الصحة النفسية في العالم العربي: هل نحن جاهزون لكسر "تابو" آخر؟

الصحة النفسية في العالم العربي: هل نحن جاهزون لكسر "تابو" آخر؟

تُمسك سحر سيجارة وتشعلها ببطء، غير مدركة أن سيجارتها الأولى لم تنطفىء بعد. في منزلها الصغير بأحد أحياء بيروت، وجدت الصبية الثلاثينية الكثير من السكينة، هي التي انتقلت من الجبل إلى المدينة منذ سنوات للعمل.

تذكر سحر جيداً زيارتها الأولى لعيادة طبيبتها النفسية، ترجلت يومذاك من سيارة الأجرة، وقامت بثلاث جولات حول المبنى قبل أن تهم بالدخول. لم تخبر سحر عائلتها وأصدقاءها لمدة طويلة عن أسباب اختفائها لبعض الساعات أسبوعياً، وعن مصروفها الذي استنزفته الزيارات الطبية، فحرمت من متع عديدة في المدينة الساحلية.

لا يختلف حال سحر عن حال عدد كبير من نساء ورجال العالم العربي، فذوو الدخل المتوسط غالباً ما يخشون طرح السؤال التالي على أنفسهم "هل نحن بخير؟".

على المقلب الآخر من المتوسط، وتحديداً في القاهرة، لا تجد ياسمين أي عزاء لما تصفه بـ"ظلم المجتمع وحكمه المسبق" على الصحة النفسية.

علماً أن الصحة النفسية مصطلح فضفاض للبعض، إلا أنه قد يُختصر ببساطة بطرح الفرد سؤالاً واحداً على نفسه: كيف حالي اليوم؟

معظم الأفراد في المجتمعات العربية يخشون تكرار السؤال علناً، فيبادرون بالهجوم أولاً مبعدين الشبهات عن أنفسهم، ويسألون الطرف المقابل "كيف حالك؟".

وبحسب منظمة الصحة العالمية، تتصدر الدول العربية العالم في نسبة الاكتئاب، مع تفاقم العنف فيها وغياب الاستقرار والزيادة السريعة للطابع الحضري للحياة.

ولكن في المقابل، تشهد المنطقة انتشاراً متزايداً لموجات التوعية، وإن كانت لا تزال خجولة، عما يسمى "شهر الصحة النفسية"، الذي يصادف في شهر مايو.

شهر الصحة النفسية

انطلقت التسمية من الولايات المتحدة الأميركية عام 1949، وقد تقرر في جميع أنحاء البلاد تخصيص مايو لرفع مستوى الوعي بأهمية الصحة النفسية عبر الأنشطة التوعوية والحملات الإعلانية.

ومؤخراً، ظهر اهتمامٌ عربي بهذا الشهر، إذ عمد عدد من الناشطين إلى تنظيم "يوم للصحة النفسية"، أو "أسبوع الصحة النفسية"، قبل التوسع لتشمل موجة الاهتمام - عند البعض - الشهر بأكمله.

وبحسب مبادرة الصحة النفسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تصيب الاضطرابات النفسية أكثر من 10% من السكان حول العالم، ويتهرب معظم المعانين من هذه الاضطرابات من العلاج بسبب إما نقص التمويل أو الخوف من "الوصم". 

INSIDE_MentalHealth

تكاليف الزيارات الباهظة

الوعي بأهمية السلامة النفسية بات موضوعاً مستجداً، إذ ازداد خلال السنوات القليلة الماضية عدد المهتمين بزيارة مرشد نفسي.

المجتمع المصري خير مثال على ذلك بحسب الباحثة والمرشدة النفسية نرمين عبد الهادي، فبعكس ما كان يسود المجتمع المصري خلال السنوات العشر الماضية، لم يعد "الطبيب النفسي" الملجأ الأول لحل "المشكلة"، وهو أمر كانت تعكسه مناهج دراسة الطب النفسي في مصر.

تقول نرمين أن الوضع لم يعد مشابهاً اليوم: "اتسعت رقعة المهتمين ليس فقط بالعلاج النفسي بل أيضاً بالتوعية وإيضاح الفروق بين المطبات النفسية التي قد يمر بها أي شخص".

ينتشر اليوم في مصر مرشدون نفسيون مؤهلون، وكذلك الوضع بالنسبة للأخصائيين النفسيين، مع استحداث أساليب غربية جديدة لمحاكاة السلامة النفسية.

ولكن تبقى مشكلة ارتفاع أسعار الزيارات، التي لا تعد أولوية لشريحة كبيرة من المجتمع.

تروي عائشة، شابة من تونس، عن سلسلة تجارب شعرت بسببها بالحاجة إلى التكلم مع شخص لا يمت لها بصلة. ولكنها للقيام بذلك، اضطرت في مرحلة ما إلى ممارسة مهنتين بدوامين متتاليين لتستطيع تغطية زياراتها إلى عيادة "أخصائي بعلم النفس"، بسبب عدم توفر ذلك في جامعتها.

الوصفات الطبية العشوائية

من ناحية أُخرى، يقوم عدد لا بأس به من الأخصائيين بعلم النفس حول العالم بتقديم وصفات دواء للزائرين، وذلك من الزيارة الأولى، ما يشكل خطراً على صحتهم، إذ أن الدواء ذات مفعول قوي ويسهل الإدمان عليه والتعلق به.

وبحسب موسوعة العلوم العربية، ثبت أن هناك شخصاً بالغاً بين كل خمسة أشخاص على الأقل استخدم دواء مهدئ في مرحلة من مراحل حياته، وهي واحدة من الدراسات التي شملت عدداً من دول العالم.

وتتحول نسبة 5% من هؤلاء الأشخاص إما إلى مدمنين أو متضررين صحياً من أثر الدواء الجانبي. لكن ‏النسبة الآن تزيد عما ذكر في القرن الماضي، مع التطور الكبير الذي شهده القطاع الصحي تحديداً لجهة صناعة الأدوية وسهولة الحصول عليها في عدد من الدول.

أقوال جاهزة

شارك غردتتصدر الدول العربية العالم في نسبة الاكتئاب، مع تفاقم العنف وغياب الاستقرار فيها

شارك غردالوعي بأهمية السلامة النفسية بات موضوعاً مستجداً... العائق الأبرز؟ تكاليف الجلسات العلاجية

النظرة النمطية وخوف المجتمع

يعتبر أيمن من الشبان المغربيين المحظوظين بسبب قدرته على التعبير براحة عن مكنوناته بواسطة الكتابة والشعر، إلا أنه يقول إن عدداً كبيراً من المراهقين والبالغين، لا يستطيع ذلك. كما أن عدداً كبيراً من الباحثين عن مختص لا يفرّقون بين "الطبيب النفسي" Psychiatrist و"الأخصائي بعلم النفس" Psychologist.

ينطبق هذا الأمر على عدد من البلدان العربية، ولا بد أن يكون بمثابة ناقوس خطر، بحسب توصيف أيمن، الذي يشير إلى أن المجتمع يوصم من يزور "أخصائي علم النفس" بالمجنون.

لطالما اعتبرت المُتابعة النفسية في العالم العربي "تابو" لا يجرؤ كثر على نقاشه. عدد قليل من المواطنين يلجأ للعلاج النفسي، لكنهم لا يفصحون عما يقومون به ليبقى مخفياً عن المجتمع الذي يعمد إلى إطلاق صفات "الجنون" عليه.

وتفادياً للوصم الاجتماعي، برزت مبادرات تقدم خدمة العلاج النفسي في سرية تامة، منها مشروع "شازلونج" في مصر، وهو موقع إلكتروني يقدم الاستشارات النفسية لمن يرغب بعيداً عن العيون.

ازدياد الحاجات في مناطق النزاعات

نقص الأطباء والأخصائيين النفسيين ظهر بشكل جلي في العراق بعد ظهور تنظيم الدولة الإسلامية وتطور الحرب الدائرة والدامية معه. وبحسب منظمة أطباء بلا حدود، كان لهذا النقص أثر واضح مع اضطرار عدد كبير من العراقيين التعايش مع وجود هذا التنظيم.

لا تجد ياسمين أي عزاء لما تصف بـ"ظلم المجتمع وحكمه المسبق" على الصحة النفسية

أطباء بلا حدود واحدة من المنظمات التي تقدم الدعم النفسي لمتضرري الحرب في مناطق النزاعات وهي حاجة مستمرة في عدة دول عربية ولعل أبرزها إلى جانب العراق، اليمن وسوريا.

وتشير تقارير حديثة للمنظمة إلى توفير الرعاية الطبية والاستشارات للمرضى الذين يعانون من اكتئاب حاد أو قلق أو اضطرابات ما بعد الصدمة. ويُحال المرضى العاجزون عن ممارسة أنشطتهم اليومية إلى المنظمات الأخرى التي تقدم خدمات الرعاية الأوَّلية أو الدعم النفسي في المخيمات.

لبنان والانتصارات الصغيرة

يعاني لبنان، كالبلدان العربية الأخرى من أثمان الاستشارات النفسية الباهظة، بالإضافة إلى خجل المجتمع من الاعتراف بأهمية التوعية النفسية واختلاف العقبات النفسية التي قد تواجه البعض.

وفيما يتجه المجتمع اللبناني نحو مزيد من الانفتاح لناحية تلك المصطلحات، برزت جهود المفكرة القانونية التي عملت في إطار قانوني منذ سنة 2014 على مراجعة مشروع القانون الخاص بعلاج الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في الصحة النفسية، واقترحت بعض التعديلات عليه، بما يتوافق مع التوصيات الدولية.

وقد تم اعتماد نسخة جديدة من المشروع من قبل البرنامج الوطني للصحة النفسية في وزارة الصحة العامة اللبنانية، وهو مشروع تم فيه دمج مقترحات المفكرة القانونية.

تجري حالياً دراسة المشروع في البرلمان، داخل اللجان المشتركة، وقد تتجه بذلك وزارة الصحة اللبنانية نحو تغطية نفقات الصحة النفسية، وهو انتصار كبير في بلد المعضلات العديدة.

للإعلام دورٌ أيضاً

برزت تيارات تشجع الصحافيين والناشطين في مجال الإعلام على مقاربة المطبات النفسية التي تعصف بهم، هم، الذين غالباً ما يكونون على الخطوط الأمامية أو أمام الكاميرات، حاصدين آلاف المتابعين، وقد باتوا السبيل الأسرع لمقاربة أهمية النقاش عن الصحة النفسية وتأثيرها على الحياة اليومية.

INSIDE_MentalHealth2

ومن حسن حظ العاملين في مجال الاعلام أن عدداً كبيراً من الدورات التدريبية بات يغطي الجانب النفسي من المهنة ويتيح فرصة لهم لاكتشاف هذا العالم الواسع، إلا أن هذه الرفاهية تعد ترفاً للمجتمع غير القادر على الحصول على هذه الخدمة بسبب تكاليف العلاج الباهظة.

في تقرير صدر خلال شهر مارس 2017، قالت منظمة الصحة العالمية إن "حالات الطوارئ يمكن أن تبني نظم صحة نفسية أفضل" لناحية تدريب مختصين للاستجابة الفورية في ظل ما تمر به المنطقة العربية من انتكاسات.

علماً أن الحصول على الرعاية الصحية النفسية في مرافق الرعاية الصحية العامة بات، بحسب المنظمة، أفضل في العديد من مناطق سوريا في عام 2017 على سبيل المثال، مقارنة بما كان عليه قبل الحرب.

وتؤكد المنظمة في تقريرها أن الرعاية الصحية العقلية كانت متاحة فقط في المدن الكبيرة قبل الحرب، إلا أن التغيير حصل بعد الحرب إذ تم تدريب أكثر من 5000 موظف رعاية صحية أولية للاستجابة في سوريا.

الراسخ الوحيد هو أن دول العالم العربية رافضة لمبدأ الاستسلام ويعكس ذلك تمسكاً واضحاً بإرادة التغيير فيما يتعلق بمواضيع عديدة سياسية، اجتماعية، اقتصادية، وعلمية.

وقد يصبح التنبّه للصحة النفسية قريباً واحداً منها، لتغدو بذلك زيارة الأخصائي النفسي أسهل من زيارة الطبيب الصحيّ الذي يتفحّص أجسام المرضى "كاشفاً المستور"، فيما يملك زائر المعالج النفسي رفاهية إخفاء ما يريده والبوح بما يناسبه.

قد تعرّينا الحقيقة أحياناً، ولكن على الأقل نحن نمتلك حريّة صياغتها ومشاركتها بالطريقة التي تناسبنا.

لونا صفوان

لونا صفوان، صحافية لبنانية. عملت في عدد من المواقع الإلكترونية الناطقة باللغتين العربية والانكليزية على تغطيات أحداث الربيع العربي، الرقابة والحريات الصحافية.

التعليقات

المقال التالي