عن عوالم مهنة نبش القبور والاتجار بالجثث سراً في مصر...

عن عوالم مهنة نبش القبور والاتجار بالجثث سراً في مصر...

يخيم الظلام على الممر المتعرج الضيق، ولا تستطيع العربة السير فيه، فينطلق رضا الجندي (23 عاماً)، وزميله سيراً على الأقدام للبحث عن الحاج يحيى.

يحيى (اسم مستعار) هو "الترابي"، أو حارس المقبرة، في منطقة باب النصر القدية شمال شرق القاهرة، ورضا طالب طب في جامعة عين شمس، يود عقد صفقة والحصول على جثة.

يزداد المكان ضيقاً كلما اقتربوا أكثر من غرفته. يطرقون الباب، ليخرج يحيى (اسم مستعار)، الرجل الخمسيني ضاحكاً، يرتدي ملابس غامقة كالتراب.

على ضوء نور خافت جلس الجميع للاتفاق على سعر الجثمان الذي ينوون استئجاره. يتعهد الحاج يحيى بإيصال الجثمان إلى المنزل.

يعلم رضا وزميله أن الحصول على جثة بمساعدة يحيى أمر غير قانوني وقد يعرضهم لخطر كبير. لكنهم يقولون إنه لم يكن أمامهم خياراً سوى هذه الوسيلة.

فالحصول على جثة سليمة، لم يوضع عليها مادة الفورمالين التي من شأنها إتلاف الأنسجة والخلايا، وتشريحها، من شروط النجاح في الكلية. وإمكانياتهم المادية لا تترك أمامهم سوى استئجار جثة من الحاج يحيى، وتجزئة سعرها بينهم، ثم إعادتها بعد الامتحان.

يقول رضا لرصيف22 أنه ليس بيده هو وأصدقاءه حل سوى اللجوء إلى المقابر ليلاً.

"أصبحنا كتجار المخدرات نشتري الأعضاء في الخفاء ونقوم بالتشريح في الشقة ليلاً خشية أن يعلم بأمرنا أحد".

تضم مصر، وفقاً للمجلس الأعلى للجامعات، حوالي 25 جامعة حكومية، تحتوي 20 منها على كليات طب بشري، بالإضافة إلى 4 كليات طب تابعة لجامعة الأزهر. ويعد علم التشريح أحد المواد الرئيسية على مدار سنوات الدراسة السبعة داخل الكلية.

يكون في العادة لدى كليات الطب البشرى مشرحة لحفظ الجثث داخل الحرم، توضع تحت تأمين شديد من قبل موظفيي بالجامعة.

لكن هذه المشارح لا تلبي حاجة طلابها، فعدد الجثث لا يكفي، ما يدفع رضا، وغيره من آلاف طلاب الطب في مصر للبحث عنها في أماكن غير شرعية، وهي بالتالي أرخص. وقد بات طلاب الطب زبائن دائمين لحراس المقابر، الذين يتحول عملها في المساء إلى نابشي قبور وتجار جثث.

وبعدما يغادر أهل الميت مطمئنين أن فقيدهم يرقد في مثواه الأخير بسلام، يبدأ عمل يحيى.

هذا ما تقوم به الكليات لتوفير الجثث

يقول الدكتور فتحي خضير، عميد كلية طب قصر العيني في جامعة القاهرة، إن هناك نقص حاد في عدد الجثث في كليات الطب، والهياكل البلاستيكية البديلة التي يوفرها الأطباء لا تفي بالغرض لأن من الصعب دراستها وتشريح الأوعية والشرايين فيها.

يقول خضير لرصيف22 أن كليات الطب كانت تستورد الجثث من شرق آسيا لتغطي العجز، حتى وصل سعر الجثة الواحدة إلى 150 ألف دولار. وكان يتم استيراد 5 جثث سنوياً يوزعون على الكليات.

ومع تقلص ميزانية هذه الكليات على مستوى جامعات مصر، لم يعد باستطاعتها استيرادها من الخارج.

طرق أخرى تحاول بها كليات الطب بمصر سد النقص، تتمثل في توفير الجثث غير المستدل على هوية أصحابها للطلبة في مشرحة الكلية، ويتم تقسيمها على الطلاب، وفقًا لخضير.

لكن محاولات الكليات لا تكفي لتوفير جثث كافية تُستخدم في الدراسة، والحصول على الجثث المجهولة والتحفظ عليها صعب ويتطلب وقتاً وتصريحًا من النيابة المختصة أو النائب العام، بحسب أحمد السجيني، أستاذ الطب الشرعي بكلية الطب جامعة عين شمس.

ولا يستغرب السجيني توجه الطلاب إلى حراس القبور، فقد بات توفير الجثث للطلاب في المشرحة أمراً صعباً للغاية بسبب زيادة عدد دارسي الطب. ويضيف أن من يعرف معاناة الطلاب في الحصول على جثث ورفات موتى للدراسة والتشريح، والاستغلال الذي يتعرضون له، يتفهم قيامهم بذلك ويشفق عليهم.

فلا مفر أمام طلاب الطب إلا التفاوض مع حراس المقابر وشراء الرفات للدراسة.

لائحة الأسعار

يبلغ عدد المقابر الموجودة بالقاهرة نحو 200 ألف مدفن، بحسب إدارة جبانات القاهرة خلال اتصال مع رصيف22. وتجار بيع الجثث والرفات فيها باتوا معروفين بين الطلاب بالكلية، بحسب رضا، ويعرف الطلاب أسعارهم الموحدة مسبقاً، بل ويخشون ارتفاعها.

يقول يحيى، حارس مقابر باب النصر أن سوق بيع الجثث ينشط في الشتاء وهو موسم "المذاكرة والامتحانات".

وكأي تجارة، يضع حراس المقابر تسعيرة لبضاعتهم، وتختلف الأسعار بحسب الزبون.

فالسعر للطالب يختلف عن الأسعار التي تباع لزبائن الجملة، أو سماسرة الطلبة والمراكز التعليمية التي تحيط بكليات الطب.

ويؤكد يحيى أن رفات الموتى تعد أكثر البضائع المطلوبة وأعلاها سعراً، فيتراوح سعرها ما بين 2000 و5000 جنيه. أما الهيكل العظمي الكامل للجثة فسعره بين 1000 و1500 جنيه.

ويبيع يحيي الجمجمة بـ250، وفي أماكن أخرى يتم بيعها بـ600 جنيه. ويختلف سعرها بحسب حالتها لأن هناك علامات فارقة بين الجماجم الخاصة بالشباب والكبار.

يزداد غلاء ثمن الجثة كلما اقترب البيع من تاريخ الوفاة، فالطلاب يفضلون الجثث التي لم تتجاوز وفاتها الأربع ساعات. وإن مر عليها أكثر من ذلك تبدأ بالتحلل، فيضطر الحارس لمعالجتها بالفورمالين، وهو ما لا يريده الكثير من الطلاب.

"وكله بتمنه"، يقول يحيى.

أقوال جاهزة

شارك غرد"كنت أدخل للمقابر ليلاً بعد مراسم الدفن، دون أدنى خوف وأحضر الجثمان للسمسار"، هكذا يتم الاتجار بالجثث

شارك غرد"أغلب الطلبة هم ولاد ناس، أما الطلاب الغلابة بنأجرهم الجثث ويعيدوها بعد الاستعمال".. عن "بزنس" نبش القبور

يتفق الطرفان على السعر والمطلوب، ثم يقوم الحارس بنبش القبر وإيصال الأعضاء إلى منزل الزبون.

كيف يتم نبش القبور وبواسطة من؟

يحكي يحيى، حارس مقابر باب النصر كيف دخل عالم نبش المقابر فيقول: "ذات ليلة وأنا جالس بين المقابر فكرت ببيع الجثث المدفونة حديثاً، نفذت الأمر أكثر من مرة أحياناً. جثث كاملة مقابل 1000 جنيه، وأحياناً هياكل عظمية مقابل 50 جنيهاً".

"كنت أدخل للمقابر ليلاً بعد مراسم الدفن دون أدنى خوف لنشأتي بينها وأحضر الجثمان للسمسار ليتصرف فيها، ذاع صيتي وبدأ طلاب الطب يتوافدون عليّ من المحافظات كافة لشراء جثث كاملة، وأحياناً يطلبون عظام يد أو حوض أو هيكلاً عظمياً"، يضيف لرصيف22.

يشرح يحيي تفاصيل نزع العظام من اللحم، فيقول إن الترابية، أو حراس القبور، يقومون بغلي العظام لإزالة الشحوم والأنسجة واللحوم والتخلص من الرائحة الكريهة. وبذلك يتسنى للطلاب التعامل معها والدراسة عليها.

وقد يتبع أحياناً طريقة أخرى لإزالة الشحوم بدهنها بالزيت قبل بيعها للطلاب.

ويؤكد أن هناك ترابية متخصصين في بيع العظام والرفات فقط، ويتواجدون بكثرة في مقابر "الغفير والمجاورين" بمنطقة منشية ناصر.

ما رأي القانون في الأمر؟

ثمة نقاط قصور قانونية شديدة فيما يخص نبش المقابر وسرقة جثمان الموتى أو أشياءهم بحسب أسعد هيكل، محتمي النقض والناشط الحقوقي المصري.

فيعاقب القانون من يقومون بنبش القبور بغرامة مالية لا تقل عن 100 جنيه مصري ولا تزيد عن 500 جنيه، دون حبس.

وهي عقوبة غير رادعة برأي الكثير من الحقوقيين، ما يدفع لاستمرار هذه الجريمة.

ويقول هيكل أن دفاتر أقسام البوليس تعج بمحاضر ضبط لنابشي القبور وأخرى بشكاوى الأهالي عن غياب جثث ذويهم، كانت آخرها نبش 60جثة دفعة واحدة من إحدى مقابر مصر القديمة. 

وسطاء البيع لنابشي القبور

تنتشر حول جامعة الأزهر وعين شمس والقاهرة بمصر مكتبات تبيع مستلزمات وأدوات للدراسة.
تجد عندها أعضاءً وعظاماً يحتاجها الطلاب في الدراسة، يبيعونها للطلاب الذين يعرفونهم جيداً، خشية أن يقوموا بإبلاغ الشرطة عنهم.

يقول منعم محمد، وهو طبيب في كلية طب جامعة الأزهر، أنه جلب العظام التي احتاجها هو وزملاؤه من عند بائع مكتبة قريبة من جامعة عين شمس.

وقد ربطته علاقة طيبة بالعديد من حراس المقابر، واشترى منهم جثة كاملة، اقتسم سعرها والعمل عليها مع زملائه. كما ابتاع في مرة أخرى عظماً بنحو 900 جنيه.

مطالب الطلاب تتحدد بحسب السنة الدراسية، وهو ما يعرفه حراس المقابر جيداً. فطالب الفرقة الأولى مثلاً يطلبون في الغالب فقرة الحوض ورجل وذراع، بحسب خميس، وهو ترابي التقاه رصيف22.
"لأنهم بيدرسوا في هذه المرحلة الهيكل السفلي من جسم الإنسان".

"أغلب الطلبة الذين يترددون هم ولاد ناس، أما الطلاب الغلابة أبناء الفقراء نقوم بتأجيرها لهم، ويقوم الطلاب بإعادة العضو مرة أخرى"، يقول متولي، وهو حارس قبور آخر.

ويضيف أن الزبائن ليسوا فقط من طلاب الطب، فهناك سماسرة الجامعات الذين يتعاملون مع المراكز التابعة لكليات الطب، ويزودونها بالجثث.

بالإضافة إلى سيدات يتوجهن إليه طالباتِ أجزاءٍ مختلفة من الجسم، أو الكفن أو الأسنان، لإعطائها للدجالين واستخدامها في أعمال السحر والشعوذة.

وبعد بيع الجثة يقوم متعهدو المقابر ببيع القبور الفارغة.

ففي منطقة زاوية سلطان، أو كما يسمونها الناس "زاوية الأموات" بسبب عدد القبور فيها والذي يقرب من 10 آلاف، تُنبش القبور وتُباع الجثث، بحسب خميس، الترابي المسؤول في تلك المنطقة، ثم يُباع القبر الفارغ لأهل ميت جديد ليدفنوا فقيدهم فيه.

 

أمنية المالكي

صحفية مصرية مهتمة بالصحافة الإنسانية

كلمات مفتاحية
الطب مصر

التعليقات

المقال التالي