يوسف زيدان وصلاح الدين الأيوبي: اتّهامات عشوائية أم قراءة متوازنة؟

يوسف زيدان وصلاح الدين الأيوبي: اتّهامات عشوائية أم قراءة متوازنة؟

فجّرت تصريحات المؤرخ والروائي المصري يوسف زيدان الأخيرة حول صلاح الدين مساحة واسعة من الأخذ والرد في شأن هذه الشخصية التاريخية. اتهم زيدان السلطان الأيوبي بأنّه اقترف جرائم ضد الإنسانية عندما استأصل التشيع الفاطمي من مصر.

إذا وضعنا لغة الشتائم والشتائم المضادة جانباً، نجد لدى زيدان فكرة أساسية: وهي أن صلاح الدين الأيوبي "حساب مشترك" لكل من الاستبداد العسكري (جمال عبد الناصر) والأصولية الإسلامية، وأنّه قد آن أوان تصفية هذا الحساب.

يحدث هذا في الوقت نفسه بعد عقود من تصاعد الاصطفاف "مع أو ضد" صلاح الدين الأيوبي، على خلفية مذهبية. لكن أيضاً بعد أن بالغت الأنظمة العسكرية القومية كما الحركات الإسلامية السنية، في توظيف رمزية "صلاح الدين".

فكيف تعامل العرب في العصر الحديث مع شخصية صلاح الدين، قبل أن نصل إلى "مضبطة" يوسف زيدان بحقه؟ هل كان لديهم صورة واحدة عن صلاح الدين أو مجموعة صور؟

"الكردي العادل" في الميزان

عندما نكون أمام شخصية مركّبة تنتمي إلى مرحلة معقّدة، تفصلنا عنها ثمانية قرون ونصف القرن، فأوّل ما ينبغي فعله هو الاحتراز من الأحكام الأحادية، القطعية، الحادة، لأنها ستكون حتماً أحكاماً اعتباطية ومفترية، تسيء لمعرفة التاريخ مثلما تسيء لإعادة تركيب الذاكرة.

على النقيض تماماً من هذه الأحكام الأحادية القطعية الحادة، طوّر المفكّر العراقي هادي العلوي (ت 1998) نظرة فريدة لصلاح الدين، إذ خصّه بنبذة ضمن كتابه "شخصيات غير قلقة في الإسلام".

هادي العلوي مفكّر تشرّب مصادر متعددة (الماركسية والتاوية والتصوّف والتشيّع)، ومتبحّر ثاقب في التراث الإسلامي. رؤيته لصلاح الدين أنه "من الحكّام القلائل الذين تمتعوا بالشعبية وأحبهم الناس الذين تعودوا على مقت الحكام وتمني زوالهم"، كما طبعه الوجدان الصوفي الكردي، فكان "تديّنه أقرب إلى رجل عامي منه إلى سلطان".

وهو في الوقت نفسه قائد استثنائي من حيث الالتزام الصارم بقوانين الحرب، كما أحاط نفسه بنخبة من رجال العلم والأدب في زمانه، مثل طبيبه الخاص، الفيلسوف اليهودي موسى ابن ميمون، والقاضي الفاضل، رائد البلاغة، والوهراني، صاحب المقامات، و"إن عهداً أنجب الوهراني ورعى موسى بن ميمون لجدير بالعناية".

هذا من دون أن يغفل العلوي "خطيئتين" لصلاح الدين: إعدام الشاعر عمارة اليمني، الذي تورّط في مؤامرة ضدّه، إذ كان عليه "أن يكتفي متردداً أمام شاعر كبي ويكتفي بسجنه"، ومن شعر عمارة اليمني رثاء الدولة الفاطمية "يا عاذلي في هوى أبناء فاطمة لك الملامة إن قصرت في عذلي". وإعدام شهاب الدين السهرودي، إذ يأسف هادي لأن "الإعدام الوحيد الذي نفذ في التاريخ الإسلامي ضد فيلسوف تم على يد هذا الكردي العادل".

ما كتبه هادي العلوي عن صلاح الدين هو نبذة من بضع صفحات، وليس أطروحة أكاديمية ولا سيرة مطوّلة. مع ذلك تفرّدت هذه النبذة في أمرين: أنّها لم تسع لـ"اختطاف" صلاح الدين من "كرديته" لتحويله إلى رمز "قومي عربي". وأنّها تجاوزت الاصطفاف المذهبي السني الشيعي عندما تناولت السلطان الأيوبي.

أقوال جاهزة

شارك غرد في زمن صلاح الدين لم يكن كل المؤرخين السنة المعاصرين له معجبين به، ولا كل أعلام الشيعة يمقتونه

شارك غردكيف تعامل العرب في العصر الحديث مع شخصية صلاح الدين، قبل أن نصل إلى "مضبطة" يوسف زيدان بحقه؟

من جرجي زيدان إلى جمال عبد الناصر

هذا يختلف عن محاولة تنميط هذه الشخصية التاريخية لسكبها في قالب "فروسي عروبي" منذ رواية "صلاح الدين الأيوبي" لجرجي زيدان (ت1914) ثم "قومي عربي" في فيلم "الناصر صلاح الدين" (1963، إخراج يوسف شاهين وقصة يوسف السباعي وشارك في معالجة القصة سينمائياً نجيب محفوظ وآخرون)، الذي يوظف كل الطاقات الممكنة للمحاكاة بين "الناصر" صلاح الدين وبين جمال عبد الناصر.

فهادي العلوي يعطي دوراً مهماً للعنصر التكويني الكردي في صنع شخصية صلاح الدين، ونمط تديّنه، وأسلوب إدارته لأمور الحرب والسلم.

لكنه يختلف أيضاً عن دوامة الهجوم أو الدفاع المذهبيين عن صلاح الدين منذ نهاية السبعينيات إلى اليوم.

بالعودة إلى جرجي زيدان، فقد حرص في روايته "صلاح الدين الأيوبي" على ابتداع صورة لبطل القصة كمتسامح مع الأسرة الفاطمية بعد انتهاء دولتها. "أما أهل الخليفة فنقلهم صلاح الدين إلى دار برجوان في الحارة المنسوبة إليه، واختص سيدة الملك بالإكرام والحفاوة"، وإن كانت سيدة الملك هذه، أي أخت الخليفة الفاطمي الأخير، هي الوحيدة التي كان يسمح لها بالخروج من الإقامة الجبرية إلى البساتين".

طبعاً، هذا عمل روائي، لكنه لعب دوراً كبيراً في "استيراد" هذا الاهتمام الغربي بصلاح الدين، الذي لم يكن منذ قرون طويلة يثير اهتماماً كبيراً لدى العرب، وتحويله إلى "بطل قومي".

كان زيدان كتب روايته في مرحلة ما بعد زيارة الإمبراطور الألماني وليم الثاني للشرق العثماني، وتقصّده البحث عن قبر صلاح الدين في دمشق وتوصيته بترميم هذا القبر على نفقته، وما قبل زيارة الجنرال ماريانو غويبي الاستفزازية للقبر نفسه بعد دخول الفرنسيين إلى دمشق.

القالب السردي التمجيدي لصلاح الدين في العصر الحديث بدأ إذاً مع أديب مسيحي، ولاحقاً في الثلاثينيات من القرن الماضي، ستتبنى الحركة الوطنية الفلسطينية صلاح الدين كرمز، وتحتفل بذكرى انتصار الأيوبيين على الفرنج في معركة حطين، في 4 تموز من كل عام، وهو تقليد لم يعمّر طويلاً.

سيلاحظ في المجلات المصرية بالأربعينيات والخمسينيات ازدياد في المقالات التي تمدح بصلاح الدين، وتعتبره أنّه أعاد لمصر مكانتها في العالم الإسلامي.

بعد وصول الضباط إلى الحكم تحديداً، ستتصاعد هذه الظاهرة، بما تتضمنه من تشبيه دولة الملكية الآفلة بدولة الفاطميين، والجمهورية الصاعدة بالناصر صلاح الدين.

أما في مرحلة الوحدة بين مصر وسوريا فسيصير حضور هذا الرمز أقوى، باعتباره رمزاً لتوحيد القطرين، تمهيداً لتحرير الأراضي المقدّسة، وهذا سياق فيلم يوسف شاهين، الذي سبق هزيمة 5 حزيران بسنوات قليلة.

الصحوية الشيعية الحديثة في مواجهة صلاح الدين

في نهاية السبعينيات، وفي مرحلة موسومة بالصحوية الشيعية من إيران إلى لبنان، سيصدر الشيخ محمد جواد مغنية كتابه "الشيعة والحاكمون"، ويضمّنه هجوماً على ما أعتبره "التعصّب البغيض" عند صلاح الدين. تصريحات يوسف زيدان الأخيرة تستعيد مضمون هذا الهجوم، وإن يكن بشكل كاريكاتوري.

اتهم الشيخ مغنية صلاح بالغدر. فـ"بدلاً من أن يكافىء (الخليفة الفاطمي الأخير) العاضد على إحسانه، أخذ يكيد له ويضايقه وانتزع منه السلطة وصادر جميع أمواله حتى الفرس الذي كان يركبه".

أخذ مغنية بروايات عليها أخذ ورد فيما يتعلق بمصير الأسرة الحاكمة: "حبس بقايا العلويين في مصر، وفرّق بين الرجال والنساء حتى لا يتناسلوا"، وأن كان من المرجّح أن صلاح الدين قضى فعلاً على مخطوطات فاطمية كثيرة في مكتبات الأزهر ودار الحكمة وقصر الخلافة.

كما يستعيد الشيخ روايات ثابت بطلانها، إذ يتهم صلاح الدين بأنه "أعاد يوم قتل الحسين عيداً كان قد سنّه بنو أمية والحجاج". الضجة التي أثارها يوسف زيدان تجد مصدرها في كتاب الشيخ مغنية.

عندما نكون أمام شخصية مركبة تنتمي إلى مرحلة معقدة، يجب الاحتراز من الأحكام الأحادية، القطعية، لأنها ستكون حتماً أحكاماً اعتباطية ومفترية، تسيء لمعرفة التاريخ مثلما تسيء لإعادة تركيب الذاكرة

مع ذلك، لم يذهب مغنية إلى ما ذهب إليه زيدان من إنكار لبطولات صلاح الدين العسكرية. قال: "نحن لا ننكر على صلاح الدين مآثره في الحروب الصليبية، ومن ينكر بطولته وتضحيته ضد الفاتحين والمستعمرين"، وإن أخذ مغنية على الأيوبي أنه عقد الهدنة في خاتمة الأمر مع الإفرنج.

في مقابل وصف زيدان لصلاح الدين بـ"أحقر الشخصيات في تاريخ الإنسانية"، يبقى موقف مغنية أكثر ذكاء واتزاناً: "لا منافاة أبداً بين أن يكون صلاح الدين بطلاً عظيماً وبين أن يدين ويؤمن بالتعصب عقيدة ومبدأ".

وفي كل الأحوال، لم ينته الوجود الشيعي في مصر مع نهاية الخلافة الفاطمية، مع أنه كان من الأساس وجوداً محدوداً في ظلّها، ومنحسراً في نهاياتها. فحتى بعد انقضاء حكم السلاطين الأيوبيين ومجيء المماليك، ستظل هناك حركات انتفاضية تطمح في إحياء الحكم الشيعي في مصر، مثل حركة الكوراني الفارسي الأصل، على رأس جمهرة من الشيعة النوبيين والسودانيين في القاهرة، في أيام الظاهر بيبرس، والتي ستنتهي بصلب الكوراني على باب زويلة.

الإحياء السني وخط النسخ

يمثّل كتاب عبد الرحمن عزام "صلاح الدين وإعادة إحياء المذهب السني" الذي كتب بالإنكليزية قبل نقله إلى العربية، منعطفاً مهماً في تاريخ الاعتناء العربي بمؤسس الدولة الأيوبية.

يعتبر عزام أن أعظم إنجازات صلاح الدين لم تكن استعادة بيت المقدس، وإنما إحياء المذهب السني في مصر. الإحياء السني كما يفهمه عزام هو عملية تراكمية مزمنة وشاملة لجميع جوانب المعاش والسياسة والفكر. وبدلاً من المقاربات التي تعطي مكانة طليعية للحنابلة في هذا الإحياء، يعطي عزام المكانة الأبرز للشافعية.

 

الوزير نظام الملك هو المؤسس السياسي لهذا الإحياء، والغزالي هو مؤسسه الروحي. أما التركماني نور الدين الزنكي والكردي صلاح الدين فقد حققاه على الصعيد التاريخي. الإحياء السني هو أيضاً عملية تليين وتوسيع للتسنن: تحويله من مذهب حرفي وصدامي إلى "مذهب واسع وشامل بما يكفي لأن يجمع داخله آراء الأغلبية الغالبة من المسلمين"، ربطه بالتصوف المعتدل، وبالتدين الشعبي، وليس بعيداً عن ذلك "اصلاح الخط" بالانتقال من الخط الكوفي إلى خط النسخ في كتابة المصاحف ما دام الخط الكوفي ارتبط في مصر الفاطمية بالتأويل الباطني للقرآن.

ارتبط هذا أيضاً بربط الإحياء بالجهاد، ابتداءً من تقويض عماد الدين زنكي، والد نور الدين، لدولة الرها الصليبية، ووصولاً الى احباط نور الدين للحملة الصليبية الثانية التي حاولت اجتياح دمشق، والأهمية التي أخذها موضوع استعادة القدس مع نور الدين زنكي. رغم هذا، بقي نور الدين متأففاً من أي تحالف مع الفاطميين ضد الفرنج، ويعتبر أنه في مصر "اجتمع داءان الكفر والبدعة، وكلاهما شديد الروعة".

علماً أن عزام، بخلاف نور الدين زنكي الذي كان قمعياً بشدة للشيعة الإمامية في حلب، يعتبر أن صلاح الدين "الكردي في عصر الأتراك"، تأثر بنظرة أقل عداء للشيعة، والأهم أنه كان واثقاً من "أن الخطر على الإسلام لا يأتي من جانب الشيعة، بل من جانب المسيحيين" في مصر، فلم يعودوا يتمتعون في حكمه بالنفوذ النسبي الذي كان لهم سابقاً (إلى حد توزير بهرام الأرمني المسيحي عام 1135 في أواخر الدولة الفاطمية).

تفكك التشيع المصري

وإذا كان عبد الرحمن عزام يهتم بإبراز حدة التناقض بين الأيوبيين والمسيحيين، وخصوصاً الأرمن، في مصر، في فترة صلاح الدين، يتميز عمل مهم آخر صدر العام الماضي، "أثر الحروب الصليبية على العلاقات السنية الشيعية" لمحمد بن المختار الشنقيطي، في إدراكه أن التشيع المصري في نهاية الدولة الفاطمية أخذ يميل أكثر فأكثر نحو التشيع الإثني العشري، خصوصاً مع تولي طلائع بن زريك الأرمني النسب، والشيعي الإثني العشري، الوزارة، و"لم يكن على مذهب العلويين المصريين" (ابن الأثير).

فما حدث على الأمد الطويل، أن التشيع الفاطمي في مصر لم يتمكن من أن يتحول إلى مذهب الأكثرية من المسلمين في وادي النيل (الذي كانت لا تزال أكثرية سكانه مسيحية)، لأن الإسماعيليين الفاطميين لم يتمكنوا لما فرضوا تشيعهم من فوق إلى تحت، من تطوير فقه إسماعيلي متجذر في مجتمعه، وكثير من المحاولات لتطوير فقه فاطمي كانت بمثابة "تشييع" للفقه المالكي (تحديداً في حالة القاضي النعمان).

من هنا سيتفكك التشيع المصري في القرن الثاني عشر: قسم منه أخذ يتجه نحو الإثني العشرية، وقسم آخر يحتفظ بالفولكلور الشيعي لتوظيفه لاحقاً في إطار صوفي، وقسم آخر، بقي إسماعيلياً منقسماً بين الفرقتين، المستعلية والنزارية. واللافت أنّ الإسماعيلية النزارية التي بدأت تصادمية مع الأيوبيين في بلاد الشام، تحولت سريعاً إلى التواطؤ مع الأيوبيين ضد الأعداء المشتركين.

نقمة ابن الأثير "السني" على صلاح الدين

يذكرنا الشنقيطي أنه في زمن صلاح الدين لم يكن كل المؤرخين السنة المعاصرين له معجبين به، ولا كل أعلام الشيعة يمقتونه.

ابن الأثير السني كان ناقماً عليه، لأن ابن الأثير كان موالياً للزنكيين. أما المؤرخ الشيعي يحيى بن أبي طي الحلبي الذي كان يبغي الزنكيين لما فعلوه بشيعة حلب، فكان يقدّر صلاح الدين وأعماله. ولاحقاً، في الفترة المملوكية، انحاز المؤرخ المقريزي، السني، للفاطميين لأنهم أكثر مصرية من الأيوبيين، واعتبر أنه مع صلاح الدين "صار الأمراء الشاميون في سائر نعم أمراء مصر، وأصبح الأمراء المصريون معتقلين في أيدي أعاديهم". وهذا مختلف تماماً عن موقف ابن تيمية، الذي اعتبر صلاح الدين قد أعاد الإسلام، وليس فقط التسنن، إلى مصر، "بعد أن مكثت بأيدي المنافقين المرتدين عن دين الإسلام".

صحيح أنّ الأعمال العربية حول هذه الفترة لا تزال محدودة من حيث القيمة، وأيضاً من حيث الكم، قياساً بما أنتجته الأكاديميا الغربية. بقي أنّه، حتى في محدوديتها، توفر المكتبة العربية منسوباً أفضل من الوعي المعرفي التاريخي بصلاح الدين وما له وما عليه، وبالمسافة بيننا وبينه، وبعدم إمكانية اختزال النزاعات المذهبية إلى قالب واحد يتكرر كما هو بلا طارىء عليه من عصر إلى عصر، من تلك المحاولات لـ"شيطنة" السلطان الأيوبي، التي وصلت إلى كاريكاتور فظ في حالة يوسف زيدان.

التعليقات

المقال التالي