تفجير "مانشيستر" يسلّط الضوء على خطر الأخبار المزيفة

تفجير "مانشيستر" يسلّط الضوء على خطر الأخبار المزيفة

يشهد المحتوى الرقمي اليوم تحدياً أساسياً وسط التنوع الذي توفّره التكنولوجيا لكل مهتم أو متخصص بمتابعة ما يحصل في العالم.

الإعلام الإلكتروني في العالم العربي هو المتأثر الأول إبان الثورات خصوصاً، مع ظهور "المواطن الصحفي"، إذ باتت التسمية تحتم على صاحبها العمل في مناطق تواجده - والتي غالباً ما تكون مناطق نزاعات - ليوثق الأحداث عبر منصات الإعلام الرقمي قبل أن يتلقّفها الاعلام ويقوم بتصديرها للجمهور.

هذا التغيير أيضاً أتاح فرصة انتشار الشائعة إلى الأفراد وحتى وسائل الاعلام.

استفاق العالم أمس الثلاثاء على صور وفيديوهات من بريطانيا توثق الانفجار الذي حصل في مدينة "مانشيستر" خلال حفل للمغنية آريانا غراندي.

المستهدف كان غير مؤكد حتى ساعات متقدمة من النهار، مع انتشار أخبار عن تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) إذ نشر مناصرون لها تغريدات تحتفل بالهجوم على الرغم من عدم تبني التنظيم له بشكل رسمي.

هجوم "مانشيستر" شرّع الباب لإعادة طرح واحد من أهم المواضيع التي تكررت مناقشتها على شبكات التواصل في الاشهر القليلة الماضية: التحقق من الأخبار والمحتوى الرقمي وكشف المزيف منهما.

فمن أولى التحليلات التي كادت أن تتحول لتكون خبراً قد يطغى على التفجير نفسه هو تزامنه مع حادثة مقتل جندي بريطاني في 23/05/2013 بعمل إرهابي في" مانشيستر"، إذ حاول محللون الربط بين الحادثين. إلا أن هجوم أمس سيطر بأهميته على العناوين، فلم يُفسح بالمجال الكافي للتحليلات التي قد تربط بين تواريخ الهجمات.

ولكن تلك كانت البداية فقط، إذ كان لتويتر النصيب الأكبر من الأخبار المزيفة التي تلت التفجير، ليكون الخبر الوحيد اليقين هو انتشار فيديو يتكلم فيه مؤيد لداعش عن الهجوم ويؤكد أنه لن يكون الأخير.

أخبار وبلاغات مزيّفة

جعلت الاخبار المزيفة التي انتشرت إبّان الهجوم من مهمة الشرطة البريطانية تحدياً كبيراً نظراً لكثرة ما تم تداوله، ليتبيّن لاحقاً أن أحد أسباب انتشارها هو أن عدداً من المراهقين عمدوا إلى تداول صور مزيفة لكسب إعادة تغريد بشكل كبير وبالتالي زيادة عدد المتابعين الخاصين بهم، ومن بعض ما نُشر:

أقوال جاهزة

شارك غردأخبار كثيرة تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام عن تفجير مانشيستر، ليتضح لاحقاً أنها مزيفة

شارك غردلا تصدقوا كل ما ترونه بعد أي حادثة.. قد يكون صادراً عن مراهقين رأوا فيما يحصل فرصة لحصد الإعجابات

1. مسلح أمام مستشفى "أولدهام"

انتشرت صورة للمشفى بعد إعادة تداول منشور على فيسبوك يقول فيه الكاتب أنه محتجز داخل المشفى، لأن مسلحاً يترصّد بالمدخل الرئيسي، ودعا الناشر الجميع إلى الابتعاد عن المنطقة.

صفحة "ديلي إكسبرس" على تويتر كانت الناشر الأول للخبر قبل رصده والتحقق منه ليتبين بعد دقائق أن الخبر غير صحيح. عادت "ديلي اكسبرس" لتقدم اعتذاراً عما نُشر، فيما قامت وحدات الشرطة في المنطقة بالتحقق من محيط المشفى ونشر تغريدات تؤكد أنها لم ترصد أي خطر.

2. "طفل مفقود" والصورة تعود لعام 2014

تداول المغردون صورة طفل مصاب بمتلازمة داون داعين كل ما شاهده إلى التواصل مع أولياء أمره لأنه مفقود، وكان حساب غير موثوق لا يحتوي إلا على عشرات المتابعين قد نشر التغريدة التي حازت على آلاف الاعجابات وانتشرت بشكل واسع ليعود رواد الموقع ويؤكدوا أن الخبر مزيف وأن الصور جزء من حملة دعائية انتشرت عام 2014.

3- آريانا غراندي "بعد التفجير"

مرّت دقائق على انتشار الخبر قبل أن يتوقف المغردون عن تداوله، إذ تم حذف الصورة التي نُسبت للمغنية آريانا غراندي وأشيع أنها التُقطت بُعيد التفجير.

بدت غراندي مغطاة بالتراب والغبار خلال مغادرتها ممسكة بأغراضها ليتبيّن أن الصورة صحيحة ولكن على عكس ما أُشيع، التُقطت خلال تصويرها فيلم قصير عام 2015، وليس بعد تفجير "مانشيستر".

4. صور مزيفة عن أقرباء مفقودين

بالإضافة إلى الفوضى الحاصلة جراء التفجير، عمد عدد كبير من المراهقين إلى نشر تغريدات مع صور لا تمت للواقع بصلة عن "أقرباء مفترضين لهم فقدوا التواصل معهم" وذلك بهدف حصد عدد كبير من إعادة التغريد والانتشار.

واحدة من الصور المنشورة تضمنت صوراً لمشاهير معروفين عبر شبكات التواصل ما حفّز عدداً كبيراً من المتابعين على تكذيبها والدعوة إلى التنبّه من خطورة سرعة إعادة النشر.

كما انتشر فيديو على مواقع التواصل بعد دقائق من الانفجار، قيل أن تصويره تم خلال هروب الحاضرين من قاعة الحفل، ليعود حساب قناة بي بي سي عربية وينشره بعد ساعات تحت عنوان "هلع في محطة القطار بـ#مانشستر"، على الرغم من تأكيد كل من تداوله أنه يصوّر مشهد الهروب من قاعة الاحتفال.

ولكن كان لشبكات التواصل محاسنها على الرغم من كل التناقضات التي جملتها تغطيات هجوم "مانشيستر"، إذ ساهمت بعض التغريدات بلمّ شمل عدد من المفقودين مع عائلاتهم، ومنهم فتاة كانت قد فقدت خلال التفجير، وبعد نشر صديقتها تغريدة عنها استطاع أحد الشبان التعرف على الشابة والتأكيد أنها برفقتهم وبخير.

التحقق من الأخبار موضوع مستجد في العالم العربي تحديداً حيث تكثر النزاعات، وتنتشر الشائعة التي ترافق صوراً مزيفة أحياناً، أو فيديوهات يُعاد نشرها بهدف تفعيل بروباغندا عن قضية مستجدة والتسجيل عدد مرتفع من الدخول على موقع معين.

وقد كثرت في الآونة الأخيرة، عربياً وعالمياً، المطالبة بإيجاد حلول تساهم بالحد من انتشار المقالات المزيفة كبداية. فيسبوك كان السباق في خطوة فريدة من نوعها كان قد أعلنها منذ أسابيع، ليؤكد إطلاقها منذ أيام.

وكان فيسبوك قد أتاح خدمة تصنيف الأخبار التي تسمح للمستخدم بمراقبة المحتوى ورصد الخبر الذي يبدو كاذباً فيقوم بتنبيه فيسبوك، لتظهر رسالة إنذارية توضح بأن هذا الخبر هو "مثار جدل" وصحته غير مؤكدة، وهنا يفضّل ألا يقوم المستخدم بإعادة نشره حتى لا يساهم بتصديره للجمهور.

هل يستطيع فيسبوك السيطرة على محتواه؟

في خطوة استباقية لما قد ينتشر على شبكات التواصل، وسّع فيسبوك في أوائل شهر مايو حملته لرفع الوعي بشأن الأخبار المزيفة من خلال نشر إعلانات في الصحف البريطانية، في إطار الاستعدادات الجارية لتنظيم الانتخابات العامة في المملكة المتحدة المقررة بتاريخ 8 يونيو المقبل.

وتضمنت الإعلانات 10 نصائح تتيح للمتابعين معرفة إن كان الخبر الذي يتعامل معه حقيقياً أم مزوراً على فيسبوك منها:

التشكيك في العناوين والتدقيق بعنوان الإنترنت (URL) والتحقق من المصدر بالإضافة إلى دراسة الصور والتحقق من تاريخ نشر الخبر، والتأكد أن ما نُشر ليس مجرّد دعابة، مع البحث المستمر عن مصادر أُخرى تداولت الخبر.

مبادرات عربية للتحقق من المحتوى

يعتبر "تأكّد" من المشاريع الإعلامية المسؤولة في العالم العربي، في ظل انتشار عدد كبير من المؤسسات والمواقع الإلكترونية التي تبحث عن "السبق الصحفي" قبل الخبر الحقيقي.

الهدف الأول التي تسعى مجموعة "تأكد" إليه هو رصد الأخبار المتعلقة بالشأن السوري والتنبه لكل ما قد يبدو غير دقيق خاصة لناحية إعادة نشر الفيديوهات والصور القديمة التي قد تتسبب بالأذى لمجتمعات بكاملها، في ظل النزاعات والحروب القائمة.

عربياً أيضاً، أصدر "معهد الجزيرة للإعلام" حديثاِ كتاباً بعنوان "البحث عن الحقيقة في كومة الأخبار الكاذبة". وعلى الرغم من أن وسائل التواصل تعتبر اليوم مصدراً أساسياً لمعظم أخبار الصحافيين، يهدف الكتاب الجديد إلى توجيههن لكيفية استخدام محتوى شبكات التواصل بشكل مسؤول والاستفادة منه في أخبارهم السريعة أو حتى تحقيقاتهم المطوّلة.

مسؤوليات مشتركة

لا يمكن حصر واقع ما يحصل بشبكات التواصل، فعلى الرغم من أهميتها، وسهولة ولوج المجتمع إليها، تبقى المسؤولية الأساسية على عاتق الصحافي والمنابر الإعلامية، وأبسط الأمثلة على ذلك ما قام به موقع "باز فيد" بعد أقل من ساعتين على هجوم "مانشيستر"، حيث تم تصميم مادة خاصة برصد الأخبار الكاذبة أو المزيفة مع إمكانية تعديلها وإضافة كل ما يستجد.

هنا، تحمّل الإعلام جزء كبيراً من المسؤولية وقام بتصحيح أخطاء - مقصودة أو غير مقصودة - صدرت عن أفراد يعانون صدمة ما بعد الهجوم أو عن مراهقين رأوا فيما يحصل فرصة لحصد الإعجابات.

وعلى المقلب الآخر، العالم العربي مليئ اليوم بأفراد يحاولون تسليط الضوء على أهمية التحقق من المحتوى الإلكتروني، ولكن هل تكفي تلك الجهود؟ أم على كل دولة تخصيص منصات لدحض الزائف منها؟

لونا صفوان

لونا صفوان، صحافية لبنانية. عملت في عدد من المواقع الإلكترونية الناطقة باللغتين العربية والانكليزية على تغطيات أحداث الربيع العربي، الرقابة والحريات الصحافية.

كلمات مفتاحية
العالم

التعليقات

المقال التالي