينزل معها ابنها في أواخر الليل أحياناً ليساعدها في حمل الطبلة، وأحيانا تنزل لوحدها دون الطبلة. تقول إنها تشعر بأمان في الشارع، فلا يخيفها التحرش والعنف الذي ينتشر بكثرة في بعض أحياء القاهرة.

تتطلب المهنة برأيها صوتاً قوياً وجميلاً يجيد الغناء، يستطيع إيصال "المعنى الجميل لرمضان". وتضيف أن المسحراتية تحتاج لصحة جيدة لتتحمل كثرة المشي، وسعة صدر وأن تكون محبةً لما يقوم به.

أقوال جاهزة

شارك غرددلال و منى والحاجه بطة ونوال: مسحرات من مصر، فرضن وجودهن لتصدح أصواتهن: "إصحى يا نايم وحد الدايم"

"أتمنى أن أصبح مسحراتية ولكن أمي ترفض"

المسحراتية_منى_محمد

يقول زوج دلال، عبدو، أنه وأبناءه فخورون بعملها، وهو يحترم دافعها في إحياء ذكرى شقيقها ووالدها، لكنه يشفق عليها من شدة التعب.

يقول لرصيف22: "تقول دلال بعد العودة أنها لا تستطيع التحدث، أو سماع أحد، لأن صوت الطبلة يبقى لمدة ساعتين متواصلين بجوار أذني يؤذيني، بالإضافة لكبر سنها وركبتها التي تؤلمها".

وتقول ابنتها شيماء إنها في إحدى المرات نزلت مع والدتها التي ألبستها النقاب لشدة خوفها عليها، وشعرت بسعادة غامرة.

"أتمنى أن أصبح مسحراتية ولكن أمي ترفض"، تقول شيماء لرصيف22. تضحك دلال وتشرح أنها تخشى على ابنتها من التعب والملل.

"المسحراتي يعطي طعماً وروحاً مختلفة لرمضان، إن وجدت مسحراتي في طريقي سنمشي سوياً ونتسحر حتى نشعر الناس بروح رمضان"، تقول دلال، وتضيف أنها تفرح هي وأولادها إذا ما سمعت صوت مسحراتية تنادي في الشارع أيام راحتها.

يركضون جميعاً إلى الشباك وينادونها، يدعونها لتناول السحور معهم ويطلبون منها أن تنادي أسماء كل واحد منهم.

هل التسحير مهنة؟

المسحراتي_شحاته_أحمد_ينشد

يقول المسحراتي شحاته أحمد (57 عاماً) أن عملهم منظم، فلكل منهم منطقته ولا يتعدى أحد على منطقة الآخر ولكل منهم تصريح من شيخ المشيخة، والذي يتبع للطرق الصوفية، يقوم بتوقيعه من قسم الشرطة التابع للمنطقة التي يسحر الناس فيها. ومن يخرجون بدون تصريح فهم يتخبطون في أي منطقة بشكل عشوائي.

تختلف معه دلال وتقاطعه مستنكرة الآلية التي ذكرها، قائلة: "أريد أن أصحح تلك المعلومة لأنها تزعجني، المهنة شيء والعادات والتقاليد والسنة النبوية شيء آخر، المهنة هي من يعمل بها الفرد طوال السنة، ومهنتي مكوجية توصيل للمنازل، وتسحير الناس هي من العادات الشرعية الإسلامية".

يتفق معها شحاتة بأنها ليست مهنة، بل عادة، لكنها رغم ذلك بحاجة للتنظيم.

بعض الرجال يرفضون

تقول دلال إن هناك مسحراتية نساء كثر، منهم من تمر بشارعها الذي تسكن فيه.

لكن المسحراتي شحاته أحمد الذي قارب الـ60 من عمره، والذي يعمل قهوجياً وورث التسحير عن والده منذ 35 عاماً، يرفض عمل المرأة مسحراتية حتي ولو بشكل آمنة.

يقول الدكتور خلف عمار، مدير عام الوعظ والإرشاد بدار الفتوى، أن التسحير عادة وليست من السنة، ولا أصل له في الدين الإسلامي.

وعلى الرغم من أنه لا يجد في رفع صوت المرأة حرمانية شرعية، كما ترى بعض المذاهب المتشددة، إلا أنه يعتبر التسحير عملاً لا يليق بالمرأة، حتى وإن قامت به حباً بالخير.

فإعلام الناس بالسحور ليس فريضة أو سنة، برأيه، لذلك على المرأة أن تعمل ما يناسب هيئتها وحالتها وبقدر احتياج المجتمع لها، وألا تقحم نفسها في أي عمل.

تسحير أم تسول؟

تقول الدكتورة هند فؤاد، أستاذة علم الاجتماع في المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية أن النساء غيرن شكل المهنة وبدأن بتحويلها إلى مصدر دخل.

فبرأيها، متسولات عديدات حولن نشاطهن في رمضان إلى التسحير، واستخدمنها لطلب المال والمساعدات، ولو بشكل غير مباشر، إذ يغدق عليهن السكان بالصدقات عند سماعهم صوت امرأة تعمل في مجال جديد.

"إذا درستِ إحدى هذه الحالات، ستجدين أنها متسولة، ولكنها حولت نشاطها في شهر رمضان"، تضيف لرصيف22.

تظن أن الأحوال الاقتصادية الحالية قد تغير نظرة الرجال  "في المجتمعات الحضرية" لنزول المرأة للتسحير، أو للعمل يشكل عام. لكن النظرة لن تتغير في المجتمعات الريفية والصعيدية برأيها، حتى وأن كان العمل يدر على المرأة دخلاً، حيث بدأ التسحير منذ 5 أو 6 سنوات يصبح مهنة حتى للرجال.

التسحير… ليس فاطمياً؟

يقول الدكتور أيمن فؤاد، رئيس الجمعية التاريخية وأستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر، فيرجع ظهور المسحراتي إلى القرن العشرين، لا يُعرف إن كان قد ظهر قبل ذلك، فهو ليس طقساً تراثياً.

"يوجد السحور لكن المسحراتي هذا شيء حديث جداً، وقليلاً ما تجدي مسحراتي لديه معلومات دقيقة، فنحن لا نعرف، متى كانت بدأ العمل؟ وكيف؟ ولا يمكن أن ينسب عمل التسحير للعصر الفاطمي، الذي ينسب الناس إليه أي شيء مثل الفانوس ومدفع الافطار"، يقول فؤاد لرصيف22.

رشا هاشم

صحافية مصرية عملت في العديد من الصحف والمجلات المحلية والمصرية والعربية مثل مجلة زهرة الخليج وروز وحواء. حصلت على العديد من الدورات التدريبية مثل رويترز واليونسكو وعلى جوائز دولية. تهتم بالقضايا الاجتماعية والمرأة وخاصة في صعيد مصر.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي