هل يفتح حجب الوسائل الإعلامية الشهية على متابعة أخبارها؟

هل يفتح حجب الوسائل الإعلامية الشهية على متابعة أخبارها؟

بالحجب جئناكم. هذا ما بدا عليه الحال في الأيام القليلة جداً التي أعقبت التصريحات المسربة التي نسبت لأمير قطر تميم بن حمد.

حملة هي الأكبر من نوعها، طالت وسائل الإعلام القطرية من قناة الجزيرة مروراً بوكالة الأنباء القطرية وصولاً إلى الصحف كالوطن والراية وغيرها، ولم يحل النفي القطري الرسمي للتصريحات دونها.

بدأ الحجب من الإمارات التي طالبت مواطنيها "التصفح بأمان" ثم السعودية التي طالعت مواطنيها عند زيارة المواقع عبارة "عفواW، المحتوى المطلوب مخالف لأنظمة وزارة الثقافة والإعلام".

لاحقاً انضمت مصر للحملة، متفوقة على البقية بحجب 21 جريدة وموقعاً، والجزيرة طبعاً. وطال الحجب مواقع كـ"هافنغتون بوست" و"عربي21" وموقع "مدى مصر" الذي لم يُفهم تماماً ارتباطه بهذه الأزمة.

وبرّرت السلطات المصرية قرارها بمكافحة وسائل الإعلام التي "تتضمن محتوى يدعم الإرهاب والتطرف، وتعمد إلى نشر الأكاذيب".

"سنظل نخرج"

كشفت الأزمة الكثير مما كانت تخفيه التحالفات القائمة، إذ اتخذت بعداً سياسياً لم يبال بعملية "القرصنة" التي بررت بها "قنا" تسريبات الأمير. وأظهرت مؤكداً الثمن الذي تدفعه وسائل الإعلام وحرية التعبير في خضم المعارك السياسية بين الأنظمة.

الجدير بذكره هنا، أن وسائل الإعلام التي شملها الحجب لا تندرج جميعها في الخانة نفسها.

تختلف الوسائل بين رسمية تعكس موقف السلطة بشكل مباشر، رأى البعض في حجبها عدم انتهاك لحرية التعبير، وبين أخرى قريبة من السلطة لكنها تحافظ على استقلالية معينة، وأخرى كـ"مدى مصر" مستقلة تماماً، لكن حجبها أتى في سياق "تصفية حساب"، سهلت الزوبعة الحاصلة إتمامها.

بغض النظر عن اصطفافات وسائل الإعلام، أعادت هذه الحملة الواسعة المخاوف بشأن حصانة الأخيرة في وجه السلطة السياسية، وطرحت التساؤل عن جدوى الحجب الذي يطال المواقع الإلكترونية في ظلّ تطور الخاصيات المتاحة التي تسمح لها بالتحايل على الحجب والوصول إلى الجمهور بأي حال.

والأهم ما الجدوى الفعلية من الحجب الذي يحصل؟

يقول أستاذ الدراسات الصحافية باري غونتر إن "الرقابة على شبكة الإنترنت قد لا تأتي بالمقصود، إذ تجعل المستخدمين أكثر تصميماً على الوصول إلى المحتوى المطلوب، وتشجع الأشخاص الذين لم يحددوا موقفهم على أن يكونوا أكثر نشاطاً، كما تدفع الأشخاص إلى التحرك لإيجاد طرق مبتكرة لتنظيم أنفسهم والتواصل في ما بينهم".

أقوال جاهزة

شارك غرد"الرقابة على شبكة الإنترنت لا تأتي بالمقصود إذ تجعل المستخدمين أكثر تصميماً لوصول إلى المحتوى المطلوب"

شارك غرد Instant articles وتطبيقات "بروكسي" وغيرها من الأدوات تتيح التحايل على الحجب، فما الغاية منه فعلاً؟

يأتي ذلك في معرض الحديث عن حجب وسائل الإعلام، وخاصة الإلكترونية منها، من الناحية النفسية. أما من الناحية التقنية، فتتيح الخاصيات الجديدة أدوات مهمة للتحايل على الحجب الرسمي.

فور التثبت من حجب الموقع، نشر موقع "مدى مصر"، على سبيل المثال، تعليقاً جاء فيه "نحن أبناء الهامش، منه خرجنا، ومنه سنظل نخرج... مستمرون في النشر عبر كافة المنصات المتاحة إلى جانب موقعنا اﻹلكتروني أيضاً، انتظروا صحافتنا كالمعتاد".

رافق التعليق صورة كاريكاتورية ساخرة لمسؤول يرتدي بزة سوداء ويمسك في يديه مفتاحا وهو يجهد في إغلاق باب خشبي في قلب الصحراء وسط علامات من التعجب.

تابع الموقع نشر مقالاته عبر تطبيق "غوغل دوكس" ومن ثم تحميلها على مواقع التواصل المختلفة، مؤكداً عبر المسؤولة عنه أن "التركيز حالياً ينصب على استعادة الموقع وتحصينه كي لا يتم عرقلته بسهولة في المستقبل".

أدوات التحايل

وإن كان موقع مدى مصر يشكل حالة خاصة بين الوسائل المحجوبة، لكن لجوء السلطات إلى تلك الخطوة يبدو اليوم كرسالة سياسية إلى القنوات والمنصات، ومن يقف وراءها، أكثر منه كحرص فعلي على منع وصول المعلومات.

في العام 2015، أطلق تطبيق فيسبوك خاصية الـ"Instant Articles" التي اعتبرت حينها تهديداً جدياً لمستقبل الصحف والمؤسسات الإعلامية التقليدية. لكن تقدم هذه الخاصية أداة شديدة الفعالية لإيصال المواقع الإلكترونية لمعلوماتها إلى الجمهور المستهدف بالحجب.

وتسمح هذه الخدمة للناشرين، بعد تحميل مقالاتهم وفيديوهاتهم على المواقع الأساسية، بإيصالها إلى متصفح المقال عبر فيسبوك من خلال الاطلاع على المحتوى الكامل.

رسالة السلطة واضحة في ظل تراجع الإعلام التقليدي وإتاحة التقنيات الإلكترونية مجالاً للنشر خارج عباءتها: إما أن تكون معنا أو لا تكون

كما تتيح خاصية "خدمة بروكسي" التي تلعب حلقة الوصل بين المتصفح والتطبيقات المطلوبة في التغلب على قرارات الحجب، إضافة إلى العديد من الإمكانيات الأخرى التي تلجأ إليها المواقع الإلكترونية لإيصال معلوماتها.

لا يعني أن حجب أحد المواقع، ولجوء الأخير إلى استخدام تلك الأدوات للوصول إلى الجمهور، أن المنع المطبق لا يترك أثراً سلبياً، لكن المقصود في ذلك الإشارة إلى أن الحجب في المرحلة التي يعيشها العالم الإلكتروني لا يحقق غايته في منع المعلومة، لكنه يحققها في توجيه رسائل تهديد مبطنة، وفرض سيطرته على حرية التعبير وقولبتها خدمة لمصالحه.

وتتخذ تلك الغاية في العديد من المرات عناوين مختلفة من تنظيم القطاع إلى محاربة التطرف والأخبار الكاذبة، في وقت يدين المراقبون غض الطرف عن الوسائل التابعة للسلطات أو القريبة منها، والتي تقوم في الكثير من الأحيان بذلك وأكثر.

"إما أن تكون معنا أو لا تكون"

قبل سنوات قليلة، حجبت السلطات الأردنية حوالي 291 موقعاً إخبارياً محلياً، بحجة تنظيم القطاع وعدم وجود تراخيص للعمل. ووجه القرار بحملة تنديد واسعة، باعتباره انتهاكاً لالتزامات الأردن الإقليمية والدولية، وخرقاً لحرية التعبير التي يكفلها الدستور.

ولم تكن الأردن وحدها في ذلك، إذ حصلت حملات مشابهة في فلسطين وسوريا والبحرين وتركياش وارتبطت جميعها بعناوين "حماية الأمن القومي".

أما في قطر والسعودية، اللتان تعتبران بحسب أستاذ الصحافة والثقافات نهى ميلور أكبر الفاعلين الإعلاميين في المنطقة بشبكة وسائل إعلامية أخطبوطية، فتأخذ الحرب الإعلامية بينهما بعداً سياسياً عميقاً.

وسط كل ذلك، ثمة مؤكد واحد من عمليات الحجب الواسعة عنوانه اعتباطية السلطات في تعاملها مع كل مصادر المعلومات، حيث تعمد إلى وسم النقد (بغض النظر عن كونه بناء من عدمه) في خانة العداء، وانتهاز الفرصة المناسبة لكم الأفواه.

رسالة السلطة واضحة في ظل تراجع الإعلام التقليدي وإتاحة التقنيات الإلكترونية مجالاً أوسع للنشر خارج عباءتها: إما أن تكون معنا أو لا تكون.

ولكن في ظل التسارع التقني وتكاثر الخيارات والمنصات، هل سيدوم هذا الحال طويلاً؟

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي